بص يابني

لمحة نيوز

بص يا ابني لو قدرت تشفي ولادي التوأم، أنا هتبناك.
الكلام خرج من بُقي على سبيل السخرية، قدام قاعة مليانة برجال أعمال وأغنيا من كل حتة في مصر.
لأني بعد ما لفّيت على أكبر وأشهر دكاترة القاهرة والإسكندرية، وصرفت ملايين على علاج ولادي، وكلهم فشلوا في إنهم يرجعوهم يمشوا تاني
مبقتش مؤمن إن فيه معجزات.
لكن لما الولد المشرد اللي كان حافي، لمس ركبة التوأم ياسين وليلى بكل هدوء
الضحك مات في القاعة.
واللي حصل بعدها كان حاجة لا الفلوس، ولا الطب، ولا كل الدكاترة المتخصصين اللي استعنت بيهم قدروا يلاقوا لها تفسير.
أنا اسمي رائد فالي، وكنت بنيت لنفسي الحياة اللي أي حد ممكن يحلم بيها من بعيد.
طائرة خاصة، فيلا ضخمة في التجمع الخامس، بوابات حديد وحراسة على مدار الساعة، وشركات ومصانع في القاهرة والإسكندرية شايلة اسمي.
كنت راجل نفوذي وكلمتي مسموعة في كل مكان تقريبًا
إلا المكان الوحيد اللي كان يهمني فعلًا.
جوه فيلتي في التجمع
كان الصمت هو الحاكم.
من يوم الحادثة، ولادي التوأم ياسين وليلى بقوا عايشين جوه جسمين مبقوش بيطيعوهم زي الأول.
دعامات تقيلة كانت بتسند رجليهم، والعكازات صوتها كان بيخبط على أرضيات الرخام، والدكاترة كل مرة كانوا بيدخلوا علينا بنفس الجمل المحفوظة.
كلام كله أمل
من غير ما حد فيهم يقدر يوعدنا بحاجة.
جناينة البيت مبقتش تسمع ضحكهم.
وأنا مبقتش أسمع صوت رجلين صغيرين بيجروا في الممرات.
حياتنا اتحولت لمستشفيات القاهرة، وجلسات علاج طبيعي، وتحاليل وأشعات، ومواعيد مع دكاترة متخصصين من كل مكان.
كل ليلة كنت بدخل أنام وأنا عارف إن مفيش فلوس في الدنيا كلها تقدر تشتري الحاجة الوحيدة اللي نفسي فيها
ولادي يرجعوا زي الأول.
مراتي مريم عمرها ما حملتني بشكل مباشر مسؤولية الحادثة.
ويمكن ده كان أكتر حاجة بتوجعني.
كل ما كانت تبص للتوأم، كنت بشوف الحزن مالي عينيها.
وكل ما كانت تبصلي أنا
كان فيه سؤال واحد ساكت واقف بينا
ليه مكنتش موجود يومها؟
لحد ما دخل نوح حياتنا.
نوح مكنش دكتور مشهور، ولا متخصص جه بعربية فارهة.
كان عنده تمن سنين.
نحيف بشكل يوجع القلب، حافي، هدومه قديمة، ومشرد
ولد بيقولوا إنه كان بينام تحت كوبري ٦ أكتوبر، ولما ميبقاش عنده حد يكلمه، كان بيقعد يكلم السما والنجوم.
أنا شوفته لأول مرة في حفلة خيرية عملتها في قاعة كبيرة في مدينة نصر.
النجف كان بيلمع فوق راس مئات الضيوف، وكاسات العصير بتلف بين الناس، ورجال الأعمال حواليا بيقدمولي عبارات مواساة محفوظة.
دخلوا ياسين وليلى القاعة، وأنا شوفت الناس وهي بتبصلهم بنفس النظرة اللي بقيت بكرهها أكتر من أي حاجة.
الشفقة.
لكن وسط كل الوجوه دي
لمحت نوح واقف جنب الحيطة.
الغريب إنه مكنش بيبص لولادي بشفقة.
كان مركز معاهم بطريقة غريبة
هادية
وكأنه بيدرسهم.
في اللحظة دي، حاجة مرة جوايا انفجرت.
بصيت له وقلت بصوت عالي قدام الكل
بص يا ابني لو قدرت تشفي التوأم بتوعي، أنا هتبناك.
ضحكات متوترة انتشرت في القاعة.
مراتي مريم بصتلي بصدمة وقالت
رائد!
عرفت في نفس اللحظة إني زودتها.
لكن غروري منعني إني أرجع في كلامي.
أما نوح
فهو ماضحكش.
ولا حتى اتوتر.
بالعكس
بعد عن الحيطة وبدأ يمشي ناحيتنا بهدوء، كأن مفيش مئات الأشخاص الأغنيا واقفين بيتفرجوا عليه.
وقف قدامنا وقال بمنتهى البساطة
ممكن أجرب؟
القاعة كلها سكتت.
أنا تقريبًا كنت هقوله لأ.
لكن كنت تعبان
وغاضب من كل حاجة في حياتي مش قادر أتحكم فيها.
فرفعت إيدي وقلت
اتفضل.
نوح ركع بين ياسين وليلى.
مطلبش يشيل الدعامات.
ومسألش عن تاريخهم المرضي.
ولا حتى قال دعاء أو عمل أي حركة استعراضية.
بس
غمض عينيه.
وبعدين حط إيد صغيرة على ركبة ياسين، وإيده التانية على ركبة ليلى.
وفجأة
حاجة اتغيرت.
أنا مشوفتش حاجة بعيني.
لكن حسيت بيها.
إحساس غريب، زي الضغط اللي بيملأ الجو قبل العاصفة بثواني.
مريم مسكت دراعي بقوة.
وقالت بصوت مرتعش
رائد
وفجأة
ياسين شهق.
قلبي وقف مكانه.
ليلى بصت لتحت ناحية رجلها.
ملامحها اتغيرت
من الحيرة
للصدمة الكاملة.
وبصوت ضعيف، همست
بابا
جريت ناحيتها.
في إيه؟!
صوابعها اتقفلت على كم قميصي.
وبصتلي بعينين مليانين دموع وهي بتقول
أنا أنا حاسة بإيده.
وقبل ما أستوعب هي بتقول إيه
رجل ياسين اتحركت جوه الدعامة.
القاعة كلها تجمدت.
محدش اتكلم.
محدش حتى عرف ياخد نفسه.
أما أنا
فوقفت قدام ابني وأنا لأول مرة من سنين مش عارف أقول حاجة.
لأن اللي حصل قدامي
كان مستحيل.
أو على الأقل
ده اللي كنت فاكره.
لحد ما نوح فتح عينيه
وبصلي مباشرة.
وقال جملة خلت الدم يهرب من وشي
أنا مش اللي هاشفي ولادك يا عمو أنا بس عرفت مين اللي منعهم من العلاج.
الكلمة وقعت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
بصيت لنوح وأنا مش فاهم.
مين اللي منعهم من العلاج؟
نوح ماردش فورًا.
بص ناحية ياسين وليلى، وبعدها رفع عينيه عليّا وقال
مش العلاج اللي في المستشفيات أنا أقصد العلاج اللي كان ممكن يمنع اللي حصل من البداية.
مريم قربت منه بسرعة.
إنت بتتكلم عن إيه يا ابني؟
نوح بص لها، وقال بهدوء
الحادثة مش زي ما قالولكم.
أنا حسيت برجلي بتضعف.
إنت عرفت منين؟
نوح مد إيده في جيبه، وطلع ورقة صغيرة متنية كذا مرة.
مدها ناحيتي.
لقيت دي من زمان.
فتحت الورقة بإيد بتترعش.
كانت صورة قديمة.
صورة للتوأم قبل الحادثة بأيام.
لكن اللي شد انتباهي مش ياسين وليلى
كان الشخص اللي واقف بعيد وراهم.
سائق عربيتي.
سائق كنت أنا اللي عيّنته بنفسي.
رفعت عيني لنوح.
الصورة دي جاتلك منين؟
قال
من المكان اللي حصلت فيه الحادثة.
مريم شهقت.
إنت كنت هناك؟
نوح هز رأسه.
مش يوم الحادثة بعدها.
قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، سمعنا صوت جهاز طبي محمول.
الدكتور اللي كان واقف وسط الناس قرب بسرعة من ياسين.
استنوا
بص على رجل ياسين، وبعدها طلب من الممرض يرفع الدعامة بحذر.
ياسين كان بيحاول يحرك صوابعه.
مرة
واتنين
وبعدين صرخ فجأة
بابا! أنا حاسس برجلي!
مريم انهارت من العياط.
وأنا فضلت واقف مكاني، عاجز عن استيعاب اللي بيحصل.
لكن نوح كان الوحيد اللي مكنش فرحان.
كان بيبص ناحية باب القاعة.
وفجأة قال
لازم نمشي من هنا.
بصيتله باستغراب.
نمشي؟ دلوقتي؟
هز رأسه بسرعة.
أيوه.
ليه؟
نوح قرب مني وهمس
لأن الشخص اللي منعهم من العلاج عرف إني لقيت الدليل.
في نفس اللحظة
انطفأت أنوار القاعة.
صرخات انتشرت في المكان.
وبعد ثواني رجعت الأنوار.
لكن نوح
كان اختفى.
وأنا لقيت الورقة اللي كان ماسكها من شوية واقعة على الأرض.
رفعتها.
ولما قلبتها على ظهرها، لقيت جملة مكتوبة بقلم أحمر
لو عايز ولادك يمشوا متثقش في أقرب شخص ليك.
رفعت عيني ببطء.
وسط مئات الوجوه
لقيت شخصًا واحدًا واقفًا بعيد.
وبيبتسم فضلت باصص للشخص اللي واقف بعيد.
كان واقف وسط الناس بهدوء غريب، كأنه ملوش أي علاقة بالفوضى اللي حصلت.
ولما عيني جت في عينه
ابتسامته اختفت.
لف بسرعة ومشى ناحية باب جانبي.
جريت وراه.
استنى!
مريم صرخت ورايا
رائد! ياسين وليلى!
وقفت مكاني.
بصيت للتوأم، ولقيت الدكتور والممرضين حواليهم.
رجعت لهم بسرعة.
لكن الشخص كان اختفى.
مسكت الورقة تاني.
الجملة كانت واضحة
متثقش في أقرب شخص ليك.
مريم بصتلي.
رائد إنت شاكك في مين؟
ماكنتش قادر أرد.
لأن أقرب شخص ليا فعلًا
كان موجود في القاعة.
صاحبي وشريكي القديم، حازم.
حازم اللي كان معايا من أول يوم بنيت فيه أول شركة.
حازم اللي كنت بسيبه يدخل مكتبي من غير استئذان.
وحازم نفسه
كان واقف على بُعد خطوات، ووشه متغير.
قرب مني وقال
إيه اللي في إيدك؟
طويت الورقة بسرعة.
ولا حاجة.
بصلي كام ثانية.
وبعدين قال
رائد لازم نتكلم لوحدنا.
قبل ما أرد، سمعنا صوت ياسين
بابا!
جريت عليه.
كان بيحاول يرفع رجله من الأرض.
الدكتور مسكه بسرعة.
محدش يحركه!
ياسين بصلي بفرحة
أنا قدرت أحرّكها تاني.
ليلى بدأت تبكي وتقول
وأنا كمان حاسة برجلي.
القاعة كلها بدأت تتجمع حوالينا.
لكن وسط الزحمة
أنا لاحظت حاجة.
مريم كانت بتبص على حازم.
مش نظرة خوف.
كانت نظرة شك.
قربت منها وقلت
إنتِ تعرفي حاجة؟
اترددت.
رائد مش هنا.
يبقى فين؟
بصت ناحية باب الخروج.
في البيت.
رجعت بصيت لها.
إيه اللي في البيت؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
قبل الحادثة بيوم سمعت حد بيتكلم مع السواق.
قلبي دق بعنف.
قالوا إيه؟
مريم هزت رأسها.
مش عارفة بس كان فيه اسم اتقال.
اسم مين؟
رفعت عيني في عيني.
وقالت
حازم.
في اللحظة دي
سمعت صوت زجاج بيتكسر خلفنا.
الكل اتلفت.
حازم كان واقف بعيد.
وموبايله وقع من إيده.
لكن قبل ما أقدر أقرب منه
وصلني إشعار على موبايلي.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت صورة.
صورة لنوح
قاعد لوحده في مكان مظلم.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايز تشوف الولد تاني متسألش عن الحادثة.
رفعت عيني لمريم.
ولأول مرة
فهمت إن الموضوع مكنش متعلق بالتوأم بس.
حد كان بيحاول يدفن الحقيقة من سنين.
والغريب
إن نوح نفسه كان مفتاح الحقيقة دي مسكت الموبايل بإيدي وأنا مش قادر أصدق الصورة.
نوح كان قاعد على كرسي خشب، وإضاءة ضعيفة جدًا فوق راسه، وإيده متربطة بحبل رفيع.
لكن الغريب إن اللي مصوره
كان واقف قريب منه.
لدرجة إن ظل شخص ظهر على الحائط وراه.
مريم قربت مني وقالت
رائد ده خطف.
عارف.
لازم نبلغ الشرطة.
هزيت راسي.
هنبلغ بس الأول لازم نعرف نوح فين.
وفجأة حازم ظهر قدامي.
إنت بتعمل إيه؟
بصيتله في عينه.
نوح اختفى.
وشه اتغير للحظة.
لحظة صغيرة جدًا
لكن أنا شفتها.
مين نوح؟
قلت
الولد اللي كان

تم نسخ الرابط