بنت صغيرة
المحتويات
فيها يتغير.
محمود شوقي.
الراجل اللي دفنته بإيدي من ست سنين.
مستحيل.
رفعت عيني للموظفة وقلت
الاسم ده موجود عندكم في الملف؟
هزت راسها.
أيوه.
وصورته؟
دخلت على النظام القديم، وبعد دقايق طبعتلي صورة من بطاقة الموظف.
حطيتها جنب الصورة اللي في موبايلي.
بصيت للصورتين.
نفس الشخص.
لكن كان فيه فرق واحد...
صورة البطاقة عمرها أكتر من عشر سنين.
أما الصورة اللي قدامي، فكانت لراجل المفروض إنه مات من ست سنين.
خرجت من المستشفى وأنا مش عارف أنا رايح فين.
اتصلت ببنتي.
المرة دي ردت.
بابا...
قلت
محمود عايش.
سكتت.
أنا شفته.
فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قالت
كنت عارفة إنك هتوصل له في يوم.
يعني إنتِ عارفة مكانه؟
أيوه.
من إمتى؟
من أول يوم اختفيت فيه من حياتك.
قفلت عيني.
وليه ما قولتيليش؟
صوتها اتكسر.
لأنك لو عرفت وقتها... كنت هتروح تدور عليه.
وإيه المشكلة؟
كان مستني ده.
سكت.
مين؟
محمود.
كان مستني إني أدور عليه؟
مش عشان يأذيك.
أمال عشان إيه؟
سمعت نفس طويل من الناحية التانية.
عشان كان عايزك تدخل في حاجة أكبر من مجرد حسابات الشركة.
قلت بعصبية
أنا تعبت من الألغاز. قولي الحقيقة.
قالت
الحقيقة إن محمود كان بيحاول يكشف حاجة حصلت جوه شركتك من سنين.
إيه الحاجة؟
فلوس.
اختلاس؟
مش بالضبط.
أمال إيه؟
سكتت.
ثم قالت
كان فيه موظفين بيتسجلوا بأسماء ناس تانية.
فكرت في كلام أم البنت.
مشرفة عمال.
شركة خدمات.
ملفات قديمة.
موظفة رقم 47.
قلت
يعني إيه؟
قالت
ناس شغالة فعلاً... لكن المرتبات كانت بتتحول لحسابات مش بتاعتهم.
بدأت أفهم.
مين كان بيعمل كده؟
قالت
مش شخص واحد.
إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
محمود وراني الملفات.
وإنتِ عملتي إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
صورتها.
نظرت إلى هاتفي.
فين الصور؟
قالت
معايا.
هاتيها.
مش قبل ما تتأكد إنك مش لوحدك.
أنا في العربية.
بابا...
صوتها اتغير فجأة.
العربية اللي وراك... واقفة من إمتى؟
بصيت في المراية.
عربية سوداء كانت ماشية ورايا من المستشفى.
نفسها من أول الشارع.
قلت
إنتِ شايفاها؟
أيوه.
إزاي؟
لأنني مش بعيدة عنك.
بصيت حواليا.
إنتِ فين؟
قالت
بص على الناحية التانية من الشارع.
لفيت رأسي.
وشفتها.
بنتي.
بعد ثلاث سنين.
واقفة تحت مظلة محل قديم، وبتبصلي.
لكنها ما كانتش لوحدها.
جنبها كانت واقفة أم البنت الصغيرة.
وفي إيدها...
نفس الكيس البلاستيك اللي كانت حاضنة فيه المحفظة.
نزلت من العربية بسرعة.
أول ما قربت منهم، بنتي قالت
مفيش وقت.
قلت
أنا عايز أفهم كل حاجة.
قالت
هتفهم.
ثم بصت لأم البنت.
الست مدت إيدها بالكيس.
ده كان معايا من ست سنين.
فتحته.
طلع منه دفتر صغير قديم.
دفتر عليه اسم شركتي.
وفي أول صفحة كان مكتوب
كشف العمال السنة الأخيرة قبل إغلاق الشركة.
قلبت أول ورقة.
الأسماء كانت عادية.
لكن تحت كل اسم...
كان فيه رقم حساب بنكي.
وفجأة لقيت اسم أعرفه.
اسم شخص قريب مني جداً.
رفعت عيني لبنتي.
هو ده اللي كان بيحول الفلوس؟
هزت راسها.
لا.
أمال مين؟
قالت
هو كان أول واحد اكتشف الموضوع.
يبقى مين؟
قبل ما تجاوب...
سمعنا صوت فرامل قوية.
العربية السوداء وقفت قدامنا.
الباب الخلفي اتفتح.
نزل منه رجل في الخمسينات.
أول ما شفته...
عرفته.
كان من أقرب الناس ليا في الشركة.
والشخص الوحيد اللي كان معايا في الاجتماع يوم ضاعت المحفظة.
قال وهو بيبص لبنتي
كان المفروض ما ترجعيش يا آنسة.
بنتي مسكت إيدي لأول مرة من ثلاث سنين.
وقالت
بابا... دلوقتي بس هتعرف ليه أنا اختفيت.
وفي نفس اللحظة، أم البنت الصغيرة فتحت الدفتر على صفحة معينة.
وأشارت إلى اسم واحد.
الاسم اللي شفته...
خلاني أنسى حتى إني كنت واقف في الشارع الاسم كان مكتوب بخط واضح في آخر الصفحة.
اسمي أنا.
فضلت باصص للورقة، وبعدين بصيت لبنتي.
إيه ده؟
قالت بهدوء
اسمك موجود... بس مش بالشكل اللي إنت فاكره.
الرجل اللي نزل من العربية قرب خطوة.
كفاية.
بنتي بصت له.
لأ، خلاص.
ثم التفتت لي.
اللي قدامك ده كان مسؤول الحسابات في الشركة القديمة.
قلت
عارفه.
لا يا بابا... إنت كنت فاكره موظف.
سكتت.
هو كان شريك في النظام كله.
الرجل ضحك بسخرية.
بنتك لسه مصممة تحكي الحكاية بطريقتها.
ردت عليه
وأنت لسه مصمم تخوف الناس عشان محدش يسأل.
رفعت الدفتر.
الدفتر ده فيه تحويلات لمرتبات عمال ماتوا من سنين.
قلت
يعني إيه؟
أم البنت ردت
يعني فيه ناس كانت بتشتغل فعلاً، لكن أسماؤهم اختفت من السجلات، وفلوسهم كانت بتروح لحسابات تانية.
بصيت للرجل.
وإنت كنت مسؤول عن الحسابات؟
قال
كنت بنفذ تعليمات.
تعليمات مين؟
سكت.
لأول مرة ظهر عليه الارتباك.
بنتي قالت
قول له.
رفع عيني لي.
لو قلت... ناس كتير هتتأذي.
قلت
وأنا؟
قال
إنت أول واحد.
سكتنا جميعاً.
وفجأة البنت الصغيرة خرجت من العربية.
كنت فاكر إنها مع السائق.
لكنها كانت قاعدة جوه طول الوقت.
قربت مني وقالت
عمو...
بصيت لها.
إنتِ عارفة الراجل ده؟
هزت راسها.
أيوه.
شفتيه قبل كده؟
هو كان بييجي عندنا.
أمها مسكت إيدها بسرعة.
لكن البنت كملت
وكان بيسأل ماما عن الدفتر.
الرجل اتغير وشه.
قال
البنت مش فاهمة.
البنت بصت له وقالت
أنا فاهمة.
ثم دخلت إيدها في جيب الجاكيت وطلعت حاجة صغيرة.
مفتاح.
حطته في إيدي.
ده كان مع محمود.
تجمدت.
محمود؟
هزت راسها.
هو اداه لماما.
أمها قالت بسرعة
كنت ناوية أرجعه.
بصيت لها.
ترجعيه لمين؟
قالت
للشخص الوحيد اللي يقدر يفتح المكان.
أي مكان؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت عربية إسعاف من بعيد.
الرجل استغل اللحظة وجرى ناحية عربيته.
لكن بنتي وقفت قدامه.
لو مش عايز تقول الحقيقة، على الأقل سيبنا نعرفها.
بص لها للحظات.
ثم قال
محمود ما ماتش.
سكت الجميع.
أنا حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
إنت بتقول إيه؟
قال
الحادثة اللي اتقال إنها أنهت حياته... ما كانتش حادثة.
أمال إيه؟
اختفاء.
ومحمود فين؟
بص لي.
كان بيحاول يحمي شخص.
قلت
مين؟
قال
الطفلة.
نظرت للبنت الصغيرة.
أمها قربتها منها.
قلت
ليه؟
الرجل فتح باب العربية.
وقبل ما يركب، قال
لأنها مش مجرد بنت الموظفة رقم 47.
وبعدين بص لبنتي.
وهي السبب إن أبوكي لسه عايش لحد النهارده.
انطلقت العربية.
فضلت واقف.
وبصيت لبنتي.
أنا مش فاهم.
قالت
هتفهم لما نروح للمكان اللي محمود مخبي فيه كل حاجة.
فين؟
أشارت للمفتاح اللي في إيدي.
المفتاح ده مش لخزنة.
أمال؟
قالت
لباب تحت الأرض.
سكت.
تحت شركتك.
ثم فتحت الدفتر مرة تانية.
وكان فيه سطر صغير في آخر الصفحة
الاجتماع الأخير سيكون في القبو... يوم الثلاثاء، الساعة 11 مساءً.
بصيت في ساعتي.
كانت الساعة 1037.
ولأول مرة فهمت إن ضياع محفظتي في المطر...
ما كانش بداية القصة.
كان مجرد الطريقة اللي حد اختارها عشان يخليني أرجع أفتح ملف كنت قافله من سنين ركبنا العربية واتجهنا ناحية الشركة.
أنا وبنتي في الخلف، وأم البنت الصغيرة جنب السائق، والبنت قاعدة في النص ماسكة الدفتر كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
طول الطريق محدش اتكلم.
لحد ما بنتي قالت فجأة
بابا... قبل ما نوصل، لازم تعرف حاجة.
بصيت لها.
إيه؟
أنا ما اختفيتش منك عشان كنت زعلانة.
سكت.
أمال؟
نزلت عينيها.
عشان محمود طلب مني.
حسيت بقبضة في صدري.
إنتِ كنتي بتشتغلي معاه؟
لأ.
أمال كنتي بتعملي إيه؟
قالت
كنت براقب.
بتراقبي مين؟
الناس اللي حواليك.
سكت لحظة.
يعني إيه؟
قالت
محمود اكتشف إن في حد قريب منك جداً بيستخدم اسمك في حاجات إنت ما تعرفش عنها حاجة.
بصيت قدامي.
وإنتِ عرفتي مين؟
كنت أعرف جزء.
مين؟
مش هقولك دلوقتي.
اتعصبت.
بعد كل السنين دي لسه هتخبي عني؟
بصتلي بعينين مليانة دموع.
لو قلتلك وقتها، كنت هتواجهه.
وأنا لازم أواجهه.
وكان هيخلص عليك.
سكت.
الكلمة دي خلت العربية كلها تبقى ساكتة.
وصلنا الشركة قبل الساعة 11 بدقائق.
دخلنا من الباب الخلفي.
الغريب إن الحارس كان مش موجود.
الممر اللي بيؤدي للقبو كان مطفي.
طلعت المفتاح.
لقيت في آخر الممر باب حديد صغير ما شفتوش قبل كده.
دخلت المفتاح.
لف.
الباب اتفتح.
ريحة تراب قديم خرجت من جوه.
نزلنا السلم.
درجة...
اتنين...
عشرة...
لحد ما وصلنا لباب تاني.
كان عليه رقم
47
أم البنت أول ما شافت الرقم وقفت.
وشها اصفر.
قلت لها
إنتِ عارفة المكان ده؟
قالت
أيوه.
إزاي؟
ردت بصوت منخفض
هنا كانت آخر مرة شفت فيها محمود.
فتحت الباب.
الغرفة كانت مليانة صناديق ملفات.
على الحائط صور قديمة.
أسماء موظفين.
أرقام حسابات.
وتواريخ.
وفي النص مكتب صغير.
فوقه جهاز تسجيل قديم.
بنتي قربت منه.
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت محمود.
صوته الحقيقي.
الصوت اللي سمعته آخر مرة قبل موته.
قال
لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا ما قدرتش أرجع.
جسمي كله اتشد.
الصوت كمل
والشخص اللي هيشغل التسجيل غالباً هيكون واحد من اتنين...
سكت التسجيل لحظة.
ثم قال
يا بنتي...
بصيت لبنتي.
وشها كان مليان دموع.
...يا صاحب الشركة.
ثم أكمل
لو كنت إنت يا صاحب الشركة، يبقى لازم تعرف إن كل اللي حصل كان بيتعمل باسمك.
بصيت لبنتي.
هي ما بصتش لي.
التسجيل استمر
أنا ما سرقتش فلوس الشركة.
أنا كنت بحاول أعرف مين بيسرقها.
ولما قربت أوصل له...
الصوت انقطع.
بنتي ضغطت على الجهاز مرة تانية.
اشتغل.
لكن الصوت هذه المرة كان مختلفاً.
محمود قال
الشخص ده مش واحد.
هو مجموعة.
وفي قلب المجموعة شخص أنت بتثق فيه ثقة كاملة.
فجأة...
سمعنا صوت باب بيتقفل فوقنا.
أم البنت شهقت.
حد دخل.
طلعت أجري ناحية السلم.
وصلت للباب الحديد.
لقيته اتقفل من الخارج.
جربت المفتاح.
ما فتحش.
ضربت الباب بإيدي.
مين بره؟!
مفيش رد.
بنتي قالت
بابا...
لفيت.
كانت واقفة قدام مكتب محمود.
في إيدها ورقة.
قالت
أنا لقيت اسم الشخص.
قربت منها.
الورقة كانت
متابعة القراءة