بعد ست شهور بقلم زهرة الربيع
قبل ساعات.
كان الشخص اللي سلّمني جواب خالد بصيت للرسالة تاني، وإيدي بدأت تترعش.
إنت بتقول إيه يا حسام؟
قال
الرقم ده كان بتاع خالد.
سارة شهقت
مستحيل!
أنا متأكد. الرقم اتقفل يوم استشهاده.
بصيت للموبايل.
يبقى مين اللي بيبعت منه؟
حسام ما ردش.
قلت
لازم نروح المقابر.
الضابط اعترض
ده ممكن يكون فخ.
قلت بحزم
أنا عشت ست شهور وأنا بدفن ابني كل ليلة في قلبي. لو في حاجة واحدة ممكن أعرف بيها الحقيقة، مش هخاف منها.
حسام قال
هاجي معاكي.
سارة قالت فورًا
وأنا كمان.
خرجنا قبل الفجر بوقت قليل.
طول الطريق، محدش اتكلم.
كنت ماسكة الجواب في إيدي، وكل شوية أبص على آخر سطر فيه.
يا أمي، لما تعرفي الحقيقة، متدوريش على اللي خد مني حياتي... دوري على اللي حاول يخليكي تصدقي إني مت.
الجملة دي كانت بتلف في دماغي.
وصلنا المقابر.
الظلام كان لسه مغطي المكان، والهواء بارد بشكل غريب.
وقفنا قدام قبر خالد.
قلبي وجعني أول ما شفت اسمه.
قربت منه، وحطيت إيدي على الرخام.
سامحني يا ابني... أنا جيت أعرف الحقيقة.
فجأة سارة قالت
ماما... استني.
كانت بتبص على القبر اللي جنب قبر خالد.
قربت.
كان عليه اسم رجل.
محمود عبدالسلام.
قلت
مين ده؟
حسام قرب، وأول ما قرأ الاسم، وشه اتغير.
ده الشخص اللي كان مسؤول عن التحقيق الأول في قضية وفاة والد خالد.
بصيت له.
يعني إيه؟
كان المفروض إنه مات من عشر سنين.
مات؟
أيوه.
فجأة سمعنا صوت حركة خلفنا.
لفينا.
مفيش حد.
لكن عند قبر محمود كان فيه حجر صغير متحرك.
سارة نزلت على ركبها ورفعته.
تحته مفتاح صغير.
وعليه ورقة مكتوب عليها
لأم خالد فقط.
أخدت المفتاح.
لقيت في ظهر الورقة عنوان.
مكان قديم في أطراف المنصورة.
قلت
ده إيه؟
حسام قال
مخزن قديم تابع للجهة اللي كان والد سارة بيشتغل معاها.
سارة بصت له بصدمة
بابا عمره ما قاللي إن عنده مخزن هناك.
حسام قال
لأنه ماكانش مخزن عادي.
رجع موبايلي يرن.
نفس الرقم.
رقم خالد.
رديت.
مافيش صوت.
قلت
خالد؟
صمت.
ثم سمعت تسجيلًا قصيرًا.
صوت ابني.
ماما... لو سمعتي الرسالة دي، يبقى المفتاح وصل لإيدك. ما تثقيش في أي حد معاكي. حتى لو قال إنه كان صاحبي.
بصيت لحسام.
الصوت كمل
والأهم... ما تدخليش المخزن لوحدك. لأن جواه مش السر اللي بندور عليه... جواه الشخص اللي خبّى السر سنين.
التسجيل انتهى.
سارة كانت بتبصلي.
قلت
لازم نروح.
حسام هز رأسه.
أيوه.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت عربية بتقف عند مدخل المقابر.
نزل منها رجل.
كان ماشي ناحيتنا ببطء.
لما قرب، عرفته.
كان عماد، أخويا.
وقف قدامي وقال
ماما... خالد ما ماتش وهو بيحاول يكشف الحقيقة.
سكت لحظة.
ثم قال
هو مات وهو بيحاول يمنعهم يوصلوا ليكي.
قلت
مين هم؟
بص ليا بحزن وقال
الناس اللي أنا كنت واحد منهم... من غير ما أعرف.
اتسمرت مكاني.
إنت كنت واحد منهم؟
هز رأسه.
وأنا عرفت الحقيقة متأخر.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
مدها لي.
