الولد سرق حكايات زيزي
المحتويات
من جيبه ظرفًا قديمًا، وحطه على مكتب القاضي.
عندي.
القاضي فتح الظرف.
وكان جواه خطاب قديم...
لكن أول سطر فيه خلّى ملامح القاضي تتغير تمامًا.
لأن الخطاب كان مكتوب بإيد أم ياسين نفسها.
وكان فيه اعتراف بسر أخفته عن ابنها لمدة خمستاشر سنة القاضي فضل ماسك الخطاب، وعينه بتتنقل بين السطور.
وبعدين رفع عينه للرجل وقال
الخطاب ده إمتى؟
الرجل رد
من خمستاشر سنة.
القاضي رجع للخطاب تاني.
ثم قال
وإنت محتفظ بيه كل السنين دي؟
أيوه يا سيدي.
وليه ما حاولتش ترجع لابنك؟
الرجل سكت لحظة، وبعدين قال
حاولت.
ياسين بص له
حاولت إمتى؟
الرجل قرب خطوة، لكن وقف مكانه.
أول سنة... وبعدها كذا مرة.
وماما كانت بتمنعك؟
هز رأسه.
كانت بتقولي إنك مش عايز تشوفني.
ياسين اتصدم.
أنا؟!
الرجل قال بسرعة
لا، هي كانت بتقول إنك إنت اللي مش عايز تشوفني.
الولد بص للقاضي، وبعدين لأبوه.
بس أنا عمري ما قلت كده!
القاضي حط الخطاب على المكتب.
وأنا محتاج أفهم ليه اتقال الكلام ده.
الرجل قال
لأن وقتها حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين والدتك. أنا كنت شغال بره البلد، وكنت ببعت فلوس كل شهر. وبعد فترة حصل خلاف، وهي طلبت الطلاق، وقالتلي إنها مش عايزة أي حاجة مني.
القاضي سأله
وهل حصل طلاق فعلًا؟
أيوه.
وبعد الطلاق؟
الرجل تنهد.
سافرت تاني عشان أسدد ديون كانت عليا. ولما رجعت، اكتشفت إنها نقلت مكانها.
ياسين كان واقف مش قادر يستوعب.
قال
طب ليه ما دورتش عليا؟
الرجل قرب منه
دورت عليك.
فين؟
في كل مكان كنت أعرفه.
الولد سأل
طب ليه ما سألت الشرطة؟
الرجل سكت.
القاضي رد بدلًا منه
أحيانًا يا ياسين، الناس بتغلط في طريقة حل مشاكلها، والغلط بيكبر مع السنين.
لكن ياسين كان عنده سؤال أهم.
يعني إنت كنت عايز تشوفني؟
الرجل دموعه نزلت.
كل يوم.
الولد فضل ساكت.
ثم قال
طب ليه ما كنتش موجود يوم عيد ميلادي؟
الرجل ما عرفش يرد.
ولا أول يوم مدرسة؟
صمت.
ولا لما أمي تعبت؟
هنا الرجل غطى وشه بإيده.
ما كنتش أعرف.
ياسين قال
كان ممكن تعرف.
القاضي بص للولد، ثم قال
عندك حق تسأل.
ثم عاد للخطاب.
كان الخطاب طويلًا، وفي آخره جملة جعلت القاضي يقرأها بصوت منخفض
أنا مش عايزة ابني يعرف إن أبوه حاول يرجع، عشان لو عرف هيختار يعيش معاه ويسيبني.
ياسين فتح عينه بدهشة.
ماما قالت كده؟
الرجل أومأ.
لكن القاضي لم يكتفِ.
قلب الخطاب على ظهره، فوجد رقم هاتف مكتوبًا بخط اليد.
قال
الرقم ده كان بتاعك؟
الرجل قال
أيوه.
القاضي سأله
ولسه شغال؟
لأ، اتغير من سنين.
القاضي قال
يبقى الخطاب لوحده مش كفاية لإثبات كل شيء.
ثم نظر إلى الاثنين.
الحقيقة مش هتتحدد بالظنون. هنحتاج نسمع الطرف التاني.
ياسين قال بسرعة
أمي هنا؟
القاضي هز رأسه.
