الولد سرق حكايات زيزي

لمحة نيوز

هتحاول.
ياسين استغرب.
القاضي قال
هتعمل.
الولد ابتسم وسط دموعه.
حاضر.
وبينما الأسرة خارجة من المحكمة، حصل شيء غريب.
موظف المحل لحق بياسين عند الباب.
وقال له
استنى.
الولد وقف.
الرجل مد إيده له.
وفي إيده كيس صغير.
ياسين بص للكيس.
ده إيه؟
الرجل قال
عيش وجبنة.
ياسين اتردد.
لأ، مش عايز أسرق.
الرجل ابتسم لأول مرة.
مش سرقة. أنا اللي بديهملك.
ثم أضاف
واعتبرها أول مرة تطلب فيها المساعدة بدل ما تخاف منها.
ياسين أخد الكيس، وعينيه لمعت.
أما القاضي، فكان واقف من بعيد بيراقب المشهد.
ولما شاف الولد خارج من المحكمة ماسك إيد أمه، وأبوه ماشي جنبهم...
ابتسم.
لأن الولد دخل المحكمة متهمًا بسرقة رغيف...
وخرج منها وهو فاهم إن أغلى حاجة ممكن الإنسان يمتلكها مش الفلوس...
إنه يلاقي حد يسمعه قبل ما يضطر يصرخ القاضي فضل ماسك التقرير وقت طويل.
وبعدين قال للكاتب
اتأكدلي من مصدر الورقة دي، ومين سلّمها للمحكمة.
الكاتب رد
جت بخطاب رسمي من المستشفى، يا سيدي.
القاضي بص للتوقيع.
كان فعلًا توقيع سعاد، والدة ياسين.
لكن التقرير نفسه ما كانش فيه أي دليل على خيانة أو علاقة غير شرعية، إنما كان فيه معلومة أخطر بالنسبة للقصة كلها
سعاد كانت قد وقعت على إقرار باستلام مبلغ مالي كبير لتغطية علاجها وعلاج ابنها، والمبلغ كان مقدمًا من حسن عبدالسلام.
القاضي قال
يعني حسن كان بيساعدها بشكل رسمي؟
الكاتب
أيوه.
القاضي قلب الصفحة.
وكان فيه سطر مكتوب بخط اليد
المساعدة دي هتفضل سر بينا، حفاظًا على كرامة الأسرة.
ياسين كان واقف جنب الباب، وسمع الجملة.
قال
يعني ماما كانت بتاخد مساعدة طول السنين؟
القاضي بص له
الظاهر كده.
طب ليه قالتلي إن محدش بيساعدنا؟
القاضي ما ردش.
لأن الإجابة دي لازم يسمعها من أمه.
وفي نفس اللحظة، دخلت سعاد قاعة المحكمة.
كانت باينة عليها علامات التعب، ومسنودة على واحدة من قريباتها.
أول ما شافت ياسين، عينيها امتلأت دموع.
الولد جري عليها.
ماما!
حضنها بقوة.
لكن بعدها، بص في عينيها وقال
هو بابا كان عايز يرجع؟
سعاد سكتت.
ياسين كرر
ماما... جاوبيني.
سعاد بصت ناحية القاضي.
القاضي قال بهدوء
دي لحظة لازم تقولي فيها الحقيقة لابنك.
سعاد بدأت تبكي.
أيوه.
ياسين اتصدم.
يعني بابا كان عايز يرجع؟
أيوه يا ابني.
وإنتِ منعتيه؟
سعاد غطت وشها بإيديها.
أنا غلطت.
القاعة سكتت.
الأب كان واقف بعيد، وما حاولش يقاطع.
ياسين قال
ليه؟
سعاد قالت
كنت خايفة.
من إيه؟
كنت خايفة أرجع أعيش معاه وأكون عبء عليه، وخفت إنك تكبر وتختار تروح معاه وتسيبني.
ياسين قال
بس أنا كنت محتاجه!
سعاد انهارت في البكاء.
عارفة.
كنت محتاج أبويا.
عارفة يا ياسين.
وكنت محتاج أكل.
سعاد بصت للأرض.
عارفة.
طب ليه ما طلبتيش مساعدته؟
سعاد قالت بصوت ضعيف
الكبرياء... والخوف... خلوني أعمل أسوأ حاجة ممكن أعملها.
