حماتي كانت بتقيس
حماتي كانت بتقيس استهلاكنا للكهربا والمية بالمسطرة، وكل ما الفاتورة تزيد جنيه واحد تمسكني من إيدي وتقول لي بقمة البخس والاتهام إنتِ اللي بتضيعي فلوس ابني ومطيرة بركته في الأرض.. كنت بسكت، ببلع الإهانة، وبمسح دموعي وأنا شايفاها بتفتش في أكياس زبالة المطبخ عشان تحسب كل نقطة مية وكل لقمة اترمت. بس اللي حماتي ما كانتش تعرفه، إن العداد اللي كانت بتراقبه ده.. ما كانش العداد الوحيد في البيت، وإن السر اللي مستخبي ورا الجدار كان أكبر بكتير من مجرد فاتورة كهربا!
أنا اسمي ياسمين، متجوزة من ٤ سنين من سامح. من أول يوم دخلت فيه الشقة اللي في العمارة العائلية، وحماتي الحاجة حكمة معتبراني ضيفة غير مرغوب فيها، أو بالأحرى مصاريف زيادة دخلت بيت ابنها.
كانت بتطلعلي الشقة في أي وقت، من غير ما تخبط.. تدخل تتفقد الحنفية بتنقط ولا لأ، تبص على الفيش المسحوبة من الكهربا، وتفتح التلاجة تتأكد إن النور بتاعها مش شغال على الفاضي. كل أول شهر، لما يجي محصل الكهربا، كانت بتاخد الفاتورة من إيده قبل ما أنا أشوفها، وتطلعلي الشقة وهي بتصرخ
٦٠٠ جنيه كهربا يا مفترية؟! بتعملي إيه بالكهربا دي كلها؟ بتشغلي التكييف للحيطان؟ طيرتي شقا ابني اللي بيطلع عينه طول النهار!
سامح جوزي كان دايماً بيقف في النص، مكسور ومهزوم، ويهمسلي
معلش يا ياسمين، أمي كبرت وبتحب الحرص، عديلها عشان خاطري.
وكنت بعدي.. لحد ما جه اليوم اللي المية والكهربا اتقطعوا فيه عن الشقة كلها فجأة، لكن صوت كركبة غريب كان طالع من ورا الدولاب الكبير في أوضة الخزين!
في الليلة دي، سامح كان في مسافري شغاله، وحماتي نزلت شقتها تحت. كنت قاعدة في الضلمة مستنية النور يرجع، لما سمعت صوت زن دافي وطالع من الجدار.. زن زي صوت موتور تلاجة أو جهاز شغال بكامل طاقته!
مشيت ورا الصوت بالراحة، زحزحت الدولاب القديم اللي حماتي أصرت تحطه في الأوضة دي بالذات ومنعتني ألمسه أو أحركه من يوم اتجوزت.
ورا الدولاب ما كانش فيه حيطة مسدودة.. كان فيه باب خشب صغير، معمول في التجويف الخرساني بتاع العمارة، ومقفول بقفل قديم.
ومن تحت الباب.. كان فيه نور أبيض ساطع، وسخونية طالعة تحرق الوش، وصوت عداد كهربا تاني خالص عمال يلف بسرعة جنونية!
إيدي كانت بترعش وأنا بجيب سكينة مطبخ وبحاول أفتح القفل العتيق.. ولما الباب اتفتح، اتجمدت مكاني والدم هرب من وشي.
ما كانش مجرد تجويف.. دي كانت أوضة سرية كاملة، مبنية بين شقتي وشقة حماتي تحت! الأوضة كانت مليانة أجهزة تشفير وتعدين عملات رقمية Crypto Mining Rigs، شاشات عرض، وسيرفرات شغالين ٢٤ ساعة وبيسحبوا كمية كهربا تطير ميزانية مصنع! وكل الكابلات الضخمة دي.. كانت ممتدة ومتوصلة مباشرة بعداد شقتي أنا!
حماتي ما كانتش بتوفر فلوس ابنها.. حماتي كانت بتسرق كهربا شقتي لحسابها الخاص!
بس الصدمة الحقيقية ما كانتش في الأوضة ولا في السيرفرات.. الصدمة كانت لما لقيت ملف أسود محطوط فوق السيرفر، ومكتوب عليه بخط إيد سامح جوزي تحويلات الحسابات الأوفشور الأرباح الشهرية.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم.. وصوت قفل الباب الخارجي للشقة بيتفتح بالراحة.
وقفت في الضلمة، ماسكة الملف في إيدي، وشايفة خيال حماتي وسامح جوزي مع بعض داخلين الشقة، وسامح بيسالها بصوت واطي
تفتكري ياسمين شكّت في حاجة من موضوع الفاتورة؟
ردت حماتي بنبرة ثلجية مرعبة عمري ما سمعتها منها
تشك إيه يا غبي.. دي أهبل من إنها تفهم، وخلال أسبوع بالكتير لما نخلص باقي التحويلات، هترميهالها ورقة طلاقها ونخلص من المولد ده كله!
مسكت تليفوني في الضلمة، صوّرت الأوضة والملف، وفتحت المايك..
لو عاوزين تعرفوا أنا عملت إيه بالملف ده لما واجهتهم، والسر اللي كشفته عن فلوس سامح الحقيقية.. الجزء الثاني كامل
ثبتُّ نفسي بالعافية، وحاولت أخلي نفسي هادي وأنا سامعة صوت المفتاح بيلف في باب الشقة.
سامح دخل الأول، وبعده أمه.
كنت واقفة ورا باب أوضة الخزين، ماسكة الموبايل بإيد، والملف الأسود بالإيد التانية.
سامح قال بصوت واطي
أنا قلتلك نستنى لما ياسمين تنام.
الحاجة حكمة ردت بعصبية
وإنت كنت عايز تستنى لإمتى؟ الكهرباء اتقطعت النهارده، ولو هي سمعت صوت السيرفرات يبقى إحنا اتفضحنا.
سامح سكت لحظة، وبعدين قال
بس الفواتير بقت عالية بشكل مش طبيعي. لو سألت حد هيفهم إن فيه حمل كهربا زيادة.
ضحكت حماتي بسخرية
عشان كده أنا كنت بلومها كل شهر. خلتها تصدق إنها هي السبب.
حسيت بدموعي بتنزل من غير صوت.
كل مرة كانت تمسكني من إيدي وتتهمني إني بضيع فلوس ابنها
كل مرة كنت بدخل أوضتي أعيط لوحدي
كانوا متفقين عليها.
وفجأة سامح قال
طيب والفلوس اللي في الحساب؟
الحاجة حكمة ردت
لسه ناقص تحويل واحد.
وقد إيه؟
تلاتة مليون.
اتسمرت مكاني.
تلاتة مليون؟!
سامح قال
وبعدها؟
ردت بمنتهى الهدوء
بعدها ننقل كل حاجة باسمك، ونقفل الأوضة دي، ونخلي ياسمين تخرج من البيت من غير ما تعرف حاجة.
سامح اتردد.
بس موضوع الطلاق
إيه موضوع الطلاق؟
لو سألت عن سبب الطلاق؟
ضحكت حماتي
هنقول إنها كانت مسرفة، ومش بتحافظ على بيتها، وإنت تعبت منها. الناس هتصدقني أنا ولا هتصدقها؟
حطيت إيدي على بوقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.
لكن في اللحظة دي
الموبايل اللي في إيدي اهتز.
رسالة وصلت.
البطارية 10.
بصيت للشاشة، وبعدها بصيت للباب.
سامح سمع الاهتزاز.
سكت فجأة.
استني سمعتي؟
حماتي قالت
سمعت إيه؟
صوت موبايل.
خطواته بدأت تقرب ناحية أوضة الخزين.
خطوة
واتنين
وتلاتة.
أنا رجعت لورا، لحد ما ضهري لمس الباب السري.
وفجأة
سامح وقف قدام الدولاب.
حسيت إن قلبي هيقف.
قال
ماما الدولاب ده اتحرك.
ردت بسرعة
مستحيل. ياسمين ممنوع تحركه.
سامح مد إيده
ومسك طرف الدولاب.
في اللحظة دي، عرفت إن لو الباب اتفتح، كل اللي صورته هيروح، وأنا كمان ممكن ما ألحقش أخرج.
لكن قبل ما يحرك الدولاب
جاتنفست بصعوبة، وحاولت أثبت إيدي وأنا ماسكة الموبايل.
كان لازم أتصرف بسرعة بس من غير ما يحسوا إني موجودة.
قربت الموبايل أكتر من الملف، وصورت أول صفحة.
وبعدين التانية.
والتالتة
لكن فجأة، الشاشة نورت في إيدي بسبب إشعار وصلني.
سامح يتصل بك.
اتجمدت.
سامح كان واقف بره الأوضة إزاي بيتصل بيا وأنا سامعاه داخل الشقة؟
بصيت ناحية الباب، ولقيت ضل حماتي وسامح بيتحرك على الحيطة.
قفلت صوت الموبايل بسرعة.
وفي اللحظة دي سمعت حماتي بتقول
استنى إنت سمعت حاجة؟
سامح سكت.
ثواني مرعبة عدت.
وبعدين قال
لا مفيش.
حماتي قربت من ناحية الدولاب.
قلبي كان هيقف.
أنا كنت مستخبية وراه، والملف لسه في إيدي.
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من التنفس بصوت عالي.
حماتي مسكت الدولاب وحاولت تزقه.
لكن سامح قال بسرعة
سيبيه دلوقتي يا أمي.
بصتله باستغراب.
ليه؟
رد وهو متوتر
عشان لو ياسمين رجعت من عند أختها، هتسأل إحنا بنعمل إيه هنا.
سكتت شوية، وبعدين قالت
ياسمين مش عند أختها.
سامح اتوتر.
يعني إيه؟
ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت
أنا شوفت عربيتها من شوية تحت.
حسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.
هي كانت عارفة إني رجعت؟
سامح قرب منها وقال بصوت منخفض
طب وإحنا هنعمل إيه؟
ردت
لو شكت يبقى لازم نعرف شكت في إيه.
وبعدين حصلت الحاجة اللي ما كنتش متوقعاها.
حماتي مدت إيدها ناحية الحائط
وضغطت على جزء صغير من الخشب.
سمعت تكة.
وفجأة، السيرفرات كلها فصلت!
الضوء الأبيض اختفى.
والأوضة غرقت