انت خسرت ابنك
إنت خسرت ابنك وأنا خسرت أبويا وأمي. خليني أشتغل في أرضك، ويمكن محدش فينا يضطر يكمّل حياته لوحده.
صوت يوسف النجار اتكسر وهو بيقول الجملة، لكنه ما وطّاش عينه.
كان واقف قدام بوابة مزرعة الأمل، في منطقة زراعية على أطراف الصعيد، شايل فأس على كتفه، وعلى ضهره شنطة قديمة متخيطة، كان جواها كل حاجة بيمتلكها.
كان عنده ١٩ سنة، جزمته مفتوحة من قدام، ووشه شايل ملامح واحد بقاله أيام كتير بيسمع كلمة واحدة
لأ، مفيش شغل.
من الناحية التانية، وتحت شجرة جوز كبيرة، كان الحاج عبدالرحمن قاعد على كرسي متحرك.
بطانية كانت مغطية رجليه اللي مبقتش بتتحرك، وعلى حجره كان ماسك قبعة قش قديمة.
بص ليوسف ببرود وقال
امشي مفيش شغل هنا.
يوسف ما اتحركش.
وقال بهدوء
فيه شغل كتير يا حاج. سور الحظيرة واقع، والمشربية بتاعة الميه فاضية، وأنا شوفت ٣ بقرات قربت تولد. والذرة بتضيع وسط الحشائش اللي ناقص هنا مش الشغل، اللي ناقص إيدين تشتغل.
الحاج عبدالرحمن شد فكه، وبص له بغضب.
جاي تعلّمني حالة أرضي إيه عشان شايفني قاعد على كرسي؟
أنا جاي أطلب أكل وسقف أنام تحته. مش عايز مرتب. اديني أسبوع واحد بس. لو شغلي ما عجبكش، همشي من غير ما أطالبك بحاجة.
أنا مش محتاج حد.
في اللحظة دي، خرج كلب عجوز لونه دهبي من جنب البيت.
الغريب إنه بدل ما ينبح على يوسف، قرب من البوابة ومد لسانه ولحس صوابعه.
الحاج عبدالرحمن تمتم بضيق
يا نجمة يا خاين.
يوسف ابتسم لأول مرة.
وقال
الحيوانات بتعرف تميّز اللي مش جاي يأذيها.
المزرعة دي بتاعتي، وأنا اللي بقولك تمشي.
الحاج عبدالرحمن لف الكرسي ورجع للبيت بصعوبة.
يوسف كان ممكن يكمل طريقه فعلًا.
كان ماشي بقاله ٨ أيام من غير هدف واضح، من ساعة ما صاحب الأرض اللي كان شغال عنده مات، وأولاده ورثوا المكان وطردوه من غير حتى ما يدفعوا له مستحقاته.
يوسف فقد أبوه وأمه وهو عنده ١٥ سنة.
كانوا راجعين من السوق بعد ما باعوا محصولهم، والعربية اللي كانوا راكبينها اتقلبت بيهم وماتوا في الحادثة.
ومن يومها، حياته بقت سلسلة طويلة من الأبواب المقفولة.
لكن قبل ما يمشي، يوسف لاحظ حاجة.
إيدين الحاج عبدالرحمن وهما ماسكين القبعة كانوا بيرتعشوا.
وفهم إن الراجل ما رفضوش عشان مش واثق فيه
هو كان خايف.
خايف يقرب من حد تاني وبعدها يخسره.
يوسف لف من ناحية البوابة، ولما لقى جزء من السور واقع، شال أول عمود وبدأ يشتغل من غير إذن.
ومع غروب الشمس، كان خلّص جزء كبير من السور.
ولما الليل دخل، نام في المخزن فوق شوية قش ناشف، ونجمة لازقة في جنبه.
كان جعان لدرجة إن معدته كانت بتوجعه، لكن التعب غلب الجوع.
وقبل الفجر بشوية، صحي على صوت خوار شديد.
قام بسرعة.
واحدة من البقرات كانت واقعة في الحظيرة، تعبانة جدًا بسبب ولادة متعسرة.
العجل كان جاي في وضع غلط.
