الولد سرق حكايات زيزي
كده بسألك.
ياسين مسك الصورة بقوة.
أنا عايز أعرف.
سعاد قعدت على الكرسي، وحطت إيدها على صدرها.
يوم ما أبوك رجع، كان معاه فلوس تكفي إننا نبدأ حياة جديدة.
الأب قال
أيوه.
لكن في نفس اليوم...
سكتت.
ياسين قرب منها.
إيه؟
سعاد رفعت عينيها وقالت
وصلني خبر إن أبوك كان عليه دين كبير جدًا، وإن الناس اللي كان مديون لهم ممكن ياخدوا كل حاجة.
الأب هز رأسه
وده كان صحيح، بس أنا كنت هحل الموضوع.
سعاد قالت
أنا ما كنتش عارفة.
كان لازم تسأليني.
كنت خايفة.
ياسين قال
وإيه علاقة ده بيا؟
سعاد مسحت دموعها.
كل العلاقة.
الأب اقترب منها.
قولي له.
سعاد أخذت نفسًا عميقًا.
يومها... كان فيه شخص جه لحد البيت.
ياسين سأل
مين؟
سعاد قالت
رجل اسمه حسن عبدالسلام.
ياسين اتجمد.
حسن؟
أيوه.
بس إنتِ قولتي إن أبويا هو اللي كان بعيد!
سعاد هزت رأسها.
حسن كان صاحب أبوك في الشغل، وكان يعرف كل أسراره المالية.
الأب قال
وهو اللي ساعدني أخرج من الديون وقتها.
سعاد بصت لياسين.
لكن في المقابل طلب مني حاجة.
ياسين سأل
طلب منك إيه؟
سعاد فتحت بوقها...
لكنها لم تستطع الكلام.
الأب قال
إيه اللي طلبه منك يا سعاد؟
سعاد قامت فجأة، واتجهت ناحية دولاب قديم.
فتحت درجًا مقفولًا بمفتاح صغير.
وأخرجت ورقة صفراء قديمة.
ثم رجعت.
مدتها لياسين.
دي الحاجة اللي خبيتها خمستاشر سنة.
ياسين فتح الورقة.
قرأ أول سطر...
وتجمد مكانه.
لأن الورقة لم تكن رسالة من حسن...
ولا من والده...
كانت إقرارًا رسميًا وقّعته سعاد في نفس اليوم الذي اختفى فيه أبوه من حياتهم.
وتحت التوقيع كان فيه شرط واحد فقط.
شرط لو ظهر للناس وقتها...
كان ممكن يغيّر حياة ياسين بالكامل الرجل وقف عند باب القاعة، والصندوق الخشبي الصغير في إيده.
كل العيون اتوجهت ناحيته.
القاضي قال
اسمك؟
سامح عبدالسلام.
أخو حسن؟
أيوه.
القاضي أشار له يقرب.
سامح مشي لحد قدام المكتب، وحط الصندوق عليه.
ثم قال
أنا جيت عشان أدي ياسين حاجة أخويا كان سايبها.
ياسين قرب خطوة.
ليا أنا؟
سامح هز رأسه.
أيوه.
الأب سأله
حسن كان يعرف إنك هتيجي هنا؟
سامح قال
قبل ما يموت بأيام، سلّمني الصندوق ده.
القاضي سأله
وليه ما سلمتوش للشرطة وقتها؟
سامح تنهد.
لأن حسن طلب مني ما أفتحهش، وما أسلموش غير لما ياسين يبقى كبير كفاية يعرف الحقيقة.
القاضي قال
وإنت شايف إنه دلوقتي كبير كفاية؟
أيوه.
القاضي بص لياسين.
القرار في النهاية ليك، لكن الأفضل إن الصندوق يتفتح هنا.
سامح أومأ.
القاضي فتح القفل بنفسه.
جواه كان فيه ظرف قديم، وصورة، ودفتر صغير.
ياسين مد إيده للصورة.
كانت صورة له وهو طفل، واقف قدام مدرسة.
