حمايا كان عنده عمارتين بقلم زهرة الربيع
المحتويات
قال ردي يا سحر، وخليكي على طبيعتك.
رديت ألو يا محمود؟
صوته كان متوتر إنتِ فين يا سحر؟ وإنتِ وراضي عند بيت أبوكوا ولا إيه؟
اتصدمت من سؤاله إنت عرفت منين إننا هنا؟
سكت لحظة، وبعدها قال اسمعيني كويس، متخليش حد يفتح الصندوق الخشب اللي عند الحاج عبد الرحمن!
قلبي وقع.
بصيت للصندوق المفتوح قدامنا، وقلت إنت عرفت منين إن فيه صندوق؟!
محمود اتلخبط، وبعدها قال أنا... أنا لازم أكلمك لوحدك!
راضي مد إيده وأخد التليفون مني، وقال بصوت ثابت أنا راضي يا محمود، وإحنا كلنا موجودين. لو عندك حاجة تقولها، قولها دلوقتي.
محمود سكت تمامًا.
وبعد ثواني قال أنا جاي لكم حالًا.
وقفل.
عادل بص لتامر وقال أهو بنفسه جاي! يبقى أكيد فيه حاجة مستخبيّة!
لكن المحامي رد لما يوصل، هنسمع منه، وبعدها نراجع كل المستندات بالطريقة القانونية.
عدت حوالي نص ساعة، وكلنا قاعدين في صمت ثقيل.
لحد ما محمود وصل.
دخل المخزن، وأول ما شاف الصندوق المفتوح، وقف مكانه، وبصلي بحزن.
يا سحر... أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قربت منه وقلت عارف إيه يا محمود؟! إنت ليه اسمك موجود على حساب ابني؟! وإيه الفلوس اللي اتسحبت دي؟!
محمود بص لراضي، وبعدها قال أنا مضيت على أوراق فعلًا، بس مش عشان آخد فلوس لنفسي.
عادل ضحك بسخرية أمال عشان إيه؟!
محمود رد عشان أنقذ مستقبل ابن أختي.
راضي وقف وقال مستقبل ابني؟! من إيه؟!
محمود طلع من جيبه ظرف قديم، وحطه على الترابيزة.
قبل ما الحاج عبد الرحمن يموت بفترة، طلب مني أساعده في موضوع يخص ابنكم. وخلاني أمضي على أوراق، لكن بشرط إني ما أقولش لسحر ولا لراضي أي حاجة إلا لما هو يسمح.
أنا بصيتله بصدمة وإنت وافقت تخبي عني حاجة تخص ابني؟!
محمود نزل عينه وقال كنت فاكر إني بحميكي، بس دلوقتي فهمت إن السكوت زوّد الوجع.
المحامي فتح الظرف، وطلع منه مستندات جديدة.
وبعد ما راجعها، قال دي مستندات تخص مشروع استثماري اتعمل باسم الطفل، والمبلغ اللي اتسحب مش بالضرورة يكون ضاع. فيه تحويلات مرتبطة بالمشروع نفسه.
عادل صرخ يعني الفلوس راحت في مشروع؟! ومين صاحب المشروع ده؟!
محمود بص لراضي وقال صاحب المشروع الحقيقي هو ابنك.
راضي اتجمد مكانه.
ابني عنده عشر سنين! إزاي يبقى صاحب مشروع؟!
محمود رد لأن أبوك كان بيحط جزء من أرباحه في استثمارات طويلة الأجل، وسجلها بطريقة تحفظ حق حفيده لحد ما يكبر.
المحامي هز راسه ده احتمال وارد، لكن لازم نفحص العقود ونراجع التسجيلات الرسمية قبل ما نعتبر أي حاجة نهائية.
أنا قربت من محمود وسألته طب ليه حمايا كان مخبي كل ده؟ وليه خلانا نعيش سنين وإحنا فاكرين إننا مالناش أي حق؟!
محمود بصلي وقال لأنه كان خايف إن الفلوس تفرّق بينكم، وكان عايز يتأكد إن راضي هيختار أسرته وكرامته حتى لو مفيش ورث.
راضي سكت، وبص للساعة القديمة اللي كانت على الترابيزة.
وبعدين قال بصوت مكسور يعني لما قال لي كفاية عليك مراتك، كان يقصد إنك إنتِ وابني أغلى من أي عمارة؟
محمود رد أيوه... بس فيه حاجة تانية أبوك كان طالب مني أوصلها ليكم.
طلع من الظرف صورة قديمة، وناولها لراضي.
كانت صورة لحمايا وهو واقف قدام مبنى كبير، وجنبه طفل صغير ماسك إيده.