بصيت للصورة...
وكان فيها خالد واقف أمام المخزن.
لكن اللي صدمني مش وجود خالد.
كان فيه شخص واقف خلفه... ووشه متشال من الصورة بعناية.
عماد قال
خالد عرف مين الشخص ده قبل موته بيوم واحد.
سألته
ومين هو؟
عماد بص لحسام.
ثم قال
اسألي حسام... هو الوحيد اللي يقدر يقولك ليه خالد شال وش الشخص من الصورة سارة فضلت واقفة مكانها، وشها أبيض تمامًا.
بابا...؟
جالنا صوته من ورا الباب
أيوه يا بنتي. افتحي.
حسام بص للضابط، والضابط أشار له يبعد عن الباب.
أنا قربت من سارة وقلت
إنتِ متأكدة إن والدك مات؟
هزت رأسها وهي بتعيط.
شفته بعيني يوم الدفن.
جاء صوته من الخارج
اللي اتدفن يومها ماكانش أنا.
سارة حطت إيدها على بقها.
مستحيل...
قال
افتحي يا سارة، ولو عايزة تعرفي ليه خالد طلب منك تتجوزي ابني، هتعرفي كل حاجة.
الضابط قال
محدش يفتح.
لكن الرجل من الخارج قال جملة خلت حسام يتجمد
قول لهم يا حسام إن خالد كان عنده سبب يخليك أنت بالذات تخاف من دخولي.
بصيت لحسام.
إنت تعرفه؟
حسام رد بصوت منخفض
أعرفه.
ومين هو؟
اسمه فؤاد.
سارة شهقت
بابا اسمه فؤاد فعلًا.
حسام كمل
لكن فؤاد مش الشخص اللي لازم نخاف منه.
سألت
أمال مين؟
قبل ما يجاوب، فؤاد قال من خلف الباب
الشخص اللي بنحاول نوصل له من عشرين سنة... هو اللي قتل والد خالد الحقيقي.
سكتنا كلنا.
قلت
والد خالد الحقيقي؟
حسام قرب مني.
خالد كان يعرف إن أبوكي مش أبوكي الوحيد اللي اتخبّى عنه سر.
يعني إيه؟
خالد اكتشف قبل موته إن فيه جزء من تاريخ عيلتكم كله اتغير.
أنا بصيت له بعدم تصديق.
عيلتنا؟
أيوه.
فؤاد قال من الخارج
افتحي الباب يا أم خالد... أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني.
جاي ليه؟
جاي أديكي آخر حاجة كان أبوكي محتفظ بيها.
إيه؟
شهادة ميلاد قديمة لخالد.
اتجمدت.
شهادة ميلاد خالد؟
أيوه.
وإيه الغريب فيها؟
سكت فؤاد ثواني.
ثم قال
الاسم المكتوب في خانة الأب...
مش اسم جوزك.
حسيت الدنيا لفت بيا.
بصيت لحسام.
هو نزل عينه.
صرخت
إنت كنت عارف؟!
ما ردش.
صرخت تاني
حسام! كنت عارف إن ابني مش ابن جوزي؟!
فؤاد قال من الخارج
هو عارف أكتر من كده.
عارف إيه؟
جاء صوته هادئًا
خالد كان يعرف الحقيقة قبل ما يموت... وعشان كده كتب الجواب لسارة، مش ليكي.
سارة بصتلي، والدموع في عينيها.
ماما... أنا كنت فاكرة إن الجواب بيتكلم عني.
أمال بيتكلم عن مين؟
سارة فتحت شنطتها، وطلعت ظرف صغير.
خالد سابهولي قبل المأمورية.
ليه ماطلعتيهوش من الأول؟
لأنه قاللي ما أفتحهش غير لما أسمع منك كلمة معينة.
إيه هي؟
قالت
ابني رجع.
في نفس اللحظة...
وصلت رسالة على موبايلي.
فتحتها.
رقم مجهول.
وكان مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي مين أبو خالد الحقيقي... روحي للمقابر قبل الفجر، وهتلاقي الإجابة تحت اسم الشخص اللي دفنتيه بإيدك.
رفعت عيني ببطء.
وسارة كانت بتبصلي بخوف.
أما حسام...
فأول ما قرأ الرسالة، قال
لأ...
قلت
إيه؟
قال
الرسالة دي مستحيل توصل دلوقتي.