القاضي قال
إخفاء الحقيقة عن طفل مش حل للمشكلة.
سعاد هزت رأسها.
عارفة يا سيدي.
ياسين سأل
والفلوس اللي كان بيبعتها؟
سعاد سكتت.
الأب بص للقاضي.
القاضي سألها
كانت بتوصلك؟
سعاد ردت
بعضها.
والباقي؟
سعاد لم تجب.
القاضي أعاد السؤال.
وبعد لحظات قالت
كنت برفضها.
الأب قال بدهشة
بس أنا كنت ببعت كل شهر!
سعاد قالت
كنت بخاف أقبلها، عشان ما أحسش إني محتاجة له.
ياسين بص لأمه.
يعني إحنا جعنا... عشان إنتِ كنتِ خايفة تطلبي؟
سعاد ما قدرتش ترد.
القاضي أغلق الملف.
ثم نظر إلى ياسين وقال
أحيانًا الكبار بياخدوا قرارات وهم فاكرين إنهم بيحموا أولادهم، لكن من غير ما يقصدوا بيحطوهم في مشاكل أكبر.
ثم التفت إلى الأب
وإنت كمان عليك مسؤولية. حتى لو اتمنعت من التواصل، كان لازم تحاول بشكل قانوني أكتر.
الرجل هز رأسه
معاك حق.
القاضي قال
أما قضية السرقة، فدي لها حساب منفصل.
ياسين خاف.
القاضي لاحظ خوفه وقال
متخافش. أنا مش هنسى إنك غلطت، لكن مش هنسى برضه سنك وظروفك.
ثم طلب من الموظف الاقتراب.
وقال له
هل الرف اللي اتكسر اتصلح؟
أيوه يا سيدي.
والخسارة كانت كام؟
الرجل ذكر المبلغ.
القاضي بص لياسين.
ثم قال
عندك استعداد تصلح غلطك؟
الولد هز رأسه.
أيوه.
القاضي قال
مش هتدفع المبلغ من جيبك، لأنك ما تقدرش. لكن هتتعلم إن كل تصرف له نتيجة.
ثم أصدر قرارًا بتسوية الأمر بطريقة تحفظ للولد مستقبله، مع إلزامه ببرنامج خدمة مجتمعية مناسب لسنه، ومتابعة اجتماعية وتعليمية.
ياسين رفع عينه للقاضي.
يعني مش هتحبسني؟
القاضي ابتسم ابتسامة بسيطة
أنا مش هدفي أحبسك.
ثم أضاف
هدفي إنك تخرج من هنا شخص فاهم الفرق بين الغلط والاستسلام للغلط.
الولد دموعه نزلت.
وقبل ما يغادر، وقف قدام القاضي وقال
ممكن أسألك سؤال؟
اتفضل.
ليه عملت كل ده عشاني؟
القاضي سكت لحظة، وبعدين قال
عشان أنا شفت فيك ولد غلط مرة... وكان ممكن المجتمع يحكم عليه طول عمره بسبب الغلطة دي.
ثم أشار ناحية باب المحكمة.
وأنا عايزك تخرج من الباب ده فاكر درس واحد...
ياسين قال
إيه؟
القاضي رد
لو احتجت، اطلب المساعدة. ولو غلطت، اعترف. لكن أوعى تفتكر إن الفقر أو اليأس معناه إنك لوحدك.
ياسين هز رأسه.
ومسك إيد أمه بإيد...
ولأول مرة في حياته، وقف والده على الناحية التانية.
لكن قبل ما يخرجوا من المحكمة، نادى الكاتب القاضي بسرعة
يا سيادة القاضي... فيه حاجة أخيرة ظهرت في ملف التحويلات.
القاضي رجع لمكتبه.
فتح الورقة.
وبص للرقم.
ثم رفع عينه ناحية سعاد.
لأن فيه تحويل مالي كبير جدًا باسمها...
تم قبل أيام قليلة من القبض على ياسين.
وساعتها فهم القاضي إن قصة سلة العيش والجبنة...
لسه وراها فصل أخير محدش كان متوقعه ياسين فضل ماسك الورقة، وعينه بتتحرك بين السطور.
ماما... يعني إيه الكلام ده؟
سعاد ما ردتش.
أبوه خطف الورقة من إيده وبدأ يقرأ.
كل ما كان بيقرأ، ملامحه كانت بتتغير.
إنتِ وقّعتي على ده؟
سعاد قالت بصوت ضعيف
أيوه.
ليه؟
كنت خايفة.
من مين؟
سعاد بصت للأرض.
من حسن.
الأب قال بغضب
حسن مات من ست سنين! لكن إنتِ خبيتي الورقة خمستاشر سنة!
سعاد انفجرت في البكاء
كنت فاكرة إن لو الحقيقة ظهرت، ياسين هيتبهدل أكتر.
ياسين قرب منها
أنا أصلًا اتبهدلت يا ماما.
الكلمة وقعت عليها كأنها صفعة.
سعاد غطت وشها بإيديها.
أما الأب، ففضل واقف مش قادر يستوعب.
الشرط ده معناه إنك وافقتي إني أبعد عن ابني؟
سعاد هزت رأسها.
أيوه.
مقابل إيه؟
سعاد سكتت.
الأب صرخ
مقابل إيه يا سعاد؟
قالت أخيرًا
مقابل إن حسن يسدد ديونك... ويسيبك إنت وياسين في أمان.
الأب اتجمد.
ديوني؟
أيوه.
أنا ما كنتش مديون لحسن أصلًا.
سعاد رفعت عينيها.
حسن كان بيقول إنك كنت هتدخل السجن.
الأب قال
كان بيكدب عليك!
ياسين بص لأبوه.
يعني إنت ما كنتش هتدخل السجن؟
لأ يا ابني.
وماما صدقته؟
الأب سكت.
ثم قال
واضح إن حسن كان مستغل خوفي وقتها... وخوف أمك كمان.
ياسين رجع يبص للورقة.
طب الشرط كان إيه؟
سعاد حاولت تاخد الورقة.
لكن ياسين شدها.
لأ يا ماما. المرة دي أنا هقرأ.
قرأ بصوت مرتعش
تتعهد السيدة سعاد بعدم إخبار الطفل ياسين بحقيقة والده، وعدم السماح للوالد باستعادة التواصل معه، مقابل...
سكت.
رفع عينه لأمه.
مقابل إيه؟
سعاد قالت
كمّل.
ياسين أكمل القراءة
...مقابل سداد جميع المصروفات الخاصة بعلاج الطفل ووالدته.
سكت الجميع.
ثم قال ياسين
يعني حسن كان بيدفع علاجنا عشان بابا ما يرجعش؟
سعاد قالت
أيوه.
الأب ضرب إيده على جبينه.
يا نهار أبيض...
ياسين سأله
طب ليه وافقت؟
الأب رد
لأنها كانت فاكرة إنها بتحميك.
سعاد قالت
كنت خايفة أخسرك.
ياسين بص لها.
بس أنا خسرتك وإنتِ معايا.
سعاد انهارت في البكاء.
في اليوم التالي، رجعوا للمحكمة.
القاضي كان منتظرهم.
قرأ الورقة بهدوء، ثم سأل سعاد
هل ده توقيعك؟
أيوه.
وهل حسن أجبرك عليه؟
سعاد سكتت.
القاضي كرر
عايز الحقيقة.
قالت
ما ضربنيش... لكنه خوّفني.
القاضي
خوّفك بإيه؟
قال لي إن لو أبو ياسين رجع، الناس اللي بيطالبوه بالفلوس هتأذينا.
القاضي بص للأب.
هل كان عندك فعلًا مشاكل مالية وقتها؟
أيوه، لكن مش بالشكل اللي قاله لها.
القاضي رجع للورقة.
ثم قال
الورقة دي تفسر حاجات كتير، لكنها لا تثبت كل شيء وحدها.
وسأل الكاتب
هل فيه أي مستندات تانية مرتبطة بحسن؟
الكاتب بدأ يقلب في الملف.
وفجأة توقف.
يا سيادة القاضي...
إيه؟
فيه إيصالات تحويلات شهرية باسم مؤسسة مملوكة لحسن.
القاضي قال
من إمتى؟
الكاتب بدأ يقرأ التواريخ.
ثم رفع عينه بدهشة.
من أول شهر بعد توقيع الورقة... لحد قبل وفاته بشهر.
ياسين قال
يعني كان بيدفع علاجنا كل السنين دي؟
الكاتب
الظاهر كده.
القاضي قال
طيب مين كان بيوصل الفلوس لسعاد؟
الكاتب قلب صفحة.
فيه اسم واحد متكرر.
القاضي سأله
مين؟
الكاتب قال الاسم.
سعاد أول ما سمعته، وشها اتغير.
الأب لاحظ.
إنتِ تعرفيه؟
سعاد ما ردتش.
القاضي قال بحزم
سعاد، الشخص ده مين؟
سعاد قالت بصوت يكاد لا يُسمع
أخو حسن.
القاضي سأل
وهل كان بيتواصل معاكي؟
أيوه.
وآخر مرة شوفتيه إمتى؟
سعاد سكتت.
ثم قالت
من أسبوع.
ياسين رفع رأسه بسرعة.
من أسبوع؟!
القاضي قال
وإنتِ ما قولتيش؟
سعاد بدأت ترتبك.
لأنه قال لي إنه عايز يقابلني.
القاضي
وقابلك؟
هزت رأسها.
أيوه.
فين؟
سعاد لم تجب.
القاضي كرر
فين؟
قالت
في نفس المكان اللي كان حسن بيقابلني فيه زمان.
القاضي عقد حاجبيه.
وليه رجع يظهر دلوقتي؟
سعاد بصت إلى ياسين.
عشان قالي إن عنده حاجة تخصك.
ياسين اقترب منها.
تخصني أنا؟
سعاد هزت رأسها.
أيوه.
إيه هي؟
سعاد بدأت تبكي.
ما عرفتش.
القاضي قال
يعني إنتِ قابلتيه، ومشيتي من غير ما تعرفي؟
قال لي إنه مش هيديني الحاجة إلا لما ياسين يكون موجود.
القاعة سكتت.
القاضي بص لياسين.
ثم قال
واضح إن الموضوع لسه ما خلصش.
وفي اللحظة دي، دخل أحد رجال الشرطة مسرعًا.
سيادة القاضي... الشخص اللي بتتكلموا عنه وصل.
القاضي رفع عينه.
فين؟
برا القاعة.
وبعد ثواني، انفتح باب المحكمة...
ودخل رجل يشبه حسن عبدالسلام بشكل لافت.
وكان في إيده صندوق خشبي صغير لكن الحكاية ما انتهتش بخروج ياسين من المحكمة.
في نفس الليلة، وهو راجع البيت مع أمه وأبوه، لاحظ إن أمه ساكتة بشكل غريب.
ياسين بص لها وقال
ماما... إنتِ زعلانة؟
سعاد هزت رأسها.
لأ يا حبيبي.
أمال ساكتة ليه؟
ما ردتش.
أما أبوه فكان ماشي جنبهم، وكل شوية يبص لياسين، وكأنه عايز يقول حاجة ومش عارف يبدأ منين.
بعد شوية، وقف الأب وقال
ياسين...
الولد وقف.
نعم؟
الأب اتردد.
أنا عارف إن وجودي دلوقتي مش هيعوض السنين اللي فاتت.
ياسين ما ردش.
وعارف إنك ممكن تكون زعلان مني.
الولد قال
أنا مش عارف أكون زعلان منك ولا مبسوط إنك عايش.
الأب ابتسم بحزن.
ومن حقك.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
ده ليك.
ياسين أخده باستغراب.
إيه ده؟
افتحه لما تكون لوحدك.
سعاد بصت للظرف، وفجأة اتغير لون وشها.
الأب لاحظ.
إنتِ عارفة اللي جواه؟
سعاد ما ردتش.
ياسين بص لأمه.
ماما؟
قالت بصوت مرتعش
افتحه.
فتح ياسين الظرف.
جواه صورة قديمة جدًا.
صورة له وهو رضيع، محمول بين أمه وأبوه.
لكن كان فيه شيء غريب في ظهر الصورة.
مكتوب بخط والدته
اليوم اللي رجعت فيه، كنت فاكرة إن كل شيء هيتصلح... لكن حصل شيء خلاني أغير قراري.
ياسين رفع عينه.
ماما... إيه اللي حصل اليوم ده؟
سعاد سكتت.
أبوه قال
أنا كمان عايز أعرف.
سعاد بدأت تبكي.
مش دلوقتي.
ياسين قال
ليه؟
لأن الحقيقة دي مش سهلة.
الأب رد
كفاية أسرار يا سعاد.
سعاد بصت له.
إنت مش عارف كل حاجة.
عشان
تم نسخ الرابط