من ساعه ماتحملت حكايات رشا
كلنا ناحيته.
تعرفه؟
قال
أيوه.
مين؟
مروان ابتلع ريقه.
واحد كان بابا بيحاول يحميكي منه.
قلت
يعني كان خطر؟
مش بالضرورة.
أمال إيه؟
كان موظف في المؤسسة، وبابا كان شايف إنه شخص مناسب جدًا للمرحلة اللي بعدها من التجربة.
قلت
وإيه المرحلة؟
مرحلة الضغط الاجتماعي والمالي.
حسيت إن صدري ضاق.
وإنت عرفت ده إمتى؟
بعد وفاة بابا.
وليه ماقولتليش؟
لأن بابا خلاني أوعده.
مد إيده لجيب جاكته وطلع مفتاح صغير.
وده كمان أخدهولي قبل وفاته.
قال الدكتور سامح
مفتاح إيه؟
مروان بص للباب.
غرفة الأرشيف القديمة.
اتصدمنا.
يعني المكان اللي إحنا فيه؟
هز رأسه.
لأ.
ثم بص لي.
فيه غرفة تحت المبنى.
نزلنا السلم الضيق اللي كان مستخبي خلف دولاب حديد.
كل خطوة كانت بتخليني أحس إننا بننزل أكتر جوه الماضي.
في آخر السلم كان فيه باب معدني.
مروان حط المفتاح.
الباب اتفتح.
الغرفة كانت صغيرة، لكن مليانة صناديق.
على أول صندوق كان مكتوب
الاختيارات الشخصية.
قربت منه.
فتحناه.
كان جواه ملفات كتير.
كل ملف عليه اسم مختلف.
نساء.
رجال.
أسر.
لكن كل الملفات كان فيها نفس النوع من الملاحظات
من يؤثر عليه؟
ما الذي يخشاه؟
من يثق به؟
ما الذي قد يدفعه لتغيير قراره؟
الدكتور سامح قال
ده مش بحث طبي.
قلت
لأ.
بصيت للملفات.
ده دليل إنهم كانوا بيدرسوا البشر كأنهم معادلات.
كريم فتح ملفًا آخر.
وفجأة وقف.
سلمى...
قربت منه.
كان الملف عليه اسمي.
لكن تحته اسم آخر.
المرحلة الثانية المرشح البديل.
قلت
مين المرشح؟
قلب الصفحة.
الاسم كان مغطى بورقة لاصقة قديمة.
حاولنا نشيلها بحذر.
لكن قبل ما نقدر نقرأه، سمعنا صوت خطوات فوقنا.
مروان همس
حد رجع.
الدكتور سامح أشار لنا نطفي النور.
اختبينا داخل الغرفة.
الخطوات قربت من السلم.
ثم سمعنا صوت شخص بيتكلم في الموبايل
أيوه، الملف اتفتح.
سكت لحظة.
أيوه، سلمى هنا.
قلبي دق بعنف.
الشخص كمل
لأ، ما أخدتش الملف الأخير.
ثم سكت.
لا تقلقوا... هي لسه ماعرفتش اسم الشخص البديل.
بصيت لكريم.
كان وشه متغير.
لأن الصوت...
كان مألوفًا له.
رفع إصبعه على شفايفه.
وبعد لحظات، الخطوات ابتعدت.
استنينا لحد ما الصوت اختفى.
طلعنا من الغرفة.
مروان قال
مين كان؟
كريم رد
واحد كنت بسمع صوته في اجتماعات المشروع.
اسمه إيه؟
ماعرفش.
قلت
بس إنت تعرف صوته؟
هز رأسه.
أيوه.
رجعنا للملف.
كان لازم نعرف الاسم.
شلت الورقة اللاصقة ببطء.
ظهر الاسم.
لكن بدل ما ألاقي شخص غريب...
لقيت اسمًا من الماضي.
اسم شخص كنت أعرفه وأنا صغيرة.
شخص كانت أمي دائمًا تمنعني من التعامل معاه.
الدكتور عادل منصور.
مروان اتراجع.
مستحيل.
قلت
مين عادل؟
قال
صديق بابا القديم.
كريم قرب من الملف.
ده كان عضو في مجلس إدارة المؤسسة.