يوسف جري عليها، ونزل على ركبته وسط الطين.
افتكر كلام أبوه زمان، لما كان بيعلّمه يتعامل مع المواشي.
وقال لها
اهدي يا حلوة إنتِ ما تستسلميش، وأنا كمان مش هستسلم.
بإيدين ثابتة، حاول يعدّل وضع راس العجل.
استنى الانقباضة، وسحب مع حركة البقرة.
مرة
واتنين
وتلاتة
وأخيرًا وقع العجل على القش.
لكن ما كانش بيتنفس.
يوسف قرب منه بسرعة.
لأ ما تموتش. مش النهارده.
نضف بوقه، وبدأ يفرك صدره بكل قوته.
ثواني عدت كأنها دقايق.
وفجأة
العجل كح.
يوسف أخد نفس طويل.
البقرة بدأت تلعقه، وهو قعد على الأرض يبص لهم ودموعه نزلت من غير ما يحس.
كان بيعيط لأنه ساعد كائن صغير إنه يبدأ حياته
في عالم ما علّموش فيه غير إزاي يدفن اللي بيحبهم.
لكنه ماخدش باله إن الحاج عبدالرحمن كان واقف عند مدخل الحظيرة، بيتفرج عليه من بعيد.
يوسف انتبه له واتخض.
وقال بسرعة
معلش يا حاج أنا عارف إن حضرتك قلتلي أمشي. بس سمعت صوت البقرة ومقدرتش أسيبها. هلم حاجتي وأمشي حالًا.
الحاج عبدالرحمن بص له، وصوته كان مبحوح ومكسور
اخرس يا ابني.
يوسف سكت.
فقال الحاج
فيه قهوة بردت، وعيش من امبارح في المطبخ. اغسل إيدك وادخل.
يوسف دخل.
وقت الفطار، قعد على الأرض جنب السفرة لحد ما الحاج عبدالرحمن أشار له على كرسي.
كانت السفرة فيها ٨ كراسي فاضية.
لكن كرسي واحد جنب الشباك كان واضح إنه ممنوع حد يقرب منه.
الحاج لاحظ إن يوسف بيبص عليه.
فقال
الكرسي ده لأ.
يوسف ما سألش ليه.
خلص أكله، غسل الكوباية، لمّ فتافيت العيش، وشال شنطته.
وقال
شكرًا إنك عاملتني كإنسان. هكمّل السور وأمشي.
الحاج عبدالرحمن ما بصش له.
وقال بصوت واطي
إنت قلت أسبوع.
يوسف سكت.
هديك أكل والمخزن تنام فيه. وبعد الأسبوع نشوف. ما بوعدكش بحاجة.
يوسف وافق.
ومن اليوم ده، اشتغل من طلوع الشمس لحد الليل.
صلّح السور.
ونضف مجرى الميه.
وفك المواسير المسدودة.
ونضف الأرض من الحشائش.
ورقّع سقف المخزن.
وساعد كمان في ولادة عجلين تانيين.
وفي الليلة الخامسة، نزلت عاصفة شديدة على المنطقة.
والدنيا كانت بتخبط في الشبابيك.
الحاج عبدالرحمن بص ليوسف وقال
مش هتنام في المخزن النهارده.
يوسف استغرب.
فيه أوضة آخر الطرقة. مقفولة بقالها ١٠ سنين
سكت لحظة، وبعدين قال
بس خلاص جه وقت إنها تتفتح.
يوسف دخل الأوضة.
وأول ما دخل، وقف مكانه.
على الترابيزة كانت فيه جزمة قديمة، وجاكت، وصورة لرجل شاب واقف بيضحك وهو حاطط إيده حوالين كتف الحاج عبدالرحمن
في وقت كان الحاج لسه قادر يمشي.
يوسف بص للصورة.
وبص للقبعة اللي كان الحاج ماسكها كل يوم.
وفهم إن القبعة دي كانت بتاعة الشاب اللي في الصورة.
قرب يوسف من الصورة، وقال بصوت واطي
أنا مش جاي آخد مكانك أنا بس عايز أراعي أبوك.
مرت الأيام.
ولما خلص الأسبوع، يوسف خرج من المزرعة وهو شايل شنطته.