ليه؟
بصلي في عيني مباشرة
لأن الشخص اللي بعت الرسالة دي... مات من ست شهور لفيت ناحية حسام.
كان واقف ساكت، لكن المرة دي ماقدرش يهرب من نظراتي.
حسام... مين الشخص اللي خالد شال وشه من الصورة؟
حسام أخذ نفس طويل.
الشخص ده مش خالد اللي شال وشه.
أمال مين؟
أنا.
حسيت قلبي وقع.
ليه؟
قال
لأن خالد طلب مني أخفيه.
ليه يخفيه؟
حسام بص للصورة وقال
لأنه كان لسه مش متأكد إذا كان الشخص ده عدو ولا شاهد.
عماد قاطعه
بس خالد عرف الحقيقة قبل ما يموت.
حسام سكت.
قلت
عرف إيه؟
قال
عرف إن الشخص اللي في الصورة كان موجود في مكان المأمورية قبلهم بساعات.
يعني كان له علاقة بموته؟
مش بالضرورة.
أمال إيه؟
حسام أخرج من جيبه ورقة قديمة.
خالد كتب اسم الشخص ده هنا.
أخدت الورقة.
كان مكتوب
الرجل اللي في الصورة مش قاتلي... هو اللي حاول ينقذني.
بصيت لحسام.
ينقذه من مين؟
من الشخص اللي كان بيحاول يوقعه في مأزق.
سألت
ومين الشخص ده؟
حسام قال
لحد دلوقتي مش عارفين اسمه الحقيقي.
عماد تدخل
لكن خالد كان سايب خيط واحد.
إيه؟
عماد أشار للمفتاح اللي في إيدي.
المفتاح ده مش بتاع المخزن.
اتصدمت.
أمال بتاع إيه؟
قال
بتاع صندوق خالد.
صندوق؟
أيوه. صندوق كان مخبيه قبل المأمورية.
حسام قال
والصندوق موجود جوه المخزن.
سألته
وإنت كنت عارف؟
عرفت بعد وفاته.
طب ليه ماقلتليش؟
لأن الشخص اللي بندور عليه كان بيراقب كل واحد قريب من خالد.
سارة قربت وقالت
وفي حاجة تانية.
بصيت لها.
إيه؟
طلعت من شنطتها الورقة اللي خالد سابهالها.
خالد كتبلي جملة واحدة.
إيه؟
قالت
لو أمي عرفت إن أبوها عايش، يبقى الوقت جه تفتحي الصندوق.
اتسمرت.
أبويا عايش؟
عماد قال
أنا كنت فاكر إن دي إشاعة.
حسام بص بعيد.
قلت
إنت عارف؟
قال
عارف إنه كان عايش وقت ما خالد كتب الجواب.
وفين هو دلوقتي؟
سكت.
قلت بصوت أعلى
فين أبويا يا حسام؟
قال
آخر مكان اتشاف فيه كان...
وتوقف.
كان فين؟
المخزن.
اتحركنا كلنا ناحية العربية.
لكن قبل ما نركب، موبايلي رن مرة تانية.
نفس رقم خالد.
فتحت الرسالة.
كانت صورة حديثة.
صورة لمدخل المخزن.
وفي أسفل الصورة جملة
وصلتوا متأخرين... أنا جوه ومستنيكم.
بصيت لعماد.
مين اللي بعت الصورة؟
قبل ما يرد، وصلني إشعار جديد.
ومهما حصل... ما تخليش حسام يدخل الأول.
رفعت عيني.
حسام كان واقف قدام باب العربية.
ولأول مرة...
شفت الخوف الحقيقي في عينيه وقفنا قدام المخزن، والرسالة الأخيرة لسه على موبايلي
ما تخليش حسام يدخل الأول.
بصيت لحسام، ولأول مرة ماقدرتش أثق فيه.
قلت
استنى هنا.
حسام حاول يعترض، لكن الضابط وقف قدامه.
دخلت أنا وسارة وعماد.
المكان كان ضلمة وريحتُه تراب ورطوبة. المفتاح فتح باب صغير في آخر المخزن.
جواه كان فيه صندوق حديد قديم.
حطيت المفتاح فيه.
فتح.
ولقيت جواب طويل، وصور، وملفات.
لكن أكتر حاجة هزتني كانت صورة أبويا.