الدكتور سامح قال
وكان أول شخص اعترض عليه والدك.
بصيت لهم.
طب ليه؟
مروان رد
لأن بابا اكتشف إنه كان بيجمع معلومات عن العائلات من غير علمها.
سكت.
ثم أضاف
وبعدها اختفى من حياتنا.
قلت
لكنه رجع دلوقتي.
كريم هز رأسه.
الظاهر إنه عمره ما اختفى.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم أمي.
رديت فورًا.
ماما؟
صوتها كان مرتجفًا
سلمى... إنتِ فين؟
في مكان مهم.
لازم ترجعي البيت حالًا.
ليه؟
سكتت.
ثم قالت
عشان أنا لازم أقولك حاجة عن عادل.
قلبي انقبض.
إيه؟
قالت
أبوكي قبل ما يموت بيوم...
صوتها اتكسر.
طلب مني لو حصل له حاجة، ما أقولكيش الحقيقة غير لما تكبري.
أي حقيقة؟
سمعتها تبكي.
ثم قالت
عادل هو اللي رشح كريم لأبوكي.
سكتُّ.
ماما كملت
لكن دي مش أخطر حاجة.
أمال إيه؟
قالت
قبل كريم بسنين...
وسكتت طويلًا.
عادل كان قدام أبوكي بمرشح تاني.
مين؟
جاء صوتها خافتًا
أخوكِ التوأم وصلت للبيت القديم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
المكان كان مهجور، لكن الباب كان مفتوح.
دخلت ومعايا مروان وكريم والدكتور سامح، وبعد كل اللي حصل ماكانش ينفع أروح لوحدي مهما كانت الرسالة بتقول كده.
في الصالة القديمة، لقينا جهاز تسجيل صغير فوق الترابيزة.
ضغطت عليه.
طلع صوت بابا.
سلمى، لو سمعتي التسجيل ده، يبقى عرفتي عن يونس.
دموعي نزلت.
أنا ماقدرتش أرجعه في الوقت اللي كنت فاكره فيه إن عندي فرصة. لكني عرفت الحقيقة بعدين.
سكت لحظة، ثم قال
يونس ما اختفاش. المؤسسة نقلته لأسرة تانية باسم مختلف، لكني فضلت أتابع أخباره لحد ما كبر.
مروان قرب من الجهاز.
يعني كان عايش؟
صوت بابا كمل
أيوه. وكان عارف إنه ليه أخت توأم.
اتجمدت.
ثم قال
لكنه رفض يقابلك في البداية، لأنه كان محتاج يعيش حياته بعيد عن المؤسسة وعن كل اللي حصل.
سمعت صوت بكاء مكتوم من خلفنا.
لفينا.
كان فيه راجل واقف عند باب الغرفة.
شاب في أوائل الثلاثينات.
بص لي.
وأول حاجة قالها
أنا يونس.
ماعرفتش أتحرك.
هو نفسه كان واقف قدامي.
أخي.
الشخص اللي قضيت عمري فاكرة إنه مات.
قرب خطوة.
أنا آسف إني اتأخرت.
بكيت.
إنت كنت عارفني؟
هز رأسه.
من زمان.
ليه ماجيتش؟
قال
لأن أبوكي طلب مني ما أقربش منك إلا لما يكون عندك القدرة تعرفي الحقيقة من غير ما حد يستخدمها ضدك.
ثم نظر لكريم.
وهو كمان كان جزء من الخطة.
كريم نزل عينيه.
أيوه.
يونس كمل
لكن أبوكي قبل موته طلب مني حاجة واحدة.
إيه؟
لو المشروع استمر ووصل لسلمى، أرجع وأقول لها الحقيقة كلها.
سألته
وعادل؟
تغيرت ملامحه.
عادل كان واجهة.
والجامعة؟
كانت جزء من التنفيذ.
والمؤسسة؟
هي اللي كانت بتموّل المشروع.
والمشرف الحقيقي؟
نظر إلى مروان.
ثم قال الاسم كاملًا.
كان فعلًا رئيس مجلس إدارة الجامعة.
الدكتور سامح قال
لازم كل الأدلة تروح للجهات المختصة.
يونس أخرج حقيبة صغيرة.