راضي قرب الصورة من عينه، وفجأة قال
استنى... الطفل ده مش ابني!
عم فؤاد بص للصورة، واتغيرت ملامحه.
لأ يا راضي... ده إنت.
راضي اتصدم أنا؟!
عم فؤاد هز راسه وقال الصورة دي اتصورت يوم ما أبوك بدأ أول مشروع في حياته، وكان وقتها وعد نفسه إنه عمره ما يفرّق بين ولاده.
لكن محمود قاطعه وقال وفيه سر تاني أهم من كل ده، سر لو اتكشف، هيفهمكم ليه الحاج كتب العمارتين باسم عادل وتامر، وليه خصص الأرض والمشروع لراضي.
المحامي فتح آخر ملف، وطلع منه عقد عليه توقيع حمايا، وقال
العقد ده اتكتب قبل توزيع العمارتين بشهر واحد، وفيه بند واضح جدًا...
راضي سأله بند إيه؟
المحامي بص لعادل وتامر، وقال
فيه شرط متعلق بالعمارتين نفسهم، ولو الشرط ده اتطبق، ممكن يغيّر كل الحسابات اللي بنيتوها من يوم وفاة والدكم.
عادل خطف الورقة من إيده، وبدأ يقراها بسرعة.
وفجأة صرخ
لأ! ده مستحيل! أبويا ماينفعش يكون عمل فينا كده!
ولأول مرة من يوم وفاة حمايا، فهمت إن العمارتين اللي إخوات راضي كانوا فرحانين بيهم... ممكن يكون وراهم سر أكبر بكتير من كل اللي اكتشفناه.
عادل كان ماسك العقد بإيد بتترعش، وتامر خطف الورقة منه.
وريني كده!
قرأ أول سطرين، وبعدها وشه اتغير.
يعني إيه الملكية مش نهائية؟!
المحامي أخد العقد منه بهدوء وقال يعني العمارتين اتكتبوا باسمكم فعلًا، لكن والدكم حط شرط واضح جدًا في العقد.
راضي قرب شرط إيه؟
المحامي قال إن العمارتين يفضلوا ملك أصحابهم بشرط استمرار سداد التزامات معينة مرتبطة بالمشروع القديم. ولو الالتزامات دي ما اتسدّدتش في مواعيدها، الملكية تنتقل حسب البند المكتوب هنا.
تامر اتوتر التزامات إيه؟! إحنا اشترينا العمارات من أبويا؟!
المحامي هز راسه لا. لكن والدكم كان عليه التزام مالي قديم متعلق بتأسيس المشروع، وكان بيخطط لتسويته قبل وفاته.
عادل قال بعصبية يعني أبويا ادانا عمارتين عليها ديون؟!
المحامي رد مش بالضبط. فيه فرق بين الدين وبين الالتزام التعاقدي.
راضي كان ساكت، وفجأة سأل طب وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
المحامي فتح ملف تاني وقال علاقتك إن والدك خصص مصدر دخل مستقل ليك، عشان لو حصل أي خلاف على العمارتين، ما تبقاش محتاج لإخواتك.
عادل انفجر يعني أبويا كان مخطط لكل ده من ورا ضهرنا؟!
عم فؤاد رد بهدوء أبوك كان مخطط يحمي أولاده من بعض.
الجملة خلت المكان كله يسكت.
أنا بصيت لراضي، وافتكرت كلام حمايا يومها
كفاية عليك مراتك.
وقتها كنت فاكرة إنها إهانة ليا وله.
لكن دلوقتي بدأت أفهم إن الجملة كانت مقصودة بطريقة تانية تمامًا.
المحامي طلع ورقة جديدة وقال فيه خطاب أخير لازم يتقري قدامكم كلكم.
فتح الورقة، وبدأ يقرأ بصوت واضح
راضي، لو وصلت للورقة دي، يبقى إخواتك عرفوا إنك ما أخدتش أقل منهم، وإن اللي ادتهولك أنا اخترته بنفسي.
أنا ما كنتش عايز أديك عمارة، لأن العمارة ممكن تتباع وتتقسم وتتخانقوا عليها.
أنا عايز أديك حاجة تعيشك من غير ما تمد إيدك لحد.
وعشان كده، حافظت على أصل المشروع، وخصصت جزء من عائده ليك ولزوجتك وأولادك.
أما العمارتين، فهما اختبار لإخواتك قبل ما يكونوا ورث.
عادل قاطعه اختبار؟! يعني إيه اختبار؟!
المحامي كمل
لو أول حاجة عملوها بعد وفاتي إنهم حاولوا يضغطوا على راضي أو ياخدوا منه حاجة، يبقى أثبتوا إنهم ما فهموش قيمة اللي كنت بحاول أعلمهم إياه.