على ظهرها مكتوب
ياسين، لو يومًا عرفت الحقيقة، افتكر إنك ما كنتش السبب.
الولد بدأ يبكي.
هو كان بيشوفني؟
سامح قال
أيوه.
الأب اتصدم.
يعني حسن كان بيراقبه؟
سامح رد
مش بالمعنى اللي إنت فاكره. كان بيتابع أخباره من بعيد عشان يطمن عليه.
الأب قال بغضب
وكان سايبني فاكر إن ابني بعيد عني؟
سامح خفض رأسه.
حسن كان غلطان.
ثم نظر إلى سعاد.
وإنتِ كمان.
سعاد بدأت تبكي.
القاضي قال
افتح الدفتر.
ياسين فتحه.
كان عبارة عن حسابات قديمة.
كل شهر فيه مبلغ للعلاج، ومبلغ للأكل، وملاحظات قصيرة عن حالة سعاد وياسين.
وفي آخر صفحة، كان مكتوب
أنا عارف إن اللي بعمله مش هيصلح الغلط، لكنه أقل حاجة أقدر أعملها بعد ما حرمت أبوه منه.
الأب وقف مشدوهًا.
حرمني أنا؟
سامح قال
حسن كان مقتنع إنه السبب في الخلاف اللي حصل بينكم.
القاضي سأله
ليه؟
سامح رد
لأنه كان اللي عرف سعاد إنك كنت داخل في ديون.
الأب قال
وأنا كنت بحاول أحلها!
عارف.
طب ليه تدخل؟
سامح قال
لأنه كان فاكر إنه بينقذكم.
القاضي قال
لكن تدخله أدى إلى إخفاء الحقيقة عن طفل لمدة خمستاشر سنة.
سامح أومأ.
وأنا جيت النهارده عشان ما يفضلش الغلط مستمر.
ياسين سأل
يعني إنت ليه جبت الصندوق دلوقتي؟
سامح قال
لأن حسن كتب في آخر صفحة إنه لو حصل له حاجة، الصندوق لازم يوصل لك لما تتم خمستاشر سنة.
الولد سأل
وليه السن ده بالذات؟
سامح ابتسم بحزن.
لأنه قال في السن ده لازم يعرف إنه مسؤول عن اختياراته، لكن كمان لازم يعرف إن اختيارات الكبار مش ذنبه.
القاضي سكت.
ثم قال
ودي أهم جملة في القضية كلها.
ياسين بص للدفتر.
وبعدين بص لأبوه.
بابا...
الرجل قرب منه.
نعم؟
ممكن تيجي معانا البيت؟
الأب اتجمد.
لو أمك موافقة.
ياسين بص لأمه.
سعاد مسحت دموعها وقالت
البيت بيتك.
الأب ما قدرش يمنع دموعه.
وفي اللحظة دي، القاضي قفل الملف.
خلاص.
الكاتب سأله
نقفل القضية يا سيادة القاضي؟
القاضي بص إلى ياسين.
ثم قال
القضية القانونية قربت تخلص.
وسكت لحظة.
لكن القضية الحقيقية... لسه بتبدأ.
ياسين استغرب.
القاضي أضاف
من النهارده، إنت مش طفل سرق عيش.
أمال أنا إيه؟
القاضي ابتسم
إنت ولد أخطأ، واعترف، واتعلم، وهيبدأ يصلح حياته.
ثم أعطاه الصندوق.
خليه معاك.
ياسين أخده.
وهو خارج من المحكمة، كان ماسك الصندوق بإيد، وإيد أمه في إيد، وأبوه ماشي جنبهم.
لكن قبل ما يركبوا، فتح ياسين الدفتر مرة أخيرة.
وجد في آخر صفحة سطرًا صغيرًا لم يلاحظه أحد.
قرأه بصوت مرتعش
لو وصلت الورقة دي لياسين، يبقى في حاجة لازم يعرفها عن اللي حصل يوم اتقبض عليه...
وتحت السطر كان فيه عنوان مكان...
وموعد محدد.
ياسين رفع عينه لأبوه.
بابا...
إيه؟
لازم نروح المكان ده.