لا.
طب ممكن تيجي؟
القاضي قال
هتتطلب رسميًا.
في اللحظة دي، ياسين بص لأبوه.
وبعد تردد طويل، قال
أنا مش عارف أصدق مين.
أبوه قال
مش لازم تصدقني دلوقتي.
ثم أضاف
بس أنا مستعد أستنى.
القاضي بص للولد وقال
وده حقك.
ثم التفت لموظف المحل وقال
أما موضوع السرقة، فإحنا لسه ما خلصناش منه.
الموظف قال
يعني هيطلع؟
القاضي رد
لا تستعجل الحكم.
ثم نظر إلى ياسين
لأن فيه فرق بين إننا نعلّم طفل إن السرقة غلط... وبين إننا نسيبه يخرج من المحكمة وهو فاكر إن مفيش حد شايفه أو مهتم بيه.
ثم طلب من الكاتب ورقة.
وكتب عليها شيئًا.
ناولها لياسين وقال
خد دي.
الولد بص للورقة.
وكان مكتوب فيها اسم وعنوان مؤسسة خيرية قريبة، ومعها ملاحظة قصيرة.
إيه دي يا سيدي؟
القاضي قال
أول خطوة عشان أمك تاخد العلاج اللي محتاجاه.
ياسين بدأ يبكي.
لكن القاضي قال
متشكرنيش.
ثم أضاف
بدل ما تشكرني، وعدني بحاجة.
الولد مسح دموعه.
إيه؟
القاضي قال
من النهارده، لو احتجت حاجة ومقدرتش عليها... اطلب المساعدة.
حتى لو محدش ساعدني؟
القاضي رد
اطلب من واحد تاني.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة
لأن طلب المساعدة مش عيب... لكن إنك تسرق عشان تعيش، ده هيحطك في طريق صعب جدًا.
ياسين هز رأسه.
لكن قبل ما يخرج من القاعة، حصل شيء لم يكن في الحسبان.
موظف المحل نفسه تقدم ناحية القاضي وقال
يا سيادة القاضي... ممكن أتكلم؟
القاضي أشار له.
الرجل بص لياسين وقال
أنا عايز أصلح اللي حصل.
ثم أخرج شيئًا من جيبه وحطه على الطاولة.
القاضي بص إليه...
واتفاجأ.
لأن اللي أخرجه الموظف كان إيصالًا قديمًا يثبت إن أم ياسين كانت بتشتري علاجها من نفس المحل قبل سنوات.
لكن الإيصال كان عليه اسم شخص آخر...
والاسم ده كشف إن حكاية ياسين وأمه فيها سر أكبر لسه محدش عرفه القاضي مسك الإيصال وقرّبه من عينه.
الاسم ده مين؟
موظف المحل رد
مش عارف يا سيدي، بس أنا فاكر إن الست دي كانت بتيجي تشتري علاج ومستلزمات من عندنا من سنين.
القاضي بص للورقة.
الاسم المكتوب كان حسن عبدالسلام.
ياسين عقد حواجبه.
أنا معرفش حد اسمه حسن.
أبوه رفع عينه فجأة.
حسن؟
القاضي لاحظ تغير ملامحه.
إنت تعرفه؟
الرجل اتردد.
أيوه.
ياسين بص له بسرعة.
تعرفه إزاي؟
أبوه قال
ده كان صاحب الشغل اللي كنت بشتغل عنده زمان.
القاضي سأله
وإيه علاقته بأم ياسين؟
الرجل سكت.
ثم قال
مش عارف.
لكن القاضي كان واضح إنه مش مقتنع.
إنت متأكد؟
أيوه يا سيدي.
موظف المحل تدخل
بس الاسم ده كان بيتكرر في الإيصالات.
القاضي سأله
يعني إيه؟
يعني كل مرة كانت تيجي فيها الست، كانت الفلوس بتتدفع باسم حسن عبدالسلام.
ياسين بص لأبوه
يعني كان حد بيدفع لماما؟
أبوه لم يرد.
القاضي قال
ومحدش قالك الكلام ده؟
لأ.
القاضي وضع الإيصال أمامه.
يبقى عندنا حاجة لازم نعرفها.
