كنت علي وشك

لمحة نيوز

خطفتهم. أنا بقول إنها كانت آخر واحدة عارفة إن سلمى هتخرج.
أحمد اتنفس بعصبية.
طب والراجل اللي في الكاميرات؟
يوسف قرب منه وقال
الساعة اللي شفتها مش ساعتي الوحيدة.
أحمد سكت.
في شخص تاني بيلبس نفس النوع.
مين؟
يوسف بص ناحية باب المخزن.
كمال.
أحمد قبض إيده.
بس كمال اختفى من سنين.
اختفى، آه. مات؟ لأ.
فجأة سمعوا صوت عربية بتتحرك بسرعة برا المخزن.
أحمد جري ناحية الشباك.
لمح عربية سوداء بتبعد.
وفي المقعد الخلفي
كانت فيه طفلتان.
صرخ
ليلى! ملك!
خرج يجري، لكن العربية اختفت في آخر الشارع.
رجع للمخزن وهو بيكاد يفقد أعصابه.
هما البنات!
يوسف قال بسرعة
إذن لازم نعرف رايحين فين.
أحمد مسك هاتفه.
هبلغ الشرطة.
يوسف أوقفه.
استنى.
إنت عايزني أستنى وبناتي مختفيين؟!
لو بلغنا دلوقتي، الشخص اللي خدهم هيختفي للأبد.
أحمد بص له بغضب.
ومين قال إننا هنلاقيهم لو ما بلغناش؟
يوسف أشار للملف الأسود.
لأن أبوك سايب حاجة تقدر توصلنا لهم.
أحمد فتح الملف.
كان فيه أوراق قديمة، وحسابات، وأسماء شركات.
وفي آخر ورقة
كان فيه عنوان.
أحمد قرأه بصوت منخفض
مزرعة السرو.
يوسف قال
المكان ده مملوك لمين؟
أحمد قلب الورقة.
وشه اتغير.
لأمي.
سكت الاتنين.
وفي نفس اللحظة، وصل لأحمد تسجيل صوتي من رقم مجهول.
ضغط تشغيل.
جاء صوت سلمى
أحمد لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أوصلك في الوقت المناسب.
أحمد قرب الهاتف من أذنه.
متروحش للمزرعة لوحدك.
ثم ساد صمت قصير.
وعاد صوتها
لأن أمك مش هي الشخص اللي لازم تخاف منه.
أحمد اتجمد.
ثم جاء آخر جزء من التسجيل
الشخص اللي لازم تخاف منه هو اللي أقنعني من أربع سنين إن أحمد مش أبو البنات.
انقطع التسجيل.
أحمد رفع عينيه ناحية يوسف.
إيه؟
يوسف لم يرد.
يعني إيه مش أبو البنات؟
يوسف تنهد.
دي الحاجة الوحيدة اللي سلمى كانت بتحاول تتأكد منها.
أنا أبوهم ولا لأ؟
يوسف بص له مباشرة.
الجواب موجود في التحليل اللي أبوك طلبه قبل وفاته.
أحمد سأل
فين؟
يوسف أشار إلى الملف.
بس التحليل مش موجود.
مين أخده؟
يوسف قال
كمال.
وقبل ما أحمد يستوعب، رن هاتفه مرة أخرى.
رقم مجهول.
رد.
صوت رجل مسن قال بهدوء
لو عايز بنتيك يرجعوا، تعالى للمزرعة قبل منتصف الليل.
أحمد قال
مين؟
الرجل ضحك ضحكة قصيرة.
اسأل أمك.
وأغلق الخط.
أحمد وقف مكانه.
ثم قال
أنا رايح.
يوسف أمسك بذراعه.
مش لوحدك.
أحمد سحب ذراعه.
المرة دي هروح أنا.
لكن وهو خارج من المخزن، لم يلاحظ الورقة الصغيرة التي سقطت من الملف.
كان مكتوبًا عليها بخط والده
لو أحمد عرف أن البنتين بناته سيبحث عن الحقيقة.
ولو بحث عن الحقيقة سيكتشف أن الشخص الذي ربّاه طوال عمره لم يكن أباه الحقيقي.