الحاج عبدالرحمن كان واقف في الشرفة، بيتفرج على الأرض اللي رجعت للحياة قدامه.
بص ليوسف وسأله
بتعرف تطبخ؟
يوسف ابتسم
شوية.
الحاج سكت لحظة.
وبعدين قال
يبقى خليك.
يوسف رفع عينه له.
فكمل الحاج
البيت ده بقاله ١٠ سنين مستني حد.
يوسف أنزل شنطته من على كتفه.
لكن لا هو ولا الحاج عبدالرحمن خدوا بالهم من العربية اللي كانت واقفة فوق الطريق على مسافة.
ولا من الراجل اللي كان قاعد جواها، بيراقبهم بغضب.
كان اسمه حسام
ابن أخو الحاج عبدالرحمن.
والراجل اللي بقاله سنين شايف الأرض دي ميراثه اللي مستنيه.
لكن بعد ما شاف يوسف جوه المزرعة
واضح إن حساباته كلها بدأت تتغير.
صلو علي النبي في اليوم التالي، صحى يوسف قبل الفجر كالعادة.
لكن أول ما خرج من المخزن، لاحظ حاجة غريبة.
باب المخزن كان مفتوح.
هو متأكد إنه قفله بالليل.
دخل بسرعة، وبدأ يبص حوالين المكان.
مفيش حاجة ناقصة.
لكن على الأرض، جنب سريره، كانت فيه ورقة صغيرة.
يوسف انحنى ورفعها.
كان مكتوب عليها بخط واضح
إنت مش فاهم إنت دخلت في إيه امشي قبل ما تندم.
يوسف فضل باصص للورقة ثواني.
وبعدين طواها وحطها في جيبه.
ما راحش للحاج عبدالرحمن.
مش لأنه مش خايف
لكن لأنه لأول مرة من سنين حس إن فيه مكان ممكن يعتبره بيت.
ومش هيسمح لحد يطرده منه بسهولة.
خرج للحظيرة وبدأ شغله.
بعد حوالي ساعة، سمع صوت عربية بتقف قدام البيت.
رفع رأسه.
نزل حسام.
كان لابس هدوم غالية، وساعته ملفتة، وماشي بثقة كأنه صاحب المكان.
قرب من يوسف وقال
إنت مين؟
يوسف رد بهدوء
يوسف.
بتعمل إيه هنا؟
شغال.
حسام ضحك بسخرية.
شغال عند عمي؟
أيوه.
حسام قرب منه أكتر.
وعمي قالك إن المزرعة دي هتفضل مفتوحة لأي حد ييجي يطلب شغل؟
يوسف مسك الفأس وحطه على الأرض.
أنا ما طلبتش منك حاجة.
حسام ابتسم ابتسامة باردة.
هطلب منك حاجة واحدة.
إيه؟
تسيب المكان ده.
يوسف بص له من غير ما يرد.
حسام قال
دي نصيحة مش تهديد.
يوسف رد
وأنا كمان هرد عليك بنصيحة لو الحاج قاللي أمشي، همشي. غير كده، مش هتحرك.
ابتسامة حسام اختفت.
وفي اللحظة دي، ظهر الحاج عبدالرحمن عند باب البيت.
قال بصوت حاسم
حسام.
حسام لف.
صباح الخير يا عمي.
إنت جاي هنا ليه؟
جاي أطمن عليك.
الحاج بص له ببرود.
بعد كام شهر من الغياب؟
حسام سكت.
ثم قال
سمعت إنك جبت حد جديد يعيش هنا.
الحاج رد
وأنا حر.
حسام بص ليوسف، وبعدين قال
طبعًا حر.
دخل الحاج البيت.
لكن قبل ما حسام يمشي، قرب من يوسف وهمس
اسأل الحاج عن أخويا.
يوسف عقد حاجبيه.
أخوك؟
حسام ابتسم.
الشاب اللي في الصورة.
وسابه ومشي.
يوسف فضل واقف مكانه.
وبعد دقائق، دخل البيت.
لقى الحاج قاعد قدام الشباك.
يوسف حط كوب الشاي قدامه.
وبهدوء قال
يا حاج
الحاج رفع عينه.
نعم؟
حسام قاللي أسألك عن أخوك.
ملامح الحاج اتغيرت فجأة.
إيده ارتعشت.
والكوباية وقعت من إيده واتكسرت على الأرض.
يوسف اتحرك بسرعة ينضفها.
لكن الحاج مسكه من ذراعه بقوة مفاجئة.
وقال
ما تسمعش كلام حسام.
يوسف بص له باستغراب.
ليه؟
الحاج سابه، وبص ناحية الكرسي الفاضي جنب الشباك.
ثم قال
لأن حسام مش بيدور على الحقيقة.
سكت.
وبص ليوسف مباشرة.
هو بيدور على حاجة مدفونة هنا.
يوسف حس بقشعريرة.
حاجة إيه؟
الحاج ما ردش.
لكن في نفس اللحظة
سمعوا صوت ارتطام قوي جاي من ناحية الحظيرة.
يوسف جري.
والحاج حاول يحرك كرسيه وراه.
ولما وصل يوسف، اكتشف إن باب المخزن القديم اللي جنب الحظيرة كان مخلوع.
دخل بحذر.
الأدوات مرمية على الأرض.
وفي الحائط الخلفي، كان فيه جزء متكسر.
يوسف قرب.
وراء الطوب
ظهر صندوق حديدي قديم.
وعليه نفس العلامة الموجودة على القبعة القديمة.
يوسف مد إيده ناحيته.
لكن قبل ما يلمسه
صوت الحاج عبدالرحمن دوّى خلفه
سيبه يا يوسف!
يوسف لف.
الحاج كان واقف عند الباب، ووشه شاحب.
قال يوسف
إيه ده يا حاج؟
الحاج بص للصندوق طويلًا.
ثم قال
ده السبب اللي خلاني أرفض أي حد يشتغل هنا عشر سنين.
يوسف سكت.
الحاج قرب منه بصعوبة.
وقال
والسبب اللي خلّى أخويا يموت
يوسف اتجمد مكانه.
أخوك مات بسبب الصندوق ده؟
الحاج هز رأسه.
لأ.
ثم نظر إلى الصندوق وقال
أخويا مات وهو بيحاول يمنع ناس من الوصول للي جواه.
وفي اللحظة نفسها
جاء صوت من خارج المخزن.
صوت حسام.
واضح إنكم لقيتوه أخيرًا.
يوسف لف ناحية الباب.
لكن حسام ما كانش لوحده.
كان واقف معاه رجل غريب، وفي إيده مفتاح صغير.
ابتسم حسام وقال
دلوقتي بقى هنفتح الصندوق كلنا يوسف وقف قدام الصندوق، وعينه راحت بين حسام والرجل الغريب.
الحاج عبدالرحمن قبض على ذراع كرسيه وقال
حسام اطلع بره أرضي.
حسام ضحك.
أرضك؟
وسكت لحظة، ثم أشار للصندوق.
الصندوق ده لوحده يثبت إن الأرض دي مش بتاعتك زي ما إنت فاكر.
يوسف بص للحاج.
إيه اللي جواه؟
الحاج ما ردش.
الرجل الغريب اتقدم خطوة، وطلع المفتاح.
المفتاح ده معايا من أكتر من عشر سنين.
حسام قال
وده آخر مفتاح ناقص.
يوسف وقف بينهم.
لو الصندوق بتاع الحاج، محدش هيفتحه غير بإذنه.
حسام بص له بسخرية.
إنت لسه جديد هنا ومش فاهم مين أنا.
يوسف رد
مش مهم تكون مين. المهم إنك داخل مكان مش بتاعك.
وش حسام احمر.
وقبل ما يرد، الحاج عبدالرحمن قال
يوسف ابعد.
يوسف بص له.
ليه؟
الحاج تنهد.
لأنك لو عرفت اللي جواه، مش هتعرف ترجع لحياتك القديمة.
يوسف ابتسم بحزن.
يا حاج، حياتي القديمة ماتت من أربع سنين.
ثم أشار للصندوق.
أنا مش خايف من الحقيقة.
الحاج سكت.
حسام استغل اللحظة، وخطف