مين هيقبل حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

قبل ما يموت.
ثم جاء صوت خطوات تصعد السلم.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
ووقف شخص أمام باب الغرفة.
ثم قال بهدوء
سلمى... أنا مش جاي أؤذيكي.
أنا جاي أديكي حق جوزك.
راشد قرب من الباب.
لكن أبويا أمسك ذراعه.
وقال
استنى.
لأن صوت الرجل من خلف الباب تغير فجأة.
وقال
وحق جدك كمان راشد أشار لنا نسكت.
خطوات كانت بتطلع السلم ببطء.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم وقفة.
صوت نوال جه من تحت
سلمى، انزلي.
ما رديتش.
راشد قرب من باب الغرفة وبص من فتحة صغيرة.
وبعدين رجع وقال بصوت منخفض
داليا ونوال.
سألته
والشخص التالت؟
هز راسه.
مش شايفه.
محمود قال
يبقى دخل من الباب الخلفي.
المحامي همس
لازم نخرج من هنا.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت المفتاح وهو بيدور في باب الغرفة.
حد كان بيحاول يفتحه من بره.
راشد وقف قدام الباب.
المفتاح لف مرة...
مرتين...
وبعدين وقف.
جاء صوت داليا
افتح يا راشد.
راشد ما ردش.
قالت
إحنا عايزين نتكلم بس.
رد راشد
مين معاكم؟
سكتت.
ثم قالت
افتح وهتعرف.
راشد بصلي.
أنا كنت لسه ماسكة ورقة أبويا.
فجأة لاحظت حاجة في آخر الصفحة.
كان فيه رقم مكتوب بالقلم الرصاص
17
قلت
راشد... بص.
أخد الورقة.
محمود قرب.
ده رقم الخزنة.
راشد قال
خزنة إيه؟
محمود أشار للمكتب.
المكتب ده كان فيه خزنة سرية.
بدأنا نفتش المكتب.
بعد لحظات، لقيت فتحة صغيرة تحت أحد الأدراج.
ضغطت عليها.
صدر صوت طقة.
جزء من الخشب اتحرك.
ورا الخشب كان فيه صندوق حديد صغير.
راشد طلعه.
محمود قال
الرقم 17.
راشد جرّب الرقم.
الخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه ثلاثة أشياء
مفتاح.
فلاشة قديمة.
وصورة.
أخدت الصورة.
كانت صورة لجدي مع رجل ما أعرفوش.
لكن راشد أول ما شاف الرجل...
اتراجع خطوة.
ده فؤاد.
المحامي قال
المحاسب القديم؟
هز راسه.
أيوه.
قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها
قبل أن تبدأ الخيانة.
محمود قرب من الصورة.
دي مش مجرد صورة.
بصيت له.
أمال إيه؟
أشار إلى الخلف.
بصي عند الباب.
كان فيه شخص واقف بعيد في الصورة.
وجهه مش واضح.
لكن على إيده ساعة كبيرة.
راشد قرب الصورة من عينه.
وفجأة قال
الساعة دي...
سألته
إيه؟
أخويا كان بيلبس نفس الساعة.
محمود قال
مش أخوك.
راشد بصله.
متأكد؟
محمود أشار للصورة.
أخوك كان عنده ساعة شبهها، لكن مش دي.
سكت لحظة.
ثم قال
الساعة دي كانت مع شخص تاني.
سألته
مين؟
قبل ما يرد، الباب اتفتح فجأة.
راشد وقف قدامنا.
لكن اللي دخل ما كانتش نوال ولا داليا.
كان أبويا.
وشه كان شاحب، وقميصه متقطع من ناحية كتفه.
أول ما شافني قال
سلمى!
جريت عليه.
بابا! إنت كويس؟
هز راسه.
أنا كويس.
راشد سأله
مين كان معاك؟
أبويا بص ناحية الباب.
مفيش وقت.
قلت
الورقة دي بتقول إن حسام ما ماتش في حادثة.
أبويا قفل عينه.
وبعدين قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
سألته
عارف إيه؟
بصلي.
حسام كان قبل موته بيوم عندي.
اتجمدت.
عندك؟
أيوه.
ليه ما قلتليش؟
دموعه نزلت.
لأنه طلب مني أخبي عنك الحقيقة.