وتحت الجملة
كان هناك اسم واحد فقط.
كمال الراوي أحمد خرج من المخزن، لكن قبل ما يركب عربيته، يوسف لحقه.
استنى يا أحمد!
أحمد وقف من غير ما يلف.
قول.
يوسف كان ماسك الورقة اللي وقعت من الملف.
لقيت دي.
أحمد أخدها، وأول ما قرأ الجملة، وشه اتبدل.
الشخص اللي ربّاني طوال عمري لم يكن أباه الحقيقي...
رفع عينه ليوسف.
إنت كنت عارف؟
يوسف هز رأسه بسرعة.
والله ما كنت أعرف.
طب ليه أبويا كتب كده؟
يوسف سكت ثواني.
يمكن لأنه كان عايزك تكتشف الحقيقة بنفسك.
أحمد طوى الورقة وحطها في جيبه.
أنا مش هروح المزرعة عشان أكتشف مين أبويا.
يوسف قال
هتروح عشان ترجع بناتك.
أحمد بص له.
بالظبط.
ركب عربيته وانطلق.
لكن بعد حوالي عشر دقائق، تليفونه رن.
رقم أمه.
بص للشاشة شوية، وبعدين رد.
أيوه يا أمي.
جاء صوتها متوترًا
أحمد إوعى تروح المزرعة.
سكت.
عرفتي منين إني رايح؟
مفيش رد.
ردي عليا!
قالت بصوت منخفض
لأن كمال هناك.
أحمد شد إيده على الدركسيون.
وإنتِ عرفتي كمال منين؟
مش وقته.
لأ، وقته جدًا.
صوتها ارتجف
لو شفته ماتسمعش كلامه.
ليه؟
لأنه هيقولك إن أبوك مات وهو بيحاول يحميك منه.
أحمد سأل بسرعة
يحميّني من إيه؟
لكن المكالمة اتقطعت.
حاول يتصل بيها تاني.
الهاتف مغلق.
وصل أحمد إلى بوابة مزرعة السرو قبل منتصف الليل بدقائق.
المكان كان غارق في الظلام.
لا حراسة.
لا أضواء.
ولا حتى صوت كلاب.
فتح البوابة الحديدية ودخل.
وبمجرد ما نزل من العربية
سمع صوت طفلة من داخل البيت
بابا؟
أحمد تجمد.
ليلى؟
ركض ناحية الباب.
فتحته.
الصالة كانت فاضية.
وفوق الترابيزة
كان فيه فستان طفلة صغير.
أحمد مسكه بإيده.
كان فستان ملك.
وفجأة سمع صوت خطوات فوقه.
رفع رأسه ناحية السلم.
خطوة
خطوة
ثم ظهر رجل في آخر السلم.
جاكيت أسود.
وساعة ضخمة في إيده.
أحمد قال
كمال؟
الرجل ابتسم.
أخيرًا جيت يا أحمد.
أحمد تقدم خطوة.
بناتي فين؟
كمال ما ردش.
بدل كده قال بهدوء
قبل ما تشوفهم، لازم تعرف مين أبوك الحقيقي.
أحمد قبض إيده.
أنا مش جاي أسمع حكايات.
كمال نزل درجة واحدة.
بس الحكاية دي هي اللي خلت أمك تخبي عنك كل حاجة.
ثم مد إيده بورقة قديمة.
وده الدليل.
أحمد أخد الورقة.
قرأ أول سطر
وفجأة اتسعت عيناه.
لأن الورقة كانت شهادة ميلاد قديمة باسمه هو.
لكن اسم الأب المكتوب فيها
لم يكن اسم الرجل الذي عاش أحمد طوال حياته معتقدًا أنه والده.
كان اسمًا آخر.
كمال الراوي.
وقبل ما أحمد ينطق
جاء صوت صرخة طفلة من الغرفة المجاورة
باباااا!
أحمد جرى ناحية الصوت.
كمال لم يحاول منعه.
بل ابتسم وقال
روح لهم
ثم همس
بس افتكر اللي هتشوفه جوه هيغير كل حاجة الظلام نزل على المزرعة مرة واحدة.
أحمد سحب ليلى وملك ورا ضهره، وقال
محدش يتحرك.