ثم طلب من الكاتب تسجيل اسم حسن عبدالسلام ضمن الأشخاص المطلوب الاستفسار عنهم.
في اللحظة دي، موبايل أحد رجال الشرطة رن.
رد عليه، وسكت ثواني.
ثم اقترب من القاضي.
سيادة القاضي... وصلنا لمعلومة عن حسن عبدالسلام.
القاضي قال
فين؟
الشرطي بص لياسين، ثم قال
توفى من حوالي ست سنين.
القاعة سكتت.
القاضي سأل
وعنده أولاد؟
أيوه. بنت اسمها مريم.
القاضي
عنوانها؟
الشرطي قال العنوان.
وفجأة، ياسين شهق.
أنا أعرف المكان ده!
الجميع بص له.
القاضي سأله
إزاي؟
ده المكان اللي أمي كانت بتروح له كل شهر.
أبوه اتجمد.
إنت متأكد؟
أيوه.
القاضي قال
وكانت بتقولك بتروح ليه؟
ياسين هز رأسه
كانت بتقول إنها بتروح عند واحدة صاحبتها.
القاضي سكت.
ثم قال
واضح إننا لازم نسمع الست دي.
وبعد ساعات، وصلت مريم إلى المحكمة.
دخلت القاعة وهي متوترة، وبمجرد ما شافت ياسين، وقفت مكانها.
القاضي سألها
إنتِ مريم حسن عبدالسلام؟
أيوه.
تعرفي ياسين؟
مريم بصت للولد.
ثم قالت
أعرفه.
ياسين اتقدم خطوة
إنتِ كنتِ بتعرفي أمي؟
مريم سكتت.
القاضي قال
جاوبي.
أيوه.
ووالدك كان بيساعدها؟
مريم خفضت عينيها.
أيوه.
أبو ياسين قال بدهشة
ليه؟
مريم ردت
لأن والدك زمان ساعده في وقت كان محتاج فيه شغل.
ثم نظرت إلى ياسين.
وأبويا كان بيعتبر إن ده دين في رقبته.
القاضي سأل
طب ليه المساعدة استمرت كل السنين دي؟
مريم بدأت تتردد.
لأن والدتك...
وسكتت.
القاضي قال
كملي.
مريم قالت
لأن والدتك كانت بتطلب منه ما يقولش لحد.
ياسين قال
ليه؟
مريم نظرت إليه طويلًا.
لأنها كانت خايفة إن أبوك يعرف إنها محتاجة.
الولد بص لأبوه.
الرجل قال
أنا كنت أتمنى أعرف.
مريم قالت
وهي كانت بتقول إنك لو عرفت، هترجع تاخد ابنك منها.
الأب هز رأسه بحزن
ما كنتش هعمل كده.
القاضي قال
دلوقتي بقى عندنا روايتين مختلفتين، وكل واحدة محتاجة دليل.
ثم نظر إلى ياسين.
وإنت أهم شخص هنا، لأن الموضوع كله متعلق بحياتك.
الولد قال
أنا بس عايز أعرف الحقيقة.
القاضي رد
وهتعرفها.
ثم طلب من الشرطة التحقق من كل المستندات القديمة، ومن سجلات النفقة والعلاج، وأي تحويلات مالية تمت باسم والدة ياسين.
وقبل ما تنتهي الجلسة، القاضي بص إلى موظف المحل وقال
وإنت؟
الرجل وقف.
نعم يا سيدي؟
ليه كنت قاسي عليه بالشكل ده؟
الرجل اتنهد.
عشان حصلتلي مشاكل قبل كده مع ناس كانت بتسرق من المحل.
القاضي قال
وده يفسر خوفك، لكنه ما يبررش إنك تحكم على طفل من أول لحظة.
الرجل هز رأسه.
ثم بص لياسين وقال
أنا آسف.
ياسين ما ردش.
كان كل تفكيره في سؤال واحد
ليه أمه أخفت عنه حقيقة أبوه لمدة خمستاشر سنة؟
لكن في اليوم التالي...
وصل للقاضي ظرف جديد.
والظرف كان جاي من المستشفى اللي كانت والدة ياسين بتتعالج فيها.
وكان جواه تقرير قديم...
