حماتي فضلت
حماتي فضلت 8 شهور تقنعني إنها واحدة واحدة بتفقد عقلها.
كنت بطبخ لها كل وجبة.
أساعدها تستحمى.
أزرّر لها هدومها.
أغسل شعرها.
أنضف وراها لما يحصل لها أي حادث.
وأتأكد إنها عمرها ما تفضل لوحدها.
وكل ما كنت أقول لجوزي إني تعبت، جرانت كان بيرد عليّا بنفس الجملة
هي مش بتثق غير فيكي يا ناتالي.
فكنت بفضل.
وأضحي بجزء أكبر وأكبر من حياتي، لأني كنت مصدقة إن فيفيان محتاجاني.
لحد ليلة باردة من ليالي شهر أكتوبر، وأنا بعدّي قدام أوضتها، سمعتها بتتكلم في التليفون.
صوتها ماكانش ضعيف.
ولا تايه.
ولا خايف.
كان طبيعي جدًا.
وبعدين ضحكت.
وقالت
لسه ما تعرفش.
ماواجهتهاش.
ماصرختش.
حتى ماخبطتش على الباب.
بس وقفت في طرقة البيت الضلمة، وأنا ماسكة فوطة نضيفة على صدري، وفجأة فهمت إن ال شهور اللي فاتوا من حياتي ممكن يكونوا مبنيين على كذبة.
وتاني يوم الصبح، كنت عارفة بالظبط أنا هعمل إيه.
بعدها بعشر دقايق، فيفيان خرجت تجري من أوضتها.
لكن عشان تفهموا ليه حصل كده، لازم تعرفوا الأول إيه اللي حصل قبل الليلة دي.
الضحكة دي كانت اللحظة اللي أخيرًا كسرت السحر اللي كنت عايشة فيه.
على مدار 8 شهور، كنت بتفرج على حماتي وهي على حد ما كنت فاكرة بتنسى حتى إزاي تستخدم المعلقة.
كنت بقعد قصاد فيفيان ميرسر على ترابيزة المطبخ، وألاقيها بتبص للأكل قدامها بحيرة، كأنها مش فاكرة المفروض تعمل إيه بعد كده.
كنت بقطع لها الفراخ قطع صغيرة.
وأزرّر لها البلوفرات لما كانت صوابعها على حد زعمها مش بتطيعها.
وأغسل الشامبو من شعرها الفضي وهي قاعدة بهدوء تحت الميه الدافية.
وكنت أغير ملايات سريرها بعد الحوادث اللي كانت بتعيط بسببها.
وأساعدها تلبس.
وأقضي ساعات بعد الضهر قاعدة جنبها، والتليفزيون شغال على برامج المسابقات، وهي بتبص للشاشة كأنها حتى مش فاهمة الأسئلة.
وده بقى شكل حياتي.
عشان كده، لما عدّيت قدام أوضة فيفيان قبل نص الليل بشوية يوم التلات، توقعت أسمع نفس الصوت التايه والمرتبك اللي اتعودت عليه.
لكن بدل كده
وقفت مكاني في الطرقة.
سمعتها بتقول
لأ يا جرانت، اسمعني كويس. يوم الجمعة هيكون آخر خطوة.
جسمي كله اتجمد.
الفوطة النضيفة اللي كنت ماسكاها بين دراعاتي فجأة حسيتها تقيلة بشكل مش طبيعي.
تحت، في الدور الأرضي، النشافة كانت لسه شغالة، وصوتها الميكانيكي الهادي بيتكرر كل كام ثانية.
دُم.
سكون.
دُم.
ومن ورا باب أوضة فيفيان اللي كان مفتوح سنة، صوتها كمل.
ثابت.
حاد.
ومركز جدًا.
مفيهوش أي شبه بالست اللي قضيت شهور بعتني بيها.
قالت
هي وقّعت على الورق المهم. إنت كنت قلقان من غير سبب. ناتالي فاكرة إن الورق ده خاص برعايتي.
بُقي نشف.
جرانت.
جوزي.
هي كانت بتتكلم مع جوزي.
للحظة، بجد سألت نفسي إذا كان التعب أخيرًا لعب في دماغي.
يمكن فهمت غلط.
يمكن فيه تفسير.
لكن بعدها سكتت شوية.
وفيفيان ضحكت.
ماكنتش ضحكتها الصغيرة المترددة اللي كانت بتضحكها أحيانًا لما تكون على حد ما كنت فاكرة مش قادرة تتابع الكلام.
الضحكة دي كانت مختلفة.
واطية.
واثقة.
ومليانة رضا.
وقالت
لسه ما تعرفش.
ضغطت الفوطة على ضلوعي بقوة لدرجة إن دراعاتي بدأت توجعني.
8 شهور.
8 شهور أكل.
وحَمّام.
وغسيل.
ومواعيد دكاترة.
وليالي من غير نوم.
8 شهور وأنا بغير شكل حياتي كلها عشان واحدة كنت مصدقة إنها بتضيع مني واحدة واحدة.
والأغرب إن تحت الصدمة، كان فيه إحساس تاني بدأ يطلع جوايا.
إحساس إني عارفة.
لأن جزء هادي جوايا كان بيجمع أدلة بقاله شهور.
أنا بس مكنتش عايزة أبص لها.
اسمي ناتالي هاربر.
كان عندي وقتها 34 سنة، ولحد السنة اللي حصلت فيها كل المصايب دي، كنت مديرة مكتب في عيادة أسنان كبيرة في كيتيرينج، أوهايو.
كنت شاطرة جدًا في شغلي.
بجد.
4 دكاترة أسنان.
6 أطباء صحة أسنان.
مطالبات التأمين.
فواتير الموردين.
كشوف المرتبات.
مشاكل المواعيد.
ومرضى مرعوبين من علاج العصب.
كل يوم كان عبارة عن لغز فيه مئات التفاصيل، وأنا كنت المسؤولة إني أخلي كل حاجة ماشية في مكانها.
المحاسب بتاعنا كان مرة قالي إني الشخص الوحيد في المكان اللي ممكن يبص في كشف حساب لمدة 6 شهور ويكتشف غلطة ب دولارات قبل وقت الغدا.
والتفصيلة دي مهمة.
لأني مكنتش مهملة.
ومكنتش ساذجة.
وبالتأكيد مكنتش من النوع اللي يمضي على ورقة من غير ما يقرأ كل سطر فيها.
أو على الأقل مكنتش كده زمان.
مش قبل ما أبقى مرهقة لدرجة إني كنت ممكن أنام وأنا قاعدة.
قابلت جرانت ميرسر من 6 سنين في حفلة شواء.
كان طويل، ومتحرك دايمًا، ودمه خفيف من غير ما يحاول يثبت إنه مضحك.
جرانت كان بيبيع معدات مطابخ تجارية في جنوب أوهايو وشمال كنتاكي، فكان بيقضي أغلب شغله بيتكلم مع أصحاب مطاعم، ومديري مدارس، ومقاولين، وأي حد ليه علاقة بتجهيز مطبخ احترافي.
وجرانت كان بيعرف يتكلم مع أي حد.
مش بس كده.
كان بيعرف يخلي أي شخص يحس إنه فاهمه.
دي كانت موهبته.
ممكن تختلف معاه تمامًا، لكنه كان يميل براسه، ويبتسم ابتسامته الهادية، ويسمعك.
وبعدها، بطريقة ما، كنت تلاقي نفسك بعد 5 دقايق حاسس إنكم إنتوا الاتنين وصلتوا لنفس النتيجة سوا.
اتجوزنا بعد سنتين من أول ما اتقابلنا.
وكان فيه تفصيلة واحدة في جوازنا، فجأة بقت مهمة جدًا بعد ما سمعت مكالمة فيفيان.
البيت اللي كنا عايشين فيه مكانش بتاع جرانت.
وعمره ما كان بتاع جرانت.
البيت كان بتاع جدتي، جون هاربر.
جدتي جون هي الست اللي ربتني بعد ما أمي اختفت في حياة كانت فوضوية لدرجة إنها ماكانش فيها مكان لطفلة.
كان بيت جدتي بيت طوب متين من دورين في أوهايو، بسلالم خشب قديمة بتزيق، ومطبخ ضيق، وشجرة قيقب قديمة في الجنينة الأمامية، كانت بتغطي البلكونة ببذورها الصغيرة كل شهر يونيو.
بالنسبة لمعظم الناس، كان مجرد بيت.
لكن بالنسبة لي كان أكتر مكان آمن عرفته في حياتي.
هو المكان اللي جدتي ربتني فيه.
المكان اللي كبرت فيه.
المكان اللي اتعلمت فيه يعني إيه أمان واستقرار.
ولما ماتت، سابت البيت ده ليا.
مش ليا أنا وجرانت.
ومش لعيلة ميرسر.
ومش لفيفيان.
ليا أنا.
البيت مكنش عليه قرض.
ومكانش فيه شريك في الملكية.
كان فيه اسم واحد بس متعلق بالبيت ده.
اسمي.
وأنا واقفة قدام أوضة فيفيان في الليلة دي، وبعيد في دماغي الكلمات اللي سمعتها
هي وقّعت على الورق المهم.
يوم الجمعة آخر خطوة.
لسه ما تعرفش.
فجأة فهمت إن أيًا كان اللي جرانت وفيفيان كانوا بيخططوا له طول ال شهور اللي فاتوا
بيت جدتي كان له علاقة بالموضوع بطريقة ما.
ولأول مرة من ساعة ما فيفيان بدأت تفقد ذاكرتها، بطلت أفكر كإني مجرد واحدة بتعتني بيها.
وبدأت أفكر زي الست اللي ممكن تلاقي غلطة ب دولارات مستخبية وسط حسابات 6 شهور.
مشيت بهدوء ورجعت آخر الطرقة.
ماقلتش حاجة.
وما سألتش جرانت أي سؤال.
وفيفيان ماعرفتش أبدًا إني سمعت كلمة واحدة.
لكن تاني يوم الصبح
عملت حاجة واحدة.
وبعدها بعشر دقايق
فيفيان خرجت تجري من أوضتهاووو
حكايات_زيزي
تاني يوم الصبح، صحيت قبل جرانت بساعة كاملة.
دخلت المطبخ، عملت القهوة، وحطيت فنجانين على الترابيزة زي كل يوم.
بس المرة دي ماحطتش لفيفيان طبقها المعتاد.
ماجهزتش أدويتها.
وماكتبتش جدول مواعيدها.
فتحت اللابتوب، وقعدت قدام شاشة سودة وأنا بحاول أهدّي إيدي.
اللي سمعته بالليل كان كفاية عشان أخاف.
لكن الخوف مش هيخليني أعرف الحقيقة.
الفلوس هتخليني أعرفها.
فتحت حسابي البنكي، وبعدها دخلت على إيميلات الشغل القديمة، وبدأت أراجع كل ورقة وقّعتها خلال الشهور اللي فاتت.
كنت بدور على حاجة واحدة.
أي مستند له علاقة بالبيت.
بعد حوالي عشرين دقيقة، لقيت إيميل من مكتب محاماة أنا ماعرفوش.
العنوان كان
تأكيد استلام المستندات الأصلية.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الإيميل.
كان فيه مرفق واحد.
PDF.
ولما فتحته
حسيت إن نفسي اتقطع.
كان فيه اسمي.
وعنوان بيت جدتي.
وتاريخ قبل 6 شهور.
لكن الأغرب
إن التوقيع الموجود في آخر الصفحة كان شبه توقيعي جدًا.
شبهه لدرجة تخوف.
بس أنا عمري ما شفت الورقة دي.
سمعت صوت خطوات ورايا.
قفلت اللابتوب بسرعة.
جرانت دخل المطبخ وهو بيفرك عينه.
إنتِ صحيتي بدري ليه؟
بصيت له وابتسمت.
صحيت مش عارفة أنام.
قعد قدامي، وبص لفنجان القهوة.
وبعدين سأل بمنتهى العادية
ماما صحيت؟
قلت
مش عارفة.
رفع حاجبه.
مش عارفة؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
يمكن نامت كويس النهارده.
لأول مرة من شهور، ماحسيتش إني مضطرة أروح أصحيها.
جرانت سكت.
وبص لي ثانيتين زيادة عن الطبيعي.
وبعدين قال
ناتالي إنتِ كويسة؟
جدًا.
ابتسم.
لكن ابتسامته ماوصلتش لعينيه.
بعد أقل من عشر دقايق، سمعنا صوت عالي من فوق.
ثم صوت فيفيان
ناتالي!
ما تحركتش.
صرخت تاني.
ناتالي! تعالي هنا حالًا!
جرانت قام من مكانه.
روحي شوفيها.
بصيت له بهدوء.
ليه؟
اتجمد.
لأنها محتاجاكي.
قلت
طيب ما تطلع لها إنت.
للحظة، ملامحه اتغيرت.
لحظة صغيرة جدًا
لكن أنا شفتها.
طلع السلم بسرعة.
وبعد أقل من دقيقة، سمعت صوت فيفيان وهي بتصرخ
فين هي؟!
جرانت رد عليها بصوت واطي، لكن نبرته كانت متوترة.
مش عارف.
وبعدها مباشرة
سمعت خطوات سريعة جدًا على السلم.
فيفيان ظهرت قدامي.
لكن الست اللي كانت محتاجة مساعدة عشان تمشي للحمام من يومين
كانت واقفة مستقيمة.
من غير عصاية.
من غير ترنح.
وعينيها كانوا مركزين عليّا بشكل مرعب.
قالت
إنتِ عملتي إيه؟
ابتسمت لها.
ولا حاجة يا ماما.
قربت مني خطوة.
إنتِ ماجهزتيش فطاري.
نسيت.
بصت لجرانت.
ثم رجعت بصت لي.
وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
إنتِ بتلعبي لعبة مش قدّها يا