نادية قربت منهم بسرعة.
أحمد، اسمعني لازم نخرج من هنا حالًا.
لأ.
صوته كان هادي بشكل مخيف.
المرة دي مش ههرب من الحقيقة.
وفجأة سمعوا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.
كمال اختفى من مكانه.
أحمد لف بسرعة
كمال!
مفيش رد.
نادية مسكت إيده.
تعالى.
لكن أحمد وقف مكانه.
إنتِ عارفة الطريق ده؟
نادية سكتت.
أمي إنتِ جيتي هنا قبل كده؟
قالت بصوت مكسور
أيوه.
كام مرة؟
كتير.
وليه؟
قبل ما تجاوب، نور صغير ظهر من آخر الممر.
وكان كمال واقف هناك.
لكن المرة دي كان ماسك ظرف أبيض.
قال
لأن أمك كانت بتيجي هنا كل سنة في نفس اليوم.
أحمد بص لأمه.
ليه؟
كمال رفع الظرف.
عشان تستلم جواب.
أحمد قرب.
من مين؟
كمال ابتسم.
من أبوك.
نادية صرخت
كمال! كفاية!
أحمد لف لها.
أبويا مات من ست سنين!
أنا عارفة.
يبقى إزاي كان بيبعت لها جواب كل سنة؟
نادية نزلت عينيها.
كمال قال
لأن أول جواب اتكتب قبل موته والباقي كان مجرد تعليمات.
أحمد أخذ الظرف.
كان مكتوب عليه
إلى نادية لا تسلمي هذا لأحمد إلا عندما تظهر البنتان.
أحمد فتحه بإيد بتترعش.
قرأ
نادية، لو وصل اليوم اللي أحمد يعرف فيه عن بنتيه، يبقى الشخص اللي كنت بخاف منه رجع.
أحمد رفع عينه.
كمال قال
اقرأ الباقي.
أكمل أحمد
لكن أهم حاجة ماتخليش أحمد يصدق إن سلمى هي اللي اختفت بإرادتها.
تجمد أحمد.
يعني إيه؟
كمال قال
يعني سلمى ما خرجتش من المستشفى بإرادتها.
نادية هزت رأسها.
هو بيكدب.
كمال رد
طب اسألي ابنك عن التسجيل اللي وصله.
أحمد أخرج هاتفه وشغل تسجيل سلمى.
الصوت رجع من البداية.
لكن هذه المرة، انتبه أحمد لحاجة ماخدش باله منها.
في آخر التسجيل
كان فيه صوت خافت جدًا في الخلفية.
صوت باب بيتقفل.
وبعده صوت رجل يقول
خلصنا يا سلمى.
أحمد وقف التسجيل.
ده مش صوت كمال.
كمال قال
لأ.
أحمد بص لنادية.
إنتِ تعرفي الصوت ده؟
نادية بدأت تبكي.
وبعد لحظات قالت
أيوه.
مين؟
رفعت عينيها إليه.
أخوك.
أحمد شهق.
أنا معنديش أخ!
نادية سكتت.
وفي نفس اللحظة
جاء صوت ضحكة من أعلى السلم.
صوت رجل.
كان عندك.
ثم ظهر ظل شخص واقف فوق السلم.
وأول ما النور الخافت وقع على وجهه
أحمد شاف ملامح شبهه هو.
الرجل قال
بس أبوك خلاكم تفتكروا إني مت أحمد فتح باب الغرفة بعنف.
ليلى! ملك!
لكن الغرفة كانت فاضية.
السرير الصغير متقلب، والستارة بتتحرك مع الهوا، وعلى الأرض لعبتين من لعب البنات.
أحمد وقف للحظة، وبعدين سمع صوت بكاء خافت جاي من ورا الحائط.
قرب بسرعة.
حط إيده على الحائط، واكتشف إن فيه جزء منه بيتحرك.
زقه
فانفتح باب سري ضيق.
ورا الباب كان فيه ممر مظلم.
ومن آخره، سمع صوت ملك
بابا إحنا هنا!
أحمد جري.
لكن قبل ما يوصل، ظهر كمال قدامه.
أحمد زقه بعيد.