لكن لو حافظوا على حق أخوهم، فالعمارتين يفضلوا لهم من غير أي نزاع.
تامر قعد على الكرسي وهو ساكت.
لأول مرة من يوم وفاة حمايا، مفيش حد بيتكلم عن الإيجارات ولا عن الفلوس.
كل واحد كان بيبص للتاني.
وفجأة عادل قال طيب والمستند اللي في آخر الملف؟
المحامي بصله أنهي مستند؟
عادل بلع ريقه الورقة اللي أبويا كان بيقول عليها لو حصل أي نزاع بين ولادي.
المحامي سكت.
راضي سأله فيه ورقة زي دي فعلًا؟
المحامي بص ناحية عم فؤاد.
عم فؤاد أغمض عينه للحظة، وقال أيوه.
وموجودة فين؟
في مكان أبوك كان بيروحه لوحده كل شهر.
أنا سألت فين المكان ده؟
عم فؤاد رد
بيت قديم على أطراف البلد.
عادل وقف بسرعة هنروح هناك دلوقتي.
المحامي قال مفيش داعي للعجلة.
لكن عادل رد أنا لازم أعرف أبويا كان مخبي إيه!
تامر وقف هو كمان.
راضي بصلي وقال هنروح كلنا.
وصلنا للبيت القديم بعد المغرب.
كان بيت صغير ومقفول من سنين، ومفيش حواليه غير أرض فاضية.
عم فؤاد طلع مفتاح قديم، وفتح الباب.
دخلنا.
البيت كان مليان حاجات قديمة تخص حمايا مكتب، صور، دفاتر، وشنط مستندات.
لكن الغريب إن الحاج كان سايب كل حاجة مغطاة، ماعدا كرسي واحد قدام المكتب.
وفوق المكتب كان فيه ظرف واحد.
مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا اختلف أولادي على حقي
راضي قرب منه.
عادل قال افتحه.
راضي فتح الظرف، وطلع منه مفتاح صغير جدًا، ومعاه ورقة قصيرة
المفتاح ده مش بيفتح خزنة... بيفتح باب.
راضي رفع عينه باب إيه؟
وفجأة عم فؤاد قال
أنا عارف.
كلنا بصيناله.
أبوكم كان عنده غرفة تحت البيت ده، ومحدش دخلها من أكتر من عشرين سنة.
راضي قال تحت البيت؟!
عم فؤاد أشار للأرضية.
أيوه.
وبدأنا ندور لحد ما لقينا بلاطة مختلفة عن باقي البلاط.
شالها عم فؤاد، وظهر تحتها باب حديد صغير.
راضي حط المفتاح فيه.
اتفتح الباب.
نزلنا درجات ضيقة، لحد ما وصلنا لغرفة تحت الأرض.
وفي نص الغرفة كان فيه صندوق حديد كبير.
فوقه ورقة مكتوب عليها
الحقيقة التي أخفيتها عن أولادي الثلاثة
راضي مد إيده ناحية الصندوق.
لكن قبل ما يفتحه، سمعنا صوت تامر من فوق
يا جماعة... تعالى شوفوا!
طلعنا بسرعة.
تامر كان واقف قدام المكتب، وماسك ورقة قديمة.
قال وهو مش قادر يصدق
دي مش ورقة ملكية...
قربنا منه.
دي شهادة ميلاد!
راضي أخدها من إيده.
وبمجرد ما قرأ الاسم الموجود فيها، وشه اتغير تمامًا.
بصلي، وبعدين بص لعادل وتامر.
وقال بصوت مبحوح
يا جماعة... الاسم ده مش اسم واحد من ولاد أبويا.
سكت لحظة، ثم أضاف
ده اسم شخص حمايا كان بيصرف عليه فلوس من سنين... ومكتوب في الشهادة إنه ابنه راضي فضل ماسك شهادة الميلاد وهو مش قادر ينطق.
عادل قرب منه هات أشوف.
راضي مد له الورقة، وعادل أول ما قرأ الاسم، وشه اتغير.
لا... ده مستحيل!
تامر خطف الشهادة مين ده؟!
عادل قال بصوت متقطع الاسم ده أنا شوفته قبل كده...
أنا بصيت لهم شوفته فين؟
عادل سكت.
راضي قال اتكلم يا عادل.
عادل أخيرًا قال في دفتر الحسابات القديم بتاع أبويا.
المحامي قرب يعني إيه؟
عادل رد كان فيه مبلغ بيتحول كل شهر لشخص بنفس الاسم ده، وأبويا كان بيكتب قدامه كلمة واحدة بس...
تامر سأله إيه؟
عادل بلع ريقه وقال
ابني.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
راضي بص للشهادة تاني يعني أبويا كان عنده ابن رابع؟
عم فؤاد هز راسه أيوه.
تامر انفجر وليه مخبي علينا؟!
عم فؤاد رد لأن الحكاية دي بدأت قبل ما تتولدوا أنتم.
راضي سأله طب هو فين دلوقتي؟
عم فؤاد ما ردش.
المحامي قال الحاج عبد الرحمن كان حريص جدًا إن الشخص ده ما يظهرش إلا بعد وفاته، وخصوصًا بعد ما يفتح راضي الصندوق.
راضي اتوتر ليه أنا بالذات؟
المحامي بصله وقال لأن والدك كتب إنك الوحيد اللي يقدر يعرف الحقيقة من غير ما يظلم حد.
عادل اعترض وإحنا؟!
والدكم كان شايف إن كل واحد فيكم له دور مختلف.
وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
كلنا سكتنا.
حد خبط على الباب.
عم فؤاد قرب وفتحه.
دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس هدوم بسيطة، وماسك ظرف بني.
وقف أول ما شافنا.
عينيه وقعت على راضي.
وقال
إنت راضي؟
راضي هز راسه.
الراجل قرب منه خطوة وقال
أنا اسمي محمود عبد الرحمن.
راضي اتجمد.
الراجل كمل
وأنا ابن أبوك من زوجته الأولى.
عادل وتامر بصوا لبعض في ذهول.
أنا حسيت إن كل الأسرار اللي عرفناها لحد اللحظة دي كانت مجرد بداية.
راضي سأله ليه أبويا ماقالناش عنك؟
محمود رد لأن الموضوع مش زي ما أنت فاكر.
وقعد على الكرسي، وحط الظرف على الترابيزة.
أبوكم ماكانش سايبلي فلوس ولا عمارات.
عادل قال بسخرية أومال سايبلك إيه؟
محمود بص له وقال
سايبلي مهمة.
راضي سأله مهمة إيه؟
محمود فتح الظرف، وطلع منه صورة قديمة جدًا.
حطها قدامنا.
كانت صورة لأبو راضي وهو شاب، واقف جنب ست ما نعرفهاش، وفي حضنها طفل رضيع.
محمود أشار للطفل وقال
ده أنا.
وبعدين أشار للست وقال
ودي أمي.
راضي قرب من الصورة.
طب ليه أبويا بعد عنها؟
محمود اتنهد لأن جدك كان رافض الجواز، وأبوكم اضطر يبعد عنها فترة عشان يحافظ على شغله ومستقبله.
تامر سأله طب وإنت ليه رجعت دلوقتي؟
محمود بص لراضي وقال
لأن أبوكم طلب مني قبل وفاته إني أرجع في الوقت المناسب وأسلم راضي حاجة.
راضي سأله إيه؟
محمود مد له مفتاح صغير.
مفتاح الخزنة اللي تحت البيت.
راضي بص للمفتاح اللي في إيده، وبعدين بص للمفتاح الموجود على الطاولة.
بس إحنا عندنا المفتاح ده بالفعل!
محمود ابتسم لأول مرة.
لأ... اللي معاكم مفتاح الباب.
وحط المفتاح اللي جابه جنب الصندوق.
وده مفتاح الصندوق.
اتحركنا كلنا ناحية الغرفة تحت الأرض.
راضي حط المفتاح في القفل.
الصندوق فتح ببطء.
جواه كان فيه ملف واحد، وثلاثة أظرف، وصورة كبيرة.
راضي أخد الصورة.
كانت صورة عائلية قديمة.
فيها حمايا، وزوجته الأولى، ومحمود وهو طفل...
لكن في طرف الصورة كان فيه شاب صغير جدًا يشبه راضي بشكل مخيف.
راضي قرب الصورة من عينه.
مين ده؟!
محمود قال
ده السبب اللي خلى أبوكم يقسم ممتلكاته بالطريقة دي.
المحامي أخذ الملف وفتحه.
في أول صفحة كان مكتوب
أولادي الثلاثة ليسوا ورثتي الوحيدين...
راضي قلب الصفحة.
والسطر اللي بعدها كان أخطر
هناك حق لشخص رابع، لكني لم أضعه باسمه، لأن الحقيقة لو ظهرت في حياتي كانت ستدمّر الأسرة كلها.
عادل قال شخص رابع؟!
محمود رد بهدوء
أيوه.
وسكت لحظة، ثم بص لراضي وقال
والشخص الرابع مش أنا راضي فضل ساكت، وعينيه ثابتة على محمود.
مش إنت؟ أمال مين؟
محمود هز راسه أنا عارف مين، لكن أبوك طلب مني ما
متابعة القراءة