اخويا بيتصرف حكايات الكاتبه المبدعة زهرة الربيع
كنتِ عارفة إن والدك عايش؟
قالت وهي بتبكي
لأ والله ما كنت أعرف.
أبوها مسك إيدها.
أنا اختفيت عشان أحميكي.
قلت
وتحميها من مين؟
قال
من الشخص اللي كان عايز يوصل لمحمود.
سألته
ومحمود فين؟
أبوها سكت.
منة قربت منه.
بابا... قولي.
قال
عايش.
منة شهقت.
فين؟
ما أعرفش.
سألته
إزاي مش عارف؟
قال
آخر مرة شفته كان طفل.
أمي قالت
محمود اختفى من قدامنا.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ موجودة؟
هزت رأسها.
أيوه.
ليه ما قولتيليش؟
قالت
لأن أبوك طلب مني أدفن الحقيقة.
ثم أضافت
ولأن الشخص اللي أخده كان واحد من الناس اللي كنا واثقين فيهم.
سمير سأل
مين؟
أمي ما ردتش.
فجأة سمعنا صوت سقوط شيء في المطبخ.
كلنا اتلفتنا.
سمير قام بسرعة.
أنا هروح أشوف.
قلت
استنى.
لكن الصوت اتكرر.
هذه المرة كان صوت باب بيتقفل.
جرينا ناحية المطبخ.
الباب الخلفي كان مفتوح.
وعلى الأرض كانت فيه ورقة.
أخذتها.
وكان مكتوب
لو عايزين تعرفوا محمود فين... روحوا بكرة الساعة 8 على محطة القطار، دولاب رقم 17. ومتجيبوش حد غريب.
وتحتها
وشريف لازم ييجي لوحده.
بصيت للورقة.
أبو منة قال
دي محاولة لاستدراجك.
قلت
عارف.
سمير قال
وأنا جاي معاك.
قلت
مكتوب لوحدي.
قال
وأنا مش هسيبك.
أمي مسكت إيدي.
ما تروحش يا شريف.
بصيت لها.
طول عمري وأنا عايش وسط أسرار مش بتاعتي.
ثم نظرت لمنة.
المرة دي لازم أعرف الحقيقة.
منة قالت
وأنا هاجي معاك.
قلت
لأ.
قالت
دي تخص أخويا.
سكت.
أبوها قال
خدو بالكم من حاجة.
بصيت له.
قال
لو لقيتوا محمود...
ثم سكت.
قلت
إيه؟
قال
ما تصدقوش أول حاجة هيقولها.
سألته
ليه؟
رد
لأن محمود ممكن يكون عارف الحقيقة أكتر مننا كلنا.
تاني يوم، الساعة 8 بالضبط، وقفت قدام محطة القطار.
كنت لوحدي.
أو هكذا كنت فاكر.
دخلت ناحية خزائن الأمانات القديمة.
وصلت للرقم 17.
طلعت المفتاح.
دخلته.
الباب اتفتح.
جواه صندوق صغير.
فتحته.
لقيت شريط تسجيل قديم.
وفوقه ورقة مكتوب عليها
اسمع التسجيل قبل ما تبحث عن محمود.
حطيت الشريط في جهاز صغير كان موجود داخل الصندوق.
وفجأة سمعت صوت أبويا.
صوته كان واضح.
وقال
لو شريف بيسمع التسجيل ده، يبقى محمود رجع.
ثم سكت ثواني.
وقال
لكن أهم حاجة لازم تعرفها...
وفجأة انقطع التسجيل.
سمعت صوت خطوات ورايا.
اتلفت.
كان فيه رجل واقف بعيد.
وفي إيده نفس الصورة القديمة.
رفعها قدامي.
وقال
لو عايز تسمع باقي كلام أبوك...
ثم ابتسم.
لازم تيجي معايا ثبتُّ مكاني، لكني ما اتحركتش ناحيته.
قلت
وإنت مين؟
الرجل ما ردش.
فضل ماسك الصورة وباصصلي.
قلت تاني
أنا سألتك مين؟
قال بهدوء
واحد كان أبوك واثق فيه.
قلت
أبويا مات من سنين.
رد
عشان كده أنا مستني اليوم ده من سنين.
مد إيده بالصورة.
بص كويس.
أخدت الصورة.
كانت صورة قديمة لأبويا وهو واقف قدام البيت، وبجانبه رجل تاني.
قربت الصورة من عيني.
الرجل التاني كان أبو منة.
لكن المفاجأة إن فيه طفل واقف بينهم.
بصيت للطفل.
كان محمود.
قال الرجل
الصورة دي اتاخدت قبل اختفائه بيوم.