الأب بص للورقة.
وبمجرد ما قرأ العنوان، تغيرت ملامحه.
لأنه عرف المكان فورًا...
المكان اللي اختفى فيه من حياة ابنه خمستاشر سنة وصل ياسين مع أمه وأبوه للمكان المكتوب في الدفتر.
كان مخزنًا قديمًا، مقفولًا من سنين.
الأب وقف قدام الباب، وفضل ساكت.
ياسين سأله
إنت تعرف المكان ده؟
قال أبوه
أيوه... هنا كنت بشتغل قبل ما حياتنا تتغير.
دخلوا، ووجدوا صندوقًا حديديًا صغيرًا مخبأً خلف أحد الرفوف.
فتح الأب الصندوق، فوجد مستندات قديمة تثبت أن حسن كان قد أخفى عنهم حقيقة مهمة الديون التي أخبر بها سعاد كانت قد سُددت بالفعل منذ سنوات، وأنه كان يستطيع إبلاغ الأب بمكان ابنه، لكنه اختار أن يظل بعيدًا خوفًا من أن تتجدد الخلافات.
سعاد قرأت الأوراق، وانهارت بالبكاء.
يعني كل السنين دي... إحنا كنا ممكن نكون مع بعض؟
الأب رد بحزن
أيوه... بس اللي حصل حصل.
ياسين وقف بينهم وقال
المهم إننا عرفنا الحقيقة.
ثم بص لأمه
بس أوعديني بحاجة.
إيه يا ابني؟
بعد كده، مفيش أسرار.
سعاد حضنته وقالت
أوعدك.
والأب قرب منهم.
لأول مرة منذ خمستاشر سنة، وقف الثلاثة جنب بعض من غير خوف ولا كذب.
أما ياسين، ففضل يشتغل في غسل العربيات بعد المدرسة، لكن حياته بدأت تتغير.
أبوه ساعده يرجع للدراسة بانتظام، ومامته بدأت تتلقى علاجها بشكل منتظم، وموظف المحل بقى كل فترة يسأل عليه.
وبعد شهور، رجع ياسين للمحكمة.
القاضي عرفه فورًا.
إيه اللي جابك؟
ياسين ابتسم وقال
جيت أقولك إنك كنت عندك حق.
القاضي ابتسم
في إيه؟
لما قلتلي إن طلب المساعدة مش عيب.
ثم أخرج من جيبه رغيف عيش صغير.
القاضي ضحك
إيه ده؟
ياسين قال
أول مرتب خدته من شغلي الجديد.
وإنت جايبلي رغيف؟
أيوه... عشان أفتكر اليوم اللي دخلت فيه المحكمة وأنا فاكر إن العيش هو المشكلة.
سكت لحظة، ثم قال
لكن اكتشفت إن المشكلة الحقيقية كانت إننا كلنا محتاجين حد يسمعنا.
القاضي ابتسم وقال
حافظ على الدرس ده طول عمرك.
خرج ياسين من المحكمة، وكان أبوه مستنيه بره، وأمه قاعدة في العربية.
ركب جنبهم، وحط الرغيف في شنطته.
ومن يومها، كل ما كان يشوف طفل محتاج، ما كانش يديه فلوس وخلاص.
كان يسأله الأول
محتاج إيه؟
لأنه اتعلم إن أحيانًا الإنسان مش محتاج صدقة...
محتاج بس حد يسمعه قبل ما يضطر يعمل حاجة يندم عليها.
أما القاضي، ففضل فاكر القضية دي سنين طويلة.
مش لأنها كانت أكبر قضية حكم فيها...
لكن لأنها علمته هو كمان درسًا
قبل ما تحكم على فعل الإنسان، اسمع حكايته.
فالخطأ يستحق التصحيح، لكن الإنسان يستحق فرصة يصلّح نفسه.
وهكذا انتهت حكاية الولد اللي سرق سلة عيش وحتة جبنة...
لكنها بدأت حكاية جديدة لولد دخل المحكمة خائفًا...
وخرج منها وهو عارف إن مستقبله لسه في إيده.