ليه؟
قال
لأنه كان خايف عليكِ.
راشد سأله
كان خايف من مين؟
أبويا بص له.
من أخوك.
راشد اتصدم.
لكن أبويا كمل
أخوك ما كانش لوحده.
محمود قال
قول الاسم يا عبد الرحمن.
أبويا سكت.
ثم رفع عينه.
الشخص اللي كان بيحرك أخو راشد...
وقف لحظة.
كانت نوال.
اتسمرت.
نوال.
مرات أبويا.
راشد بص لمحمود.
ومحمود قال
كنت عارف.
أبويا كمل
لكن نوال ما كانتش العقل المدبر.
سألته
أمال مين؟
أبويا بص للصورة اللي في إيدي.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال
الراجل اللي واقف وراهم.
بصينا كلنا للصورة.
ثم قال
هو لسه عايش.
وفجأة...
جاء صوت من أسفل البيت
عبد الرحمن!
أبويا اتجمد.
وقال بصوت منخفض
وصل.
راشد شد على يده.
مين؟
أبويا رد
والد حسام فضلنا كلنا ساكتين.
راشد كان واقف قدام الباب، وأبويا ماسك ذراعه.
صوت الرجل من الناحية التانية قال
افتح يا عبد الرحمن.
أبويا قرب من الباب، لكن ما فتحش.
أنا مش هفتح.
ضحكة قصيرة جت من بره.
لسه زي ما إنت... بتخاف من المواجهة.
أبويا غمض عينه.
سألته
بابا... إنت تعرفه؟
قال بصوت منخفض
أعرفه من أكتر من عشرين سنة.
راشد سأله
مين؟
أبويا رد
اسمه فريد.
محمود شهق.
فريد نصار؟
راشد بص له.
إنت تعرفه؟
محمود قال
ده كان شريك والدك القديم.
سكت لحظة.
واختفى بعد قضية اختلاس كبيرة.
صوت الرجل من بره جاء هادئًا
أنا ما اختفيتش... أنا اتظلمت.
راشد فتح الباب فجأة.
كان الرجل واقف قدامنا.
رجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض، وملامحه هادية بشكل غريب.
بص لأبويا.
وحشتني يا عبد الرحمن.
أبويا ما ردش.
فريد بصلي.
إنتِ سلمى.
قلت
أيوه.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أخيرًا قابلتك.
راشد وقف بيني وبينه.
ما تقربش منها.
فريد قال
مش جاي أعمل لها حاجة.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه.
جاي أسلّمها ده.
راشد أخده.
لكن فريد قال
لأ.
وأشار لي.
هي تاخده بنفسها.
بصيت لراشد.
هز راسه.
أخدت الظرف.
كان تقيل.
فتحته.
جواه مفتاح صغير وورقة.
قرأت
المفتاح يفتح الخزنة رقم 17 في محطة القطار القديمة.
رفعت عيني.
محطة القطار؟
فريد قال
حسام حط هناك آخر دليل.
راشد سأله
وليه ما أخدتهوش؟
لأن الخزنة مسجلة باسم سلمى.
اتصدمت.
باسمي؟
هز راسه.
حسام فتحها قبل وفاته بأيام، لكنه طلب من موظف المحطة يحتفظ بالمفتاح لحد ما ييجي الشخص المكتوب اسمه في الورقة.
سألته
وإنت عرفت منين؟
فريد رد
مريم.
راشد تجمد.
إنت كنت تعرف مريم؟
كنت آخر شخص قابلته قبل وفاتها.
راشد قرب منه.
إنت اللي قتلتها؟
فريد بص له مباشرة.
لأ.
ثم قال
لكني أعرف مين كان السبب.
راشد سأله
مين؟
فريد بص لأبي.
أبويا نزل عينه.
قلت
بابا؟
أبويا رفع عينه بسرعة.
لا يا سلمى.
فريد قال
عبد الرحمن ما قتلش مريم.
ثم سكت.
لكنه ساعد في إخفاء الحقيقة.
راشد اتعصب.
ليه؟
أبويا قال بصوت مكسور
عشان أحمي بنتي.
صرخت
تحميني من إيه؟
أبويا رد
من نفس الناس اللي قتلوا حسام.
سكت الجميع.
ثم قال
حسام اكتشف إن فيه ناس بيحاولوا ياخدوا الأرض باسم مستندات مزورة.
بصيت لفريد.
وإنت كنت واحد منهم؟
فريد هز رأسه.
كنت شريكًا قديمًا، لكني خرجت من الموضوع قبل سنوات.
ثم بص لراشد.
والدك كان يعرف.
راشد قال
يعرف إيه؟
إن أخوك كان بيزوّر المستندات.
راشد اتجمد.
أخويا مات قبل ما أعرف أي حاجة.
فريد قال
لأنه مات وهو بيحاول يصلح اللي عمله.
محمود قاطع
وده معناه إن فيه شخص تاني كان ماسك الخيوط.
فريد قال
بالضبط.
سألته
مين؟
فريد سكت.
ثم أشار إلى المفتاح في إيدي.
روحي المحطة.
لوحدي؟
لأ.
بص لراشد.
خدي راشد معاكي.
ثم اتجه للباب.
قبل ما يخرج، وقف وقال
بس خدي بالك يا سلمى...
لف ناحيتي.
الشخص اللي هتلاقي اسمه في الخزنة مش شخص غريب.
ثم خرج.
راشد فضل واقف مكانه.
بصيت له.
نروح؟
هز راسه.
نروح.
بعد حوالي ساعة، وصلنا لمحطة القطار القديمة.
المكان كان شبه مهجور.
دخلنا مبنى المحطة.
الموظف العجوز بص للمفتاح.
وبمجرد ما شافه، قال
كنت مستني اليوم ده من خمس سنين.
قلبي دق.
إنت كنت تعرف حسام؟
قال
أيوه.
أخذ المفتاح.
ومشينا وراه لآخر ممر.
وقف قدام خزنة معدنية قديمة.
كان عليها رقم
17
دخل المفتاح.
لفه.
الخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه صندوق صغير.
راشد فتحه.
لقينا جواه...
صورة.
وتسجيل.
ومظروف مختوم.
أخدت الصورة أولًا.
كانت صورة حسام واقف جنب شخص آخر.
راشد قرب منها.
وفجأة اتغير لون وشه.
لأ...
بصيت للصورة.
مين ده؟
راشد ما ردش.
قلت
راشد، مين؟
رفع عينه لي.
وقال بصوت منخفض
ده أبويا.
ثم أشار إلى الشخص الواقف بجانبه.
وده...
وسكت.
لأن الشخص الثاني في الصورة كان والد حسام فضلت باصة للصورة وأنا مش مستوعبة.
حسام واقف جنب والد راشد ووالد حسام.
والتلاتة واقفين قدام مخزن قديم.
راشد قلب الصورة، وكان مكتوب وراها
الحقيقة بدأت هنا... وهنا لازم تنتهي.
فتحنا التسجيل.
جاء صوت حسام
لو التسجيل ده وصل لسلمى، يبقى أنا ما قدرتش أقول لها الحقيقة بنفسي.
سكت لحظة، ثم قال
أبويا ووالد راشد كانوا شركاء في الأرض. وبعد وفاة جد سلمى، حصل تلاعب في العقود، واتاخد حق عيلتها.
ثم قال
لكن والد راشد ما كانش هو اللي سرق الأرض. بالعكس، لما عرف الحقيقة حاول يرجعها لأصحابها.
راشد غمض عينيه.
حسام كمل
المشكلة إن أخو راشد اكتشف الموضوع، ودخل مع ناس تانية في تزوير المستندات. ولما حاولت أفضحهم، بدأوا يهددوني.
ثم جاء صوته أهدأ
مريم عرفت كل حاجة. وقررت تساعدني.
بصيت لراشد.
عشان كده كانت بتدور عليا؟
هز راسه.
التسجيل كمل
لو حصل لي حاجة، ما تتهميش راشد. هو ما كانش يعرف حاجة. وأهم حاجة... ما تثقيش في والد حسام.
اتجمدنا.
التسجيل استمر
أبويا كان عارف جزء من الحقيقة، لكنه خاف. وبعد وفاتي ممكن يحاول يرجع ياخد الأرض لنفسه.
راشد وقف فجأة.
يعني فريد كان بيقول الحقيقة.
الموظف العجوز كان واقف بعيد، فاقترب وقال
حسام سلمني التسجيل ده قبل موته بيومين.
سألته
ليه ما سلمتوش ليا وقتها؟
قال
لأنه طلب مني ما أسلموش غير لما تيجي إنتِ بنفسك.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
مريم كانت بتحاول تحميني.
وأبويا كان بيخبي الحقيقة خوفًا عليّا.
أما والد حسام، فكان بيحاول يوصل للدليل عشان يرجع يطالب بالأرض لنفسه.
لكن كان فيه شيء ناقص.
طيب... حادثة حسام؟
راشد فتح الظرف المختوم.
جواه تقرير قديم وشهادة.
والشهادة كانت من سائق شاحنة شهد إن عربية حسام اتعرضت لعطل متعمد قبل الحادث.
الدليل اتقدم للنيابة، وبعد التحقيقات ظهرت شبكة التلاعب في الأراضي والحسابات.
اتثبت إن أخو راشد كان متورطًا بالفعل، وإن والد حسام حاول إخفاء بعض المستندات والاستفادة من الفوضى، لكن ما ثبتش إنه كان موجودًا وقت حادثة حسام.
أما مريم، فثبت إن وفاتها كانت حادثة مرورية، وأن الشائعات اللي اتقالت عنها وعن راشد كانت مجرد أكاذيب استُخدمت لإبعاد الشبهات عن القضية.
بعد شهور من التحقيقات، رجع جزء من الأرض لعائلة جدي، وأبويا رفض ياخد لنفسه أي جنيه منها.
أما أنا...
فوقفت يومها قدام البيت القديم، وبصيت للباب اللي خرجت منه من سنتين وأنا مكسورة.
لكن المرة دي كنت راجعة وأنا رافعة راسي.
أبويا وقف قدامي.
قال
سامحيني يا بنتي.
بصيت له طويلًا.
أنا زعلت منك يا بابا... بس عرفت إن خوفك هو اللي خلاك تسكت.
دموعه نزلت.
كنت خايف أخسرك.
مسكت إيده.
بس سكوتك كان بيوجعني أكتر.
هز راسه.
عندك حق.
أما نوال وداليا، فبعد ما ظهرت الحقيقة، اعتذروا.
أنا ما نسيتش اللي حصل.
لكن قررت ما أعيش بقية عمري أسيرة له.
وبعد فترة، تم زواجي من راشد.
من غير حفلة كبيرة.
ومن غير كلام كتير.
بس يوم كتبنا الكتاب، راشد بصلي وقال
فاكرة أول مرة سألتك فيها تتجوزيني؟
ابتسمت.
عمري ما هنساها.
قال
وقتها قلتلك إني مش مهتم بكلام الناس.
سألته
ولسه؟
ابتسم.
لسه.
ثم أضاف
بس اكتشفت حاجة أهم.
إيه؟
قال
إني ما اخترتش واحدة أرملة وما بتخلفش.
أنا اخترت سلمى.
الست اللي وقفت قدام كل اللي حصل وما خلتش الظلم يغيّر قلبها.
مرت الشهور.
وبعد سنة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
كنت واقفة في المطبخ، فجأة حسيت بدوخة.
راشد خاف عليّا، وأصر نروح للدكتورة.
وبعد الفحص، الدكتورة ابتسمت وقالت
مبروك يا سلمى.
بصيت لها.
مبروك على إيه؟
قالت
إنتِ حامل.
سكتُّ.
راشد بصلي، ودموعه نزلت من عينيه.
لكن قبل ما أفرح، قلت
ولو ما كنتش حامل؟
راشد مسك إيدي.
كنت هفضل جوزك برضه.
وقتها فهمت أخيرًا إن المشكلة عمرها ما كانت في قدرتي على الإنجاب.
المشكلة كانت في ناس اختزلت قيمة الست في حاجة واحدة.
وأنا قضيت سنين أحاول أثبت لهم إني أستحق الحياة.
لحد ما قابلت راشد...
وفهمت إن الإنسان مش محتاج يثبت قيمته لحد.
ومن يومها، كل ما أفتكر جملة مرات أبويا
مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش؟
أبتسم.
لأن الإجابة كانت قدامي من أول يوم.
اللي هيحبك ويحترمك بجد، مش هيشوفك لقب... هيشوفك إنسانة.

تم نسخ الرابط