كشف إن أم ياسين كانت تعرف من سنين إن زوجها لم يتخلَّ عنها كما كانت تحكي لابنها.
والأخطر من كده...
إن التقرير كان عليه توقيعها هي بنفسها القاضي بص للورقة مرة تانية، وبعدين سأل الكاتب
التحويل ده اتعمل إمتى بالظبط؟
الكاتب قال
قبل القبض على ياسين بثلاثة أيام.
وقيمته؟
الكاتب ذكر المبلغ.
القاضي رفع عينه ناحية سعاد.
المبلغ ده وصلك؟
سعاد اتوترت.
أيوه.
ياسين بص لها باستغراب
ماما... إنتِ كان معاكي فلوس؟
سعاد بدأت تبكي.
كان معايا جزء منها.
القاضي سأل
مين بعتها؟
سعاد سكتت.
الأب قال
أنا.
القاضي بص له.
إنت؟
أيوه يا سيدي. بعد ما عرفت عنوانهم، حاولت أساعدهم من غير ما أفرض نفسي عليهم. بعت الفلوس عن طريق حساب وسيط، وكنت ناوي أجي بعدها وأتكلم معاها.
سعاد قالت
أنا ما كنتش عايزة أقبلها.
القاضي
لكنك قبلتيها.
أيوه.
وصرفتيها في إيه؟
سعاد مسحت دموعها.
علاج.
القاضي استغرب
كل المبلغ؟
أغلبه.
والباقي؟
سعاد سكتت.
ياسين بص لها
ماما؟
سعاد قالت
كنت خايفة العلاج يخلص تاني.
القاضي فهم.
يعني خبّيتي جزء من الفلوس للطوارئ؟
هزت رأسها.
أيوه.
القاضي قال
طب ليه ياسين اضطر يسرق العيش؟
سعاد انفجرت في البكاء.
لأن الفلوس كانت متحجزة في البنك!
الجميع اتصدم.
القاضي
متحجزة ليه؟
سعاد قالت
لأن الحساب اتوقف مؤقتًا بسبب مشكلة في البيانات، وأنا كنت بحاول أحلها.
ياسين قال
يعني كان عندنا فلوس... ومفيش فلوس في إيدنا؟
أيوه يا ابني.
القاضي سكت لحظة، ثم قال
طيب ليه ما طلبتيش مساعدة من حد؟
سعاد ردت
كنت محرجة.
القاضي قال بهدوء
الإحراج ساعات بيكون أخطر من الفقر.
ثم نظر إلى ياسين.
وإنت كنت فاكر إنك مضطر تواجه الدنيا لوحدك.
الولد هز رأسه.
القاضي قال
وده درس لازم كل اللي في القاعة يتعلمه.
ثم التفت إلى موظف المحل.
لو الولد كان طلب منك أكل، كان ممكن ترفض.
الرجل هز رأسه.
لكن كان ممكن ترفض من غير إهانة.
الرجل خفض رأسه.
عندك حق يا سيدي.
ثم التفت القاضي إلى الأب
وإنت، وجودك من النهارده مش معناه إنك تدخل حياة ابنك فجأة وتطلب منه ينسى خمستاشر سنة.
الأب قال
فاهم.
لازم تبني الثقة معاه خطوة خطوة.
حاضر.
ثم نظر إلى سعاد
وإنتِ كمان، ما ينفعش تحملي كل حاجة لوحدك وتخبيها عن ابنك.
سعاد هزت رأسها.
القاضي جمع الأوراق أمامه، وقال
القضية دي بدأت بسرقة سلة عيش وحتة جبنة.
ثم رفع عينه للقاعة.
لكن لو كل واحد فينا بص في السبب قبل ما يحكم على الإنسان، يمكن نكتشف إن بعض الجرائم الصغيرة وراها مشاكل أكبر بكتير.
سكت لحظة.
ثم قال
وياسين لازم يعرف إن اللي حصل النهارده مش تصريح له بالسرقة، لكنه فرصة يبدأ من جديد.
الولد وقف مستقيم لأول مرة من بداية الجلسة.
وقال
هحاول يا سيدي.
القاضي ابتسم
مش
متابعة القراءة