ابعد عني!
كمال ما قاومش.
قال بهدوء
لو دخلت عليهم دلوقتي، ممكن تضيعهم للأبد.
أحمد صرخ
إنت خطفتهم!
لأ.
أمال هما فين؟
كمال أشار للممر.
في آخره.
أحمد وقف.
ليه سايبهم هنا؟
كمال قرب منه وقال
لأن الشخص اللي خطفهم مش أنا.
أحمد اتصدم.
مين؟
كمال قال
الشخص اللي دخل المزرعة قبلك بساعتين.
مين؟
كمال مد إيده بتليفونه.
فتح تسجيل كاميرا.
ظهرت سيارة تدخل المزرعة.
أحمد قرب من الشاشة.
باب العربية اتفتح.
ونزلت امرأة.
أحمد حس إن الدم اتسحب من وشه.
أمي
كمال قال
أيوه.
أحمد فضل ساكت.
لكن فجأة ظهرت لقطة تانية.
أمه ما كانتش لوحدها.
كانت بتتكلم مع رجل واقف جنب العربية.
ولما الرجل لف وشه ناحية الكاميرا
أحمد شهق.
لأن الرجل كان يشبه والده بدرجة مرعبة.
كمال قال
دلوقتي فهمت ليه أبوك كتب إن اللي ربّاك مش أبوه الحقيقي؟
أحمد بص له.
إنت عايز تقول إن الراجل ده هو أبويا؟
كمال هز رأسه.
لأ.
وسكت لحظة.
أنا بقول إن أبوك الحقيقي هو الوحيد اللي كان عارف إن الراجل ده موجود.
أحمد حس إن رأسه بتدور.
طب مين الراجل ده؟
كمال رد
توأم أبوك.
أحمد اتجمد.
أبوك كان عنده أخ توأم والعيلة كلها قالت إنه مات وهو طفل.
ثم جاء صوت من آخر الممر
وده كان أكبر كذبة اتقالت في العيلة.
أحمد لف بسرعة.
والصوت كان صوت أمه.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها ليلى وملك.
البنتان جريتا ناحية أحمد.
بابا!
ضمهم أحمد بقوة، لكن عينه فضلت على أمه.
إنتِ اللي خدتيهم؟
أمه هزت رأسها والدموع في عينيها.
أنا اللي أنقذتهم.
أحمد قال
من مين؟
أمه بصت ناحية كمال.
منه.
كمال ابتسم بسخرية.
لسه بتكذبي عليه يا نادية؟
أحمد بص بين الاتنين.
حد يفهمني!
أمه قالت
كمال مش أخو أبوك.
كمال ضحك.
قولي له الحقيقة كلها يا نادية.
سكتت.
وبعدين قالت جملة خلت أحمد يحس إن الأرض اختفت من تحته
كمال هو الشخص اللي كان سبب في موت أبوك والشخص اللي أخفى الحقيقة عنك طول عمرك.
أحمد قرب منها.
طب ليه؟
أمه فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفًا قديمًا.
لأن أبوك قبل ما يموت كتب اسم الشخص اللي كان بيهدد العيلة.
مدت الظرف لأحمد.
وأنا أخفيته عنك تلات سنين.
أحمد فتح الظرف.
قرأ أول سطر.
وتوقف قلبه للحظة.
يا أحمد لو وصلت للرسالة دي، ماتصدقش إن كمال هو أخطر شخص في حياتك.
رفع عينه.
أمال مين؟
أمه لم تجب.
ومن خلفهم
انغلق باب الممر السري بصوت قوي.
وفي نفس اللحظة، اختفت الكهرباء عن المزرعة كلها أحمد فضل باصص للرجل اللي واقف فوق السلم، مش قادر يستوعب اللي شايفه.
ملامحه شبهه بشكل يخض.
نفس العينين
نفس شكل الفك
حتى طريقة وقوفه كانت غريبة، كأن أحمد شايف نفسه بعد عشرين سنة.
قال بصوت مخنوق
إنت مين؟
الرجل نزل درجة.
أنا رامي.
أحمد هز رأسه.
رامي مين؟
ابتسم الرجل.
رامي
تم نسخ الرابط