قلت
وإنت كنت موجود؟
قال
أيوه.
طيب تعرف محمود فين؟
سكت.
ثم قال
قبل ما أقولك، لازم تعرف إن أبوك ما كانش بيحاول يخفي محمود من الناس اللي برا البيت.
قلت
أمال كان بيخبيه من مين؟
بص لي وقال
من شخص داخل العيلة.
اتجمدت.
مين؟
قال
مش هقولك هنا.
ليه؟
لأن المكان ده مش آمن.
في اللحظة دي سمعت صوت عربية بتقف بره المحطة.
الرجل بص ناحية الباب.
ثم قال
لازم نمشي.
قلت
أنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف الحقيقة.
قال
الحقيقة اللي بتدور عليها موجودة في بيتكم.
في بيتي؟
أومأ.
تحت السلم.
رجعت خطوة.
إيه اللي تحت السلم؟
قال
باب صغير مقفول من سنين.
افتكرت كلام أمي عن المفتاح.
وقبل ما أتكلم، الرجل اختفى بين الناس.
جريت وراه، لكن ما لقيتوش.
رجعت البيت بعد ساعة.
منة كانت مستنياني.
أول ما شافت وشي قالت
حصل إيه؟
حكيت لها كل حاجة.
سكتت لحظات.
ثم قالت
تحت السلم...
قلت
إنتِ تعرفي حاجة؟
هزت رأسها.
وأنا صغيرة، كنت بسمع بابا وماما بيتكلموا عن مكان تحت السلم.
سألتها
وإيه اللي قالوه؟
قالت
كانوا بيقولوا إن فيه حاجة ممنوع حد يقرب منها.
نزلنا تحت.
سمير كان واقف هناك.
قلت له
ساعدنا نحرك السلم.
بصلي باستغراب.
ليه؟
عايز أعرف.
بدأنا نحرك الخشب القديم.
وبعد دقائق ظهر جزء من الحائط.
كان فيه باب صغير جدًا.
وفيه فتحة مفتاح.
جربت المفتاح النحاسي القديم.
دخل.
لفيته.
الباب فتح.
جواه أوضة ضيقة.
كان فيها صندوق خشبي.
فتحت الصندوق.
لقيت ملابس طفل.
وصورة.
وساعة صغيرة.
وشهادة تطعيم باسم
محمود.
منة حطت إيدها على بوقها.
ده أخويا...
سمير رفع الساعة.
دي كانت معايا وأنا صغير.
بصيت له.
إزاي؟
قال
مش عارف.
قلبت الملابس.
لقيت ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب
محمود لم يختفِ... محمود تم نقله.
وتحتها اسم مكان.
دار الرعاية القديمة شارع النخيل.
منة قالت
لازم نروح.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت أمي من فوق
ما تروحوش!
طلعت أجري.
لقيتها واقفة عند باب شقتها.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة المكان ده؟
أمي بدأت تبكي.
أيوه.
ومحمود كان هناك؟
هزت رأسها.
كان هناك فترة قصيرة.
وبعدين؟
قالت
جه شخص وأخده.
مين؟
أمي سكتت.
صرخت
مين يا أمي؟!
قالت
أخو أبوك.
اتجمدت.
عمي؟
أيوه.
بس إنتِ قولتي إنه اختفى!
قالت
كنت مضطرة أقول كده.
سمير سأل
وإنتِ ليه ساعدتيه؟
أمي بصت له.
أنا ما ساعدتش أخد محمود.
ثم قالت وهي تبكي
أنا ساعدت أبوكم يخبيه.
سألتها
من مين؟
ردت
من أبوه.
سكتنا.
قلت
أبوه؟
أمي قالت
محمود كان ابن رجل كان عنده سر كبير... وأخوه كان عايز ياخد السر بأي طريقة.
بصيت لمنة.
قالت
يعني أخويا كان مفتاح السر؟
أمي هزت رأسها.
أيوه.
وفجأة، موبايل سمير رن.
نظر للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
لم يقل شيئًا.
ثم تغيّر وجهه.
ناولني الهاتف.
سمعت صوت رجل يقول
شريف...
قلت
مين؟
قال
لو عايز تشوف محمود بعينيك...
سكت لحظة.
تعالى بكرة لوحدك.
ثم أضاف
وخد معاك الورقة اللي لقيتها تحت السلم.
وقفل.
بصيت لسمير.
قلت
إحنا لازم نعرف مين بيتلاعب بينا.
لكن أمي قالت جملة خلتني أتجمد
ما تروحش يا شريف...
ثم نظرت إلى منة.
وقالت
لأن محمود مش الشخص اللي فاكرينه.
منة سألتها
يعني إيه؟
أمي ردت بصوت مرتعش
محمود رجع البيت من سنين...
وسكتت.
وكان هو السبب في وفاة أبوكم فضلت باصص لأمي وأنا مش قادر أستوعب اللي سمعته.
محمود كان السبب في وفاة أبويا؟!
أمي هزت رأسها والدموع في عينيها.
مش زي ما إنت فاهم يا شريف.
قعدت على الكرسي وقالت
محمود كان طفل. ماكانش يقدر يؤذي أبوك. اللي حصل إن أبوك اكتشف إن فيه ناس بتستغل اسم محمود وبتزوّر أوراق ملكية وأموال باسم والده. ولما حاول يكشفهم، حصلت المطاردة اللي مات فيها.
سألتها
ومحمود؟
قالت
أبوك أنقذه، وسلّمه لدار رعاية باسم مختلف عشان محدش يوصله.
بصيت لمنة.
وإنتِ كنتِ بتدوري عليه؟
هزت رأسها وهي بتعيط.
أيوه. سمير كان بيساعدني. عشان كده كان بيسألني عن أوراق بابا، ويجيبلي حاجات تساعدنا نعرف الحقيقة. مفيش أي حاجة تانية بينا.
بصيت لسمير، وحسيت بعار شديد من الشك اللي عذبته بيه.
قلت
أنا آسف يا سمير.
ابتسم بحزن.
كنت عارف إنك هتفهم في الآخر.
أما الجلابية الحمراء، فاتضح إنها كانت مجرد وسيلة لإخفاء المفتاح داخل بطانتها، لأن سمير كان خايف إن الشخص اللي بيراقب البيت يلاقيه.
وفي اليوم التالي، وصلنا لدار الرعاية القديمة.
هناك لقينا رجلاً في الخمسينات.
أول ما شاف منة، عينيه دمعت.
وقال
أنا محمود.
منة قربت منه ببطء.
أنت... أخويا؟
أومأ.
وحكى لنا كل شيء.
بعد وفاة أبويا، ناس كتير حاولوا يوصلوا له، لكنه عاش باسم مختلف لسنين. ولما كبر، بدأ يبحث عن عيلته والحقيقة وراء اختفائه.
أما الرجل الغريب اللي ظهر لنا، فكان موظفًا قديمًا عند والد منة، وكان محتفظًا بنسخة من الأوراق التي تثبت التلاعب الذي حصل منذ سنوات.
تم تسليم الأوراق للجهات المختصة، وانتهى النزاع بعد ما ظهرت الحقيقة كاملة.
أما أنا، فرجعت البيت وأنا حاسس إني كنت ظلمت أقرب الناس ليا بسبب خوفي وشكي.
دخلت الصالة، لقيت منة قاعدة جنب أمي.
وقفت قدامهم وقلت
أنا آسف.
منة ابتسمت وقالت
المهم إنك عرفت الحقيقة قبل ما تخسرنا.
بصيت لسمير.
قلت
وإنت كمان سامحني.
ضحك وقال
بس بشرط.
قلت
إيه؟
قال
أي حاجة تشوفها بعد كده، اسأل الأول قبل ما تحكم.
ضحكت لأول مرة من أيام.
أما أمي، فقالت
أبوك كان دايمًا يقول إن البيت مش بيتبني بالطوب... البيت بيتبني بالثقة.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
وفهمت وقتها إن أكبر مشكلة ما كانتش في نظرات سمير، ولا في الجلابية، ولا في الأسرار.
المشكلة كانت إن الشك لما يدخل بين الناس، ممكن يخلي أبسط تصرف يبدو كأنه دليل على أسوأ شيء.
ومن يومها، اتغيرت علاقتي بسمير.
وبقيت أعرف إن الأخ
مش مجرد شخص اتولدت معاه تحت سقف واحد...
الأخ هو اللي تلاقيه واقف جنبك لما الحقيقة كلها تتقلب ضدك.
أما منة، فبقيت أثق فيها أكتر من أي وقت فات.
وبعد شهور، اجتمعت العيلة كلها في بيتنا.
وكان محمود قاعد لأول مرة وسطنا.
بصيت له، ثم للصورة القديمة اللي بدأت منها الحكاية.
وقلت في سري
أبويا كان مخبي الحقيقة سنين... لكنه في الآخر كان بيحاول يحافظ على عيلة، مش يفرقها.
ومن يومها، فهمت درس عمري
مش كل نظرة معناها خيانة، ومش كل سر وراه مصيبة... وأحيانًا الحقيقة اللي بنخاف منها بتطلع هي الحاجة الوحيدة اللي تنقذ البيت.