دي كل النسخ اللي احتفظ بيها أبوكي.
داخل الحقيبة كانت التسجيلات الأصلية، العقود، المراسلات، وأسماء المشاركين في المشروع.
ومن بينها دليل واضح إن استخدامي كحالة تم بدون موافقة مني.
لكن أهم ورقة كانت آخر واحدة.
كانت إقرارًا موقعًا من والدتي، وهي لا تعرف الحقيقة الكاملة، بأنني لن أُستخدم في أي دراسة مستقبلية.
يعني بابا كان بيحاول يحط حاجز بينهم وبيني من أول يوم.
لكنهم التفوا حوله بعد وفاته.
قدمت الأدلة رسميًا.
بدأ التحقيق.
اتوقف المشروع بالكامل، وتم فتح تحقيق في طريقة جمع البيانات واستخدامها، وفي دور الأشخاص المشاركين فيه.
كريم اعترف بدوره كاملًا.
ماحاولش يبرر.
وقال في التحقيق
أنا وافقت في البداية،
وده كان خطأ. حتى لو كنت فاكر إن الهدف نبيل، مافيش مبرر إن شخص يتعرض للضغط من غير علمه.
أما نهى، فقد سلمت التسجيل الذي كانت محتفظة به.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
لم تكن الدراسة عن تحمل الزوجات.
كانت عن كيفية التأثير على قرارات الأشخاص تحت الضغط، وكان المشروع يحاول إثبات إن التحكم في الظروف المحيطة بالشخص ممكن يغير قراراته من غير ما يشعر.
لكنهم فشلوا في أهم شيء.
لأنني في اللحظة التي فهمت فيها اللي بيحصل...
بدأت أستعيد قراراتي بنفسي.
فتحت حسابًا باسمي.
رجعت لشغلي.
وقفت قدام كريم وقلت له
أنا مش هقرر دلوقتي إذا كان اللي بينا هينتهي أو هيكمل.
بص لي.
من حقك.
قلت
المرة دي أنا اللي هقرر.
ماطلبتش منه يسامحني.
ولا طلبت منه أسامحه.
كان لازم كل واحد فينا يتحمل نتيجة اختياراته.
أما يونس...
فكان أصعب جزء.
في أول مقابلة بينا بعد الحقيقة، قعدنا ساعات نحكي عن طفولتنا اللي ماعشناهاش مع بعض.
ورغم إننا فقدنا سنين كتير، بدأنا نبني علاقة جديدة من الصفر.
مش لأن حد خطط لها.
لكن لأننا إحنا اللي اخترناها.
وبعد فترة، رجعت لبيت بابا.
فتحت المكتب القديم.
وجدت ظرفًا صغيرًا جدًا مخبأ تحت درج مكتبه.
فتحتُه.
كان فيه آخر رسالة.
يا سلمى...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الخطة فشلت.
مش لأنهم ماقدروش يضغطوا عليك.
لكن لأنك عرفتي إن أقوى قرار ممكن ياخده الإنسان...
هو إنه يعرف إن القرار بتاعه ملكه هو.
بكيت وأنا بقرأ.
وفي آخر السطر كتب
ما تخليش حد يقولك إن حياتك كانت مكتوبة من قبل ما تبدأ.
هم ممكن يوجهوا الطريق...
لكن في النهاية، إنتِ اللي بتمشيه.
قفلت الرسالة.
وبصيت لصورة قديمة ليا وليونس.
لأول مرة ماحسيتش إن الماضي سرق مني حياتي.
حسيت إن الحقيقة رجعتلي جزءًا منها.
أما المشروع...
فاتقفل.
والملفات اتحولت للتحقيق.
والناس اللي شاركت فيه اضطروا يواجهوا مسؤوليتهم.
وأنا؟
بدأت حياتي من جديد.
مش باعتباري حالة.
ولا زوجة فلان.
ولا بنت الدكتور محمود.
ولا أخت يونس.
لكن...
سلمى.
ولأول مرة في حياتي...
كنت أنا صاحبة القرار اتجمدت مكاني.
أخويا التوأم؟
ماما ما ردتش.
قلت بصوت أعلى
ماما، إنتِ بتقولي إيه؟
سمعت شهقة من الