الولد سرق حكايات زيزي
الولد اللي سرق العيش والقاضي اللي علّم الكل درس
في قاعة محكمة مليانة بالناس، كان واقف ولد عنده 15 سنة، جسمه بيرتعش ورأسه واطية في الأرض.
كان متهم بحاجة بسيطة في شكلها، لكنها كانت بالنسبة له مسألة حياة أو موت...
سلة عيش وحتة جبنة.
موظف المحل كان مسكه وهو بيحاول يخرج بيهم من غير ما يدفع، ولما الولد حاول يفلت منه، حصلت خناقة صغيرة، ورف من رفوف المحل وقع واتكسر.
وقف الولد قدام القاضي، وهو مش قادر يرفع عينه من الأرض.
بص له القاضي بهدوء وقال
إنت سرقت الحاجات دي فعلًا؟
الولد هز راسه وقال بصوت واطي
أيوه يا سيدي.
ليه؟
سكت الولد شوية، وبعدها قال
عشان كنت محتاجها.
القاضي سأله
يعني إنت معاكش فلوس تشتريها؟
لا يا سيدي.
طب ما طلبتش من أهلك؟
الولد بلع ريقه وقال
معايا أمي بس يا سيدي... وهي تعبانة ومش بتشتغل.
سكتت القاعة كلها.
القاضي سأله
وإنت بتشتغل؟
أيوه يا سيدي... بغسل عربيات.
وبتكسب كويس؟
الولد هز راسه بالنفي
على قدّي... بس النهارده كنت واخد إذن من صاحب الشغل عشان أقعد جنب أمي.
القاضي بص له وقال
يعني إنت سرقت عشان تاكل إنت وأمك؟
الولد نزل عينه أكتر وقال
أيوه يا سيدي.
فضل القاضي ساكت ثواني، وبعدها بص للناس اللي في القاعة.
وقال بصوت واضح
أنا مش هبرر السرقة. سرقة العيش تفضل جريمة، مهما كان السبب.
الولد رفع عينه لأول مرة.
لكن القاضي كمل
بس السؤال اللي لازم نسأله نفسنا مش بس ليه الولد سرق؟
وسكت لحظة، ثم قالووو
حكايات_زيزي
وسكت لحظة، ثم قال
السؤال الحقيقي هو إزاي ولد عنده خمستاشر سنة، بدل ما يكون في مدرسته أو بيلعب مع زمايله، يبقى واقف قدامي في قفص الاتهام عشان سلة عيش وحتة جبنة؟
بدأ الهمس ينتشر في القاعة.
موظف المحل اللي كان واقف في آخر الصفوف عقد حواجبه، وقال بضيق
يا سيادة القاضي، أنا مقدر ظروفه، بس لو كل واحد قال إنه محتاج، المحلات هتتقفل!
القاضي بص له بهدوء
وأنا ما قلتش إن السرقة صح.
ثم أضاف
لكن أنا كمان مش هسمح إننا نعاقب طفل من غير ما نعرف إيه اللي وصّله للحظة دي.
الولد رفع عينه للقاضي، وكان واضح إن كلامه لمس حاجة جواه.
القاضي قلب في الأوراق قدامه، وبعدين سأل
اسمك إيه؟
ياسين يا سيدي.
وأمك اسمها إيه؟
سعاد.
ساكنين فين؟
الولد قال اسم المنطقة.
القاضي سأل
وأبوك؟
الولد سكت.
القاضي رفع عينه من الورق
أبوك فين يا ياسين؟
إيد الولد بدأت ترتعش.
وبعد لحظات قال
مش عارف يا سيدي.
القاضي استغرب
مش عارف يعني إيه؟
من سنين وهو مش موجود.
سايبكم؟
الولد هز راسه.
أيوه.
ومحدش بيساعدكم؟
الولد سكت.
القاضي كرر السؤال
ياسين... محدش بيساعدكم؟
رفع الولد عينه وقال
في ناس كانت بتساعدنا، بس أمي مبتحبش تطلب من حد.
سأل القاضي
وأمك تعبانة من إمتى؟
الولد اتردد، وبعدين قال
بقالها فترة.
بتاخد علاج؟
هز راسه.
كان عندنا علاج... خلص.
القاضي سأل
وكنت محتاج تشتريه؟
الولد بلع ريقه وقال
لأ يا سيدي.
القاضي استغرب
أمال كنت محتاج العيش والجبنة ليه؟
الولد سكت طويلًا.
وبص للأرض.
ثم قال بصوت مكسور
أمي كانت من امبارح ماكلتش.
القاعة كلها سكتت.
موظف المحل نفسه بص للولد، وكأن الكلام فاجأه.
لكن القاضي لم يكتفِ.
قال
وإنت؟
الولد حاول يبتسم ابتسامة صغيرة
أنا متعود.
اتغيرت ملامح القاضي.
ثم سأل
متعود على إيه؟
الولد قال
إني أنام وأنا جعان.
في اللحظة دي، واحدة من السيدات الموجودين في القاعة بدأت تمسح دموعها.
لكن القاضي رفع إيده، وكأنه بيطلب من الجميع الهدوء.
وقال
ياسين، أنا هسألك سؤال واحد، وعايزك تجاوبني بصراحة.
الولد هز راسه.
وإنت خارج من المحل، كنت ناوي تبيع الحاجات دي؟
لا يا سيدي.
كنت ناوي تخبيها؟
لا.
أمال كنت هتعمل بيها إيه؟
الولد رد فورًا
كنت هاخدها لأمي.
القاضي سكت.
وبعدين قال
طب ليه ما طلبتش من صاحب المحل يساعدك؟
الولد رفع عينه ناحية موظف المحل، وقال
طلبت.
اتصدم الموظف.
إيه؟
الولد كمل
طلبت منه قبل كده.
الموظف قرب خطوة
إمتى؟
من يومين.
وأنا رفضت؟
الولد هز راسه.
قلتلي امشي من هنا.
الموظف بدأ يتوتر
يا سيادة القاضي، أنا مش فاكر الكلام ده!
القاضي بص له، ثم سأل الولد
وإنت متأكد؟
أيوه.
القاضي ما علقش.
بدل كده، سأل الحاجب
هاتلي تسجيل كاميرات المحل.
موظف المحل اتوتر أكتر.
يا سيادة القاضي، التسجيلات مش معانا هنا.
القاضي قال بهدوء
يبقى تتجاب.
وبعدين رجع بص لياسين.
لكن قبل ما التسجيل ييجي، عندي سؤال أخير.
الولد رفع عينه.
القاضي قال
لما خرجت من المحل، مين كان مستنيك بره؟
الولد اتجمد.
وشه اتغير فجأة.
القاضي لاحظ ده وقال
ياسين؟
الولد سكت.
مين كان مستنيك؟
وبعد تردد طويل، قال الولد
واحد يا سيدي.
مين؟
الولد بص ناحية باب المحكمة.
ثم قال بصوت خافت
الشخص اللي اداني الفلوس عشان أشتري الدوا لأمي...
القاعة كلها تحركت من مكانها.
القاضي عقد حاجبيه.
فلوس؟ إنت قلت إنك ماكانش معاك فلوس!
الولد ارتبك وقال
ماكانش معايا... هو اللي اداني.
ومين هو؟
الولد فتح بقه عشان يتكلم...
لكن قبل ما ينطق، دخل أحد أفراد الشرطة بسرعة، واتجه ناحية القاضي وهمس له بكلمتين.
القاضي اتغيرت ملامحه فورًا.
وبص ناحية باب القاعة.
لأن الشخص اللي كان بيدور عليه...
كان واقف هناك فعلًا القاضي بص ناحية باب القاعة، فلقى راجل واقف في آخر الصفوف، لابس هدوم بسيطة، وحاول أول ما عينه جت في عين القاضي إنه يخرج بهدوء.
القاضي قال بصوت حازم
إنت... استنى مكانك.
الراجل وقف.
الشرطي قرب منه وقال
سيادة القاضي عايزك.
الراجل تقدم بخطوات مترددة، وكل العيون اتعلقت بيه.
القاضي سأله
اسمك إيه؟
محمود يا سيدي.
تعرف ياسين؟
الراجل بص للولد، وبعدها قال
أعرفه.
القاضي
وإنت اللي اديته فلوس عشان يشتري علاج لأمه؟
محمود سكت.
ياسين بص له بسرعة، وكأنه خايف عليه.
القاضي كرر
سألتك سؤال.
محمود قال
أيوه.
القاضي
طب ليه خليته يشتري العيش والجبنة بالطريقة دي؟
محمود استغرب
أنا ما طلبتش منه يسرق!
القاضي بص له بتركيز.
أمال حصل إيه؟
محمود أخذ نفس طويل وقال
أنا كنت شايفه كل يوم بيغسل العربيات جنب المحل. الولد عمره ما مد إيده لحد. من كام يوم سألته عن أمه، وعرفت إنها محتاجة علاج.
ياسين قاطعه
ما تقولش يا عمو...
القاضي بص له
سيبه يتكلم.
محمود كمل
اديته شوية فلوس وقلت له يجيب الدوا والأكل. لكن...
سكت.
القاضي سأله
لكن إيه؟
محمود بص للأرض
الفلوس ما كانتش كفاية.
القاضي قال
وبعدين؟
رجعلي وهو بيقول إن الدوا غلي، وإنه مش عارف يعمل إيه.
القاضي نظر إلى ياسين
وإنت قررت تسرق؟
الولد هز راسه.
أيوه يا سيدي.
محمود قال بسرعة
بس هو ما كانش لازم يعمل كده!
القاضي رد
وده بالضبط اللي بنحاول نفهمه.
ثم طلب من الشرطي
هات تسجيلات كاميرات المحل فورًا.
بعد دقائق، جاء أحد العاملين ومعه هاتف عليه التسجيل.
بدأ الفيديو.
ظهر ياسين وهو واقف أمام المحل، متردد، ثم دخل.
ظهر وهو بيتكلم مع موظف المحل.
وبعد لحظات، خرج.
القاضي قال
وقف هنا.
تم إيقاف التسجيل.
القاضي أشار إلى الشاشة
هو كان بيتكلم مع الموظف قبل السرقة؟
أحد الموجودين قال
أيوه.
القاضي
شغل الصوت.
اشتغل التسجيل.
ظهر صوت ياسين
عمو، بالله عليك، إديني العيش والجبنة وأنا هسددهملك أول ما أقبض.
الموظف رد
قلتلك مفيش حساب هنا. اخرج.
ياسين
بس أمي ماكلتش من امبارح.
الموظف
مش شغلي.
وبعدها ظهر ياسين وهو يخرج من المحل.
القاعة سكتت تمامًا.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
بعد حوالي عشر دقائق، ظهر ياسين وهو يرجع للمحل، ووشه باين عليه التوتر.
دخل، أخذ السلة، وحاول يخرج.
وهنا حصلت الخناقة.
الرف وقع.
القاضي طلب إيقاف التسجيل.
ثم بص لموظف المحل.
هل ده حصل؟
الموظف ما ردش.
القاضي قال
أنا مش بسألك عن القانون. أنا بسألك عن الحقيقة.
الرجل خفض رأسه وقال
أيوه يا سيدي.
القاضي التفت لياسين.
وإنت ليه ما قلتش الكلام ده من الأول؟
الولد رد
عشان أنا غلطان برضه.
القاضي سكت لحظة.
ثم قال
أيوه... إنت غلطان.
الولد نزل رأسه.
لكن القاضي كمل
بس الغلط مش معناه إننا نغمض عينينا عن السبب.
ثم طلب من الكاتب ملف القضية.
فتح الملف، وقلب صفحاته.
وفجأة توقف.
كان فيه مستند صغير مرفق بالقضية.
القاضي قرأه مرة...
ثم مرة تانية.
ورفع عينه ناحية ياسين.
ياسين... مين قالك إن والدك مش موجود؟
الولد اتجمد.
أمي.
القاضي بص للمستند وقال
لأن الملف اللي قدامي بيقول حاجة تانية تمامًا.
الولد رفع رأسه بسرعة.
يعني إيه يا سيدي؟
القاضي لم يجب.
بل طلب من الشرطي أن يتأكد من عنوان موجود في الورقة.
وبعد لحظات، قال القاضي
قبل ما نحكم في قضية السرقة دي... لازم نعرف حقيقة واحدة.
ثم نظر إلى ياسين
أبوك فين؟الولد فضل باصص للقاضي، وكأنه مش فاهم السؤال.
مش عارف يا سيدي... أمي قالتلي إنه مات من زمان.
القاضي رجع بص للورقة.
مات؟
أيوه.
وإنت شفت شهادة وفاة؟
ياسين هز راسه
لا.
شفت قبره؟
لا يا سيدي.
القاضي سأل
طب ليه مصدق إنه مات؟
الولد رد ببساطة موجعة
عشان أمي قالتلي.
القاضي سكت ثواني.
وبعدين سأل الكاتب
الورقة دي مصدرها إيه؟
الكاتب رد
دي صورة من طلب نفقة قديم، وفيه بيانات الأب والعنوان الأخير المعروف ليه.
القاضي رفع عينه
يعني الأب ممكن يكون عايش؟
الكاتب قال
حسب البيانات دي، أيوه.
ياسين شهق
بابا عايش؟!
صوته خرج من غير ما يحس.
محمود اللي كان واقف جنبه بص له بحزن.
القاضي قال بسرعة
استنى يا ياسين. إحنا لسه ما نعرفش الحقيقة كاملة. الورقة قديمة، وممكن يكون حصلت ظروف بعدها.
الولد قرب خطوة
طب نعرف إزاي؟
القاضي قال
هنعرف.
ثم التفت للشرطي
العنوان الموجود في الملف، اتأكدوا منه.
الشرطي خرج من القاعة.
مرت دقائق ثقيلة.
وياسين فضل واقف مكانه، وعينيه مليانة أسئلة.
وفجأة، سأل القاضي
يا سيدي... لو بابا عايش، ليه سايبنا؟
القاعة كلها سكتت.
القاضي ما حاولش يدي إجابة من عنده.
قال
السؤال ده لازم يجاوبه هو بنفسه.
وبعد حوالي نصف ساعة، رجع الشرطي.
قرب من القاضي وهمس له.
القاضي سأله
متأكد؟
أيوه يا سيدي.
موجود؟
موجود.
الولد قرب من القاضي
مين موجود؟
القاضي بص له.
الشخص اللي العنوان كان بيدل عليه... اتأكدنا إنه عايش.
ياسين حط إيده على صدره.
فين؟
الشرطي قال
في نفس المدينة.
الولد بدأت دموعه تنزل.
يعني... ممكن أشوفه؟
القاضي سكت لحظة.
ثم قال
ممكن.
لكن قبل ما يكمل، دخل رجل في منتصف الخمسينات إلى قاعة المحكمة.
كان واضح عليه الارتباك.
وقف عند الباب، وبص ناحية ياسين.
الولد أول ما شافه...
اتجمد.
ما قالش بابا.
وما جريش عليه.
فضل واقف مكانه، كأنه بيحاول يتأكد إن اللي قدامه حقيقي.
الرجل نفسه ما قدرش يتكلم.
القاضي بص له وقال
إنت فلان؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
القاضي قال
تعرف الولد ده؟
الرجل بص لياسين، ودموعه نزلت.
ده ابني.
الولد رجع خطوة للخلف.
وقال بصوت مكسور
إنت عايش؟
الرجل ما ردش.
ياسين سأله
أمي قالت إنك مت.
الرجل نزل عينه.
القاضي تدخل
قبل ما يحصل أي كلام بينكم، أنا عايز أفهم حاجة واحدة.
ثم نظر للرجل مباشرة
ليه سبت ابنك وأمه كل السنين دي؟
الرجل فضل ساكت.
القاضي كرر
جاوب.
وأخيرًا رفع الرجل عينه وقال
أنا ما سبتهمش بإرادتي.
الولد بص له باستغراب.
أمال إيه اللي حصل؟
الرجل أخذ نفسًا عميقًا وقال
أمك... هي اللي قالتلي أبعد.
القاعة اتقلبت همس.
لكن القاضي رفع إيده.
محدش يتكلم.
ثم قال للرجل
عندك دليل على الكلام ده؟
الرجل أخرج