كان عايش فعلًا.
والصورة متاخدة قبل وفاة خالد بأيام.
بدأت أقرأ.
خالد كان كاتب إن أبويا اكتشف من سنين إن في مجموعة بتزوّر مستندات وبتستغل أسماء موظفين وعسكريين،
ولما حاول يكشفهم اضطر يختفي عشان يحمي عيلته.
خالد عرف الحقيقة بالصدفة.
وبدأ يجمع الأدلة.
أما سارة، فماكانتش خانته ولا نسيت ابني.
خالد هو اللي طلب منها بعد وفاته إنها توافق على الجواز من الرجل اللي كان يقدر يحميها ويوصلها للحقيقة، عشان تبقى الأدلة بعيدة عن الناس اللي بيدوروا عليها.
والراجل ده كان متعاونًا مع خالد من البداية.
أما حسام، فكان صاحب خالد فعلًا، لكنه أخفى جزءًا من الحقيقة لأنه وعد خالد يحمي أمه لحد ما تتأكد الأدلة.
وفي آخر صفحة من الجواب، قرأت
يا أمي، لو وصلتي للنهاية، متزعليش من سارة. أنا عارف إنها هتبدأ حياتها من جديد، وده حقها. أهم حاجة تعرفي إنها عمرها ما خانتني، ولا باعت ذكرياتي. أنا اللي طلبت منها تكمل حياتها وتحمي نفسها.
دموعي نزلت.
أنا طول الست شهور كنت فاكرة إن سارة نسيت ابني.
طلعت آخر وصية منه كانت إنه ما يسيبشها تعيش سجينة للحزن.
لكن كان فيه سطر أخير
وأما جدي... فهو مش بعيد عنك.
رفعت رأسي.
وفجأة سمعت صوت رجل من خلفي
خالد كان دايمًا أذكى مني.
لفيت.
كان رجل عجوز واقف عند باب المخزن.
إيدي اتجمدت.
ملامحه اتغيرت رغم السنين.
وقعت الصورة من إيدي.
بابا؟
ابتسم ودموعه في عينيه.
أيوه يا بنتي.
جريت عليه، وأنا بعيط زي الطفلة.
بعدها عرفت إن خالد كان قابل جدي قبل المأمورية، وإنه اتفق معاه على كشف الحقيقة كاملة بعد موته، بشرط إن الأدلة توصل لأمي بأمان.
أما الرجل اللي ظهر في البداية، فكان من الأشخاص اللي ساعدوا خالد في حماية الملف، ولم يكن عدوًا.
وبعد شهور، ظهرت الحقيقة رسميًا، واتقفلت القضية، واتبرأت أسماء ناس اتظلمت سنين.
أما سارة، ففضلت على احترامها لخالد، وكملت حياتها من غير ما تمسح ذكراه.
وأنا؟
رجعت بيتي لأول مرة من شهور وأنا حاسة إن البيت مش مقبرة.
علقت صورة خالد على الحائط، وحطيت تحتها الجواب.
وقلت وأنا بلمس صورته
سامحتك يا ابني... مش عشان خبّيت عني الحقيقة، لكن عشان فهمت أخيرًا إنك حتى وإنت رايح للموت كنت بتحاول تحميني.
وبعدها اكتشفت إن آخر ظرف كان جوه الصندوق مكتوب عليه
لما أمي تقرأ ده، افتحيه قدامها.
فتحته.
وكانت فيه ورقة صغيرة جدًا
ماما... متبكيش. أنا ما اختفتش. أنا سايبلك أربع حاجات الحقيقة، وحقك، وجدك، وذكرياتي. وأهم واحدة فيهم... إنك تكملي حياتك.
حضنت الورقة لصدرى، وبكيت.
لكن المرة دي...
ماكانش بكاء وجع.
كان بكاء أم عرفت أخيرًا إن ابنها مات بطلًا، وترك وراءه الحقيقة بدل الخوف، ووصية بدل الندم.
ومن يومها، كل ما أفتكر الجواب اللي وقعني من طولي...
أفتكر إن أول صدمة فيه كانت إني افتكرت إن سارة نسيت ابني.
لكن آخر سطر علّمني الحقيقة
بعض الناس لا يرحلون حين يموتون... لأنهم يتركون خلفهم حبًا يحمي من يحبون حتى بعد الرحيل.