اختي رمت كوبايه
أختي رمت كباية مية ساقعة على مراتي وهي حامل وقالت لها بمنتهى البرود
متقعديش هنا ده مكاني.
أمي ضحكت وقالت
يا حبيبتي معلش، الحمل مخليكي تقيلة شوية ومش مركزة.
وأبويا كمل أكله عادي جدًا، وقال لها
لو هتعيطي على كل حاجة، روحي كلي في المطبخ.
مراتي قامت من على الكرسي، ومسكت جاكتها وهي بتحاول تمنع دموعها.
وأنا طلعت موبايلي، واتصلت بمسؤولة السفر بتاعتي وقلت لها
ألغِي كل حجوزات السفر الطيران والفنادق والرحلة كلها.
سكتت شوية وقالت
حضرتك متأكد؟ ده معناه إنك هتخسر مبلغ كبير ومش هيرجع كله.
رديت بهدوء
مش فارق. أنا مش عايز جنيه يرجع.
وبعدها قلت لها
بس خلي العربية تيجي تاخدهم من البيت في معادها.
بعد ساعات، لما أهلي وصلوا المطار واكتشفوا إن تذاكرهم اختفت ومفيش أي حجز باسمهم
ساعتها بس بدأوا يفهموا إن اللي حصل على السفرة مش هيتعدى بالساهل.
اسمي ياسين عبد الرحمن.
عندي 35 سنة، وبشتغل شريك أساسي في شركة نقل وشحن كبيرة في القاهرة.
بس قبل ما أوصل للي أنا فيه دلوقتي، كنت مجرد شاب أبويا طول عمره شايفه فاشل.
من وأنا في الجامعة وأنا بنزل أشتغل في مخزن بالليل، وأروح المحاضرات الصبح.
أبويا كان شايف إن الشغل ده أقل مني.
وكان دايمًا يقول لي
سيبك من الكلام ده، واتعلم إزاي تبقى راجل بجد.
بس السنين عدت
وحياتي اتغيرت.
أنا بقيت أكسب كويس جدًا.
والغريب إن أول ما الفلوس دخلت حياتي، افتكرت إني أخيرًا هقدر أخلي أهلي مرتاحين.
فبدأت أساعدهم.
سددت أقساط البيت.
دفعت ديون أبويا.
كنت بدفع إيجار شقة أختي.
كروت المشتريات.
مصاريف العربية.
التأمين.
فواتير كتير.
حتى لما كانوا يتزنقوا في فلوس، كانوا بيتصلوا بيا.
ولا مرة كنت بقول لهم
أنا ساعدتكم.
كانت أمي دايمًا تقول
ياسين هو اللي شايل البيت.
كنت بسمعها وأفرح.
كنت فاكر إن دي محبة.
ماكنتش فاهم إن في فرق كبير بين إن أهلك يحبوك
وإنهم يحتاجوك.
الليلة دي كانت ذكرى جواز أبويا وأمي.
كنت محضر لهم مفاجأة كبيرة.
حجزت لهم رحلة لأوروبا لمدة أسبوعين.
طيران درجة رجال أعمال.
فنادق خمس نجوم.
تنقلات خاصة.
حجوزات مطاعم غالية.
وكنت محضر لهم برنامج كامل بين إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.
المبلغ كان معدّي المليون ونص جنيه بكتير.
مراتي سلمى عمرها ما كانت مقتنعة بالموضوع.
مش لأنها بخيلة.
بالعكس.
بس كانت شايفة حاجة أنا كنت عامل نفسي مش شايفها.
قالت لي قبل كده
ياسين، كل ما بتديهم أكتر هما بيقدّروك أقل.
كنت دايمًا أرد عليها
دول أهلي يا سلمى.
دلوقتي
الجملة دي نفسها بقت تقيلة على قلبي.
وصلنا بيت أهلي حوالي الساعة 8 بالليل.
سلمى كانت حامل في الشهر السابع.
ومن كام يوم وهي بتشتكي من وجع في ضهرها وتقل في رجليها.
كانت ماشية بالراحة، وإيديها واحدة على بطنها والتانية ماسكة دراعي.
أول ما دخلنا السفرة، لمحت كرسي فاضي جنب أمي.
قالت
هقعد هنا شوية، ضهري واجعني أوي.
وقعدت.
ثواني بس
ودخلت أختي داليا.
داليا عندها 31 سنة، وكانت متعودة إن كل حاجة في البيت تمشي على مزاجها.
بصت لسلمى وقالت
قومي من هنا.
سلمى بصتلها باستغراب.
معلش؟ أنا قعدت عشان ضهري واجعني.
داليا ردت بمنتهى البساطة
بقولك ده مكاني.
سلمى حاولت تقوم.
حاضر، ثانية بس
لكنها ما لحقتش تقوم.
داليا مدت إيدها على الترابيزة.
مسكت كباية مية ساقعة مليانة تلج
ورمتها كلها على سلمى.
الميه غرقت هدومها.
وكام قطعة تلج خبطوا في بطنها ونزلوا على الأرض.
سلمى شهقت، وحطت إيديها على بطنها بشكل غريزي.
أنا في اللحظة دي حسيت إن دمي غلي.
قمت من مكاني مرة واحدة لدرجة إن الكرسي وقع ورايا.
بصيت لداليا وقلت
إنتي عملتي إيه؟!
هي ولا اتوترت ولا حتى اعتذرت.
بالعكس
ضحكت وقالت
ما أنا قلت لها تقوم.
بصيت لأمي.
كنت مستني منها تقول أي كلمة.
أي كلمة حتى.
لكن أمي هزت كتفها وقالت
يا ياسين متكبرش الموضوع. داليا عايزة تقعد في مكانها وخلاص.
بصيت لها مصدوم.
دي رمت كباية مية على مراتي وهي حامل!
أمي ردت ببرود
أصل سلمى حساسة زيادة عن اللزوم.
وبعدين قالت وهي بتضحك
الحمل مخليها مش على بعضها.
أبويا كان بيقطع اللحمة في طبقه.
ولا حتى رفع عينه.
وقال
يا بنتي لو مش قادرة تستحملي قعدة العيلة، روحي كلي في المطبخ.
سلمى كانت ساكتة.
عينها مليانة دموع.
وأنا
لأول مرة بدأت أشوف كل حاجة بوضوح.
افتكرت مواقف قديمة.
كل مرة أمي تتريق عليها.
كل مرة داليا تطلب حاجة وأنا أدفع.
كل مرة أبويا يقلل منها.
وكل مرة سلمى كانت تسكت عشاني.
وفجأة فهمت.
المشكلة ما كانتش فيهم بس.
المشكلة كانت فيا أنا كمان.
لأني سمحت بده يحصل.
أبويا أشار ناحية المطبخ وقال
بدل ما تعكّر علينا السهرة، روحِي غيري هدومك هناك.
وبعدين بص لي وقال
وبكرة متتأخرش علينا. إحنا لازم نكون في المطار بدري.
كنت لسه هرد
لكن بصيت لسلمى.
قربت منها.
قلعت الجاكت بتاعي وحطيته على كتفها.
ومسكت إيدها.
وقلت
يلا يا سلمى إحنا ماشيين.
أمي قالت بسرعة
ياسين، إنت هتعمل مشكلة عشان كباية مية؟
ما ردتش.
أبويا زعق من ورايا
إنت رايح فين؟!
كملت طريقي.
فقال
إوعى تنسى تيجي تاخدنا المطار بكرة!
وقفت لحظة
وبعدين فتحت الباب وخرجت.
في العربية، سلمى كانت ساكتة.
وبعد شوية قالت بصوت واطي
أنا آسفة.
بصيت لها باستغراب.
آسفة على إيه؟
قالت
يمكن لو كنت قمت أسرع الموضوع ما كانش حصل.
وقفت العربية على جنب.
وبصيت لها في عينيها.
سلمى، متعتذريش تاني عن حاجة هما عملوها فيكي.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا مش عايزة أبعدك عن أهلك يا ياسين.
هزيت راسي.
هما اللي بعدوني عنهم.
وصلنا البيت.
ساعدتها تغير هدومها، واتصلنا بالدكتورة عشان نطمن على البيبي بعد الخضة.
الحمد لله طمنتنا إن كل حاجة كويسة، لكن طلبت منها ترتاح وتتابع أي أعراض غير طبيعية.
فضلت جنبها لحد ما نامت واطمنت عليها.
وبعدها دخلت مكتبي.
قفلت الباب.
طلعت موبايلي.
واتصلت بمسؤولة السفر اللي بتتعامل معايا.
ردت
مساء الخير يا أستاذ ياسين.
قلت
افتحي الحجز بتاع بابا وماما وداليا.
سمعت صوت الكيبورد.
وبعد ثواني قالت
أيوه، الرحلة بكرة الساعة 9 ونص الصبح.
قلت
ألغِي كل حاجة.
سكتت.
كل حاجة يا فندم؟
الطيران، الفنادق، التنقلات، المطاعم كل الحجوزات.
قالت بتردد
بس يا أستاذ ياسين، كده هيبقى في مبلغ كبير جدًا مش هيرجع.
قلت
عارف.
يعني حضرتك متأكد؟
أنا مش عايز أي فلوس ترجع.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
حتى تذاكر الطيران؟
كلها.
والعربية اللي المفروض توصلهم المطار؟
هنا ابتسمت لأول مرة من ساعة ما خرجنا من بيت أهلي.
وقلت
لأ.
يعني؟
سيبي العربية تيجي في معادها.
حضرتك متأكد؟
جدًا.
قفلت المكالمة.
ثواني
وموبايلي نور برسالة جديدة.
كانت من أمي في جروب العيلة.
فتحت الرسالة.
كانت كاتبة
بكرة كلنا جاهزين الساعة 5 ونص. وياسين يقول لمراته تبطل دراما وتيجي بدري.
وبعدها بدقيقة بعتت داليا
وبالمرة يا ياسين، الفستان اللي اتبل بسبب سلمى محتاج واحد جديد. ابعتلي فلوسه.
فضلت باصص للشاشة شوية.
وبعدين قفلت الموبايل.
فتحت تطبيق البنك.
وبصيت على الحسابات اللي كانت مرتبطة بيهم.
وقتها فهمت إن إلغاء الرحلة
كان مجرد أول خطوة.
لأن بكرة الصبح، عيلتي كلها كانت فاكرة إنها رايحة أوروبا
فضلت ماسك الموبايل على ودني حتى بعد ما الخط اتقفل.
سلمى قربت مني وقالت
قال إيه؟
بصيت لها.
قال إنه كريم.
أخوك؟
هزيت راسي.
داليا كانت واقفة مكانها، ووشها مليان خوف.
قلت لها
إنتي كنتي عارفة إنه هيتصل؟
لأ.
طب عرف رقمي إزاي؟
ما ردتش.
قلت بصوت حاسم
داليا، أنا محتاج أعرف كل حاجة دلوقتي.
قالت
أنا معرفش غير إن بابا كان بيبعت له فلوس.
من إمتى؟
من قبل ما إنت تشتغل أصلًا.
سكت.
الكلمة دي خبطتني.
يعني إيه؟
قالت
يعني قبل ما يبقى عندك شغل، وقبل ما الشركة تكبر، كان بابا أصلًا بيحول له فلوس.
سألت
وليه؟
داليا هزت راسها.
معرفش.
بصيت لسلمى.
كانت بتبص لي بقلق.
قلت لها
أنا لازم أقابله.
قالت فورًا
لوحدك؟
أيوه.
ياسين، ممكن يكون الموضوع أخطر من اللي إحنا فاكرينه.
قربت منها.
عشان كده لازم أعرف الحقيقة.
بعت كريم رسالة
فين؟
رد بعد أقل من دقيقة
مقهى صغير في مدينة نصر. الساعة 10.
بصيت للساعة.
كان لسه قدامي حوالي ساعتين.
لكن قبل ما أخرج، رجعت بصيت لداليا.
وقلت
لو بابا سأل، متقوليش إني قابلته.
قالت
حاضر.
أمي كانت قاعدة بعيد، ساكتة.
بصيت لها.
وإنتي؟
قالت
أنا مش فاهمة حاجة.
رديت
يمكن.
لكن نظرتها قالت لي إنها عارفة أكتر مما بتقول.
خرجت من البيت.
طول الطريق، أسئلة كتير كانت بتدور في دماغي.
مين كريم؟
ليه أبويا مخبيه؟
ليه كان بيبعت له فلوس؟
وليه داليا قالت أخوك وكأن الكلمة دي لوحدها كفاية تفسر كل حاجة؟
وصلت المقهى قبل الموعد بعشر دقايق.
قعدت في آخر ترابيزة.
بعد دقائق، دخل شاب في أواخر الثلاثينات.
بص حواليه.
ولما عينه جت عليا، وقف.
اتحرك ناحيتي.
وقف قدام الترابيزة.
وقال
ياسين؟
رفعت عيني له.
كريم؟
هز راسه.
قعد قدامي.
لثواني، محدش اتكلم.
كان في شبه غريب بينا.
نفس شكل العينين تقريبًا.
نفس طريقة رفع الحاجب.
حتى ضحكته لما ابتسم ابتسامة صغيرة
حسيت إني شايف نسخة أكبر مني.
قلت
إنت أخويا بجد؟
قال
أيوه.
من أبويا؟
سكت.
ثم قال
من أبوك وأمي.
اتسمرت.
أمي كمان؟
هز راسه.
أيوه.
قلبي بدأ يدق بعنف.
طب إزاي؟
كريم بص حوالين نفسه، وبعدين قال
قبل ما تتولد بسنين، حصلت مشكلة كبيرة في العيلة.
إيه المشكلة؟
قال
أبوك وأمك كانوا منفصلين فترة.
وإيه علاقة ده بيك؟
طلع من جيبه صورة قديمة وحطها قدامي.
مسكتها.
كانت صورة لأمي وهي أصغر بكتير.
وفي حضنها طفل رضيع.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها تاريخ.
وتحت التاريخ اسم
كريم عبد الرحمن.
فضلت باصص للصورة.
قلت
ليه أنا ما شفتش الصورة دي قبل كده؟
كريم قال
لأن أبوك قرر إنك ما تعرفش بوجودي.
ليه؟
عشان كان شايف إن وجودي هيهدد مستقبل العيلة.
مستقبل إيه؟
سكت شوية.
ثم قال
الشركة.
رفعت عيني له.
الشركة؟
قال
أبوك كان خايف إن لو عرفت إن ليك أخ، يبقى لازم يظهر حقي وحقك في كل حاجة.
سألته
بس إنت ليك حق؟
قال
أنا مش جاي آخد منك حاجة.
أمال جاي ليه؟
بص لي مباشرة.
عشان أحذرك.
اتشد جسمي كله.
تحذرني من إيه؟
قال
من أبوك.
سكت.
كمل
أبوك مش بس مخبي وجودي.
أمال مخبي إيه؟
طلع ظرف بني من شنطته.
وحطه قدامي.
دي مستندات التحويلات اللي كانت بتوصلي.
فتحت الظرف.
لقيت صور تحويلات قديمة.
لكن في حاجة وقفتني.
كل التحويلات كانت باسم شركة مختلفة.
قلت
الشركة دي إيه؟
كريم رد
شركة أبوك القديمة.
بس الشركة دي اتقفلت من سنين.
قال
اتقفلت رسميًا.
بص لي.
لكن الحساب ما اتقفلش.
حسيت بقشعريرة.
قلت
والفلوس دي كانت بتروح لك؟
هز راسه.
جزء منها.
وجزء تاني؟
سكت.
فين الجزء التاني؟
كريم قرب مني وقال
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
قبل ما يكمل، موبايله رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال
لازم أمشي.
قلت
استنى!
قام.
مين اللي اتصل؟
قال
أبوك.
اتجمدت.
إزاي؟
قال
هو عارف إني قابلتك.
وقبل ما أقدر أمسكه، قال
ولو عايز تعرف الحقيقة كاملة ما تثقش في أي ورقة أبوك يديهالك.
ثم خرج بسرعة.
فضلت