كنت بخدم علي الطرابيزات
إن أبويا ما ماتش؟
طارق هز راسه.
كنت عارف إنه اختفى لكن ما كنتش عارف حصل له إيه.
وسكت كل السنين دي؟
حاولت أدور عليه.
وليه ما جيتش ليّا؟
طارق بص لها بحزن.
لأن كل مرة كنت بقرب منك، كان بيظهر حد قبلي ويسأل عنك.
صوت نبيل جه من الصالة
كفاية كذب يا طارق!
سارة انتفضت.
نبيل ظهر عند مدخل الغرفة، وراه رجلين.
لكن أول ما شاف الملف في إيد سارة، وشه اتغير.
حطي الملف مكانه.
سارة ضمت الملف لصدرها.
لأ.
نبيل ابتسم ابتسامة باردة.
إنتِ مش فاهمة إنتِ ماسكة إيه.
أنا بدأت أفهم.
لا، إنتِ لسه ما تعرفيش حاجة.
سارة رفعت الصورة قدامه.
طب قولّي ليه صورتك مع أبويا كانت متخبّية هنا؟
نبيل سكت.
طارق قال
لأنها آخر صورة اتصورت لأبوها قبل ما يختفي.
نبيل بص له بغضب.
إنت وعدته إنك مش هتتكلم.
طارق رد
وعدته إني أحمي بنته، مش إني أدفن الحقيقة معاه.
سارة فتحت الملف بسرعة.
كانت فيه حسابات وتحويلات وأسماء شركات.
لكن وسط الأوراق لقت ظرفًا أبيض صغيرًا مكتوب عليه بخط والدها
لسارة فقط.
فتحت الظرف.
جواه ورقة قصيرة
يا بنتي، لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتِ إن اللي حصل لي مش حادث. الشخص اللي أذاني مش واحد من شركائي الشخص ده أقرب لي مما تتخيلي.
سارة رفعت رأسها ببطء.
وبصت لطارق.
ثم بصت لنبيل.
لكن والدها كان كاتب سطرًا أخيرًا
ولو سألتِ مين كان أقرب شخص ليا وقتها هتلاقي اسمه في شهادة ميلادك.
سارة اتجمدت.
شهادة ميلادي؟
طارق قرب منها.
إيه المكتوب؟
سارة ما ردتش.
كانت بتقرأ السطر مرة واتنين.
ثم قلبت الورقة.
وفي ظهرها كان فيه اسم واحد فقط.
اسم الشخص اللي كان والدها بيعتبره أقرب إنسان له.
سارة نطقت الاسم بصوت مخنوق
نبيل...سارة فضلت باصة على اسم نبيل، ومش قادرة تنطق.
نبيل كان واقف قدامها، لكن المرة دي ملامحه ما كانتش ملامح المحامي الهادئ اللي عرفته طول عمرها.
كان متوتر.
طارق قال بصوت حاسم
سيبها تقرأ.
نبيل صرخ
إنت مالك؟! دي مش قضيتك!
سارة رفعت الورقة.
بالعكس دي قضية أبويا.
نبيل حاول يقرب منها، لكن طارق وقف بينه وبينها.
سارة فتحت باقي الملف بسرعة.
كانت فيه مستندات قديمة، تحويلات بنكية، وتوقيعات.
وفجأة لقت شهادة قديمة متصورة.
شهادة ميلادها.
لكن حاجة في الشهادة خلتها تتجمد.
اسم والدها موجود.
واسم والدتها موجود.
لكن في خانة الشهود
كان اسم
نبيل حمدي.
سارة بصت له.
إنت كنت شاهد على ميلادي؟
نبيل سكت.
ليه؟
ما ردش.
سألتك ليه؟
نبيل أخيرًا قال
لأن أبوكي طلب مني.
سارة ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
أبويا طلب منك تكون شاهد على ميلادي وبعدها طلب منك تخبي عنه سر؟
نبيل بص للأرض.
طارق قال
قول لها الحقيقة.
نبيل رفع عينيه.
الحقيقة إن أبوكي كان عارف إن فيه حد بيسرق من الشركة.
سارة قالت
وعرف مين؟
نبيل سكت.
عرفتوا مين؟
نبيل رد
أيوه.
مين؟
قبل ما يجاوب، وقع صوت ارتطام قوي من برّه.
الجميع التفت.
أحد الرجال الموجودين خارج البيت حاول فتح باب الغرفة.
طارق أمسك الباب.
سارة، خدي الملف واخرجي من الباب الخلفي.
وإنت؟
أنا هعطلكم.
سارة رفضت.
مش هسيبك.
نبيل فجأة قال
استني!
سارة بصت له.
نبيل أخرج مفتاحًا آخر من جيبه.
وحطه قدامها.
ده مفتاح درج أبوكي الحقيقي.
سارة اتصدمت.
إنت كنت مخبيه؟
أيوه.
ليه؟
نبيل قال بصوت منخفض
لأن أبوكي كتب جواه اسم الشخص اللي سرق الشركة.
سارة مدت إيدها للمفتاح.
لكن نبيل مسك إيدها للحظة وقال
بس قبل ما تفتحي الدرج لازم تعرفي حاجة.
سارة بصت له.
إيه؟
نبيل قال
الشخص اللي أبوكي اتهمه مات من عشر سنين.
سارة سألته
يبقى مين كان بيكمل اللي بدأه؟
نبيل سكت.
ثم بص ناحية طارق.
ابنه.
طارق اتغير لون وشه.
سارة بصت له.
ابن مين؟
نبيل قال
ابن الشخص اللي قتل أبوكي سارة بصت لطارق، وكأنها لأول مرة تشوفه بجد.
إنت ابنه؟
طارق ما ردش.
نبيل قال
أيوه.
سارة رجعت خطوة.
ابن مين؟
طارق أخيرًا اتكلم
اسم أبويا موجود في كل الأوراق اللي معاكي.
سارة فتحت الملف بسرعة، وبدأت تقلب الصفحات.
لحد ما لقت اسمًا متكررًا في التحويلات.
منصور عبدالرحيم.
شهقت.
ده اسم عمك؟
طارق هز راسه.
أيوه.
وأبويا كان متهمه بسرقة الشركة؟
مش بس السرقة.
طارق بص للملف.
أبوكي كان بيجمع أدلة تثبت إن أبويا كان بيزوّر العقود وينقل ملكية أجزاء من الشركة لحساب شركات تانية.
سارة قالت
طب وإنت كنت بتساعده ليه؟
طارق سكت ثواني.
لأني اكتشفت الحقيقة بعد ما كبرت.
نبيل قاطعه
ووقتها أبوك عرف إن طارق عرف كل حاجة.
سارة بصت لنبيل.
وعمل إيه؟
نبيل ما جاوبش.
طارق هو اللي قال
حاول يبعدني عن الشركة.
وبعدين؟
أبويا مات قبل ما يقدر يكمل اللي بدأه.
سارة بصت له بصدمة.
يبقى إنت مش عدوي.
طارق رد
لو كنت عدوك، كنت سبتك تفتحي الخزنة لوحدك.
وفجأة نبيل قال
لسه في حاجة أهم.
سارة التفتت له.
إيه؟
نبيل أشار للدرج القديم.
أبوكي ما كانش مخبي المستندات بس.
أمال إيه؟
كان مخبي دليل يثبت مين زور شهادة وفاته.
سارة اتجمدت.
شهادة وفاته؟
نبيل هز راسه.
أيوه.
سارة فتحت الدرج بالمفتاح الجديد.
كان جواه ظرف بني كبير.
عليه اسمها.
سارة محمود عبدالسلام.
فتحت الظرف.
أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا قديمًا.
وثاني ورقة كانت صورة بطاقة هوية.
لكن الصورة
كانت لرجل يشبه والدها بدرجة مخيفة.
سارة قربت الورقة من عينيها.
ده أبويا!
طارق أخذ الورقة.
لأ.
سارة بصت له.
يعني إيه لأ؟
طارق قلب البطاقة.
وكان مكتوب خلفها
الشخص الذي يحمل هذه البطاقة ليس محمود عبدالسلام.
سارة حسّت إن رجليها ما بقتش شايلة جسمها.
وفي اللحظة دي، صوت نبيل جاء من خلفها
أبوكي الحقيقي كان لسه عايش وقت ما إحنا دفنّا الجثمان.
سارة رفعت رأسها ببطء.
فين؟
نبيل ما ردش.
لكن طارق بص للورقة الأخيرة.
وكان فيها عنوان مكتوب بخط والدها.
عنوان المكان اللي اختفى فيه محمود عبدالسلام سارة فضلت ماسكة الورقة، وبصت للعنوان المكتوب عليها.
طارق قال
المكان ده أبوكي كان بيستخبى فيه بعد ما اكتشف الحقيقة.
سارة ما استنتش.
في نفس الليلة، راحت للمكان ومعاها طارق ونبيل، وبعد ساعات من البحث لقوا رجلًا مسنًا عايش في بيت صغير بعيد عن القاهرة.
أول ما فتح الباب، سارة وقفت مكانها.
الرجل بص لها طويلًا.
وعينيه دمعت.
وقال
كبرتي يا سارة.
صوتها خرج بصعوبة
بابا؟
هز راسه.
أيوه يا بنتي.
انهارت في حضنه، وبعد سنين طويلة من الأسئلة، أخيرًا عرفت الحقيقة.
أبوها لم يمت في الحادث الذي أخبروها به. كان قد اكتشف شبكة تزوير وسرقة داخل الشركة، وكان نبيل متورطًا في البداية، لكنه تراجع وساعده على الهروب وحفظ الأدلة.
أما الشخص الذي دبّر كل شيء فكان شريكًا قديمًا لوالدها، والد طارق، الذي حاول الاستيلاء على الشركة.
طارق نفسه اكتشف الحقيقة بعد سنوات، وقرر مساعدة سارة من غير ما يكشف كل أوراقه قبل التأكد من أنها لن تقع في أيدي الأشخاص الذين يبحثون عنها.
أما نبيل، فاعترف بكل ما يعرفه، وسلّم المستندات للشرطة.
وبفضل الملف والعقود والتسجيلات، بدأت التحقيقات، وتمت استعادة حق سارة القانوني في نصيب والدها من الشركة، والذي تجاوزت قيمته وقتها المليوني جنيه بكثير.
أما طارق، فرفض أن يأخذ أي شيء.
قال لها
أبوكي كان عنده حق أنا مش خائن. بس عمري ما كنت عايز مكافأة على إني عملت الصح.
بعد شهور، وقفت سارة في مكتب جديد يحمل اسم والدها.
لم تعد النادلة التي سخر منها رجل أعمال لأنها لا تحمل شهادة جامعية.
أصبحت تدير حصتها في الشركة، واستفادت من اللغات السبع التي كانت تخفيها سنوات، وبدأت مشروعًا لتدريب الشباب على اللغات وخدمة العملاء.
وفي يوم الافتتاح، دخلت نفس المطعم القديم الذي كانت تعمل فيه.
وقفت لحظة قدام المكان.
افتكرت اليوم اللي اتسخرت فيه بالألماني.
ثم ابتسمت.
لأنها فهمت أخيرًا إن المشكلة عمرها ما كانت في المريلة اللي كانت لابساها
المشكلة كانت في الناس اللي افتكروا إن قيمة الإنسان بتتقاس بالوظيفة اللي بيشتغلها.
وقبل ما تمشي، وصلها ظرف من والدها.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها
يا سارة أنا خسرت 28 سنة بعيد عنك، لكن إنتِ ما خسرتيشهم. إنتِ اتعلمتي، وكبرتي، وبقيتي أقوى من كل اللي حاولوا يحددوا قيمتك. ما تخليش أي حد بعد كده يقنعك إنك أقل من حلمك.
قفلت الرسالة، ومسحت دموعها.
وبصت للمطعم للمرة الأخيرة.
المكان اللي دخلته يومًا وهي شايلة صينية في إيدها
خرجت منه وهي عارفة قيمتها.
والفلوس اللي كانت في العقد ما كانتش أكبر مفاجأة في الحكاية
المفاجأة الحقيقية كانت إنها اكتشفت إن أبوها ما سابهاش كان طول السنين بيحاول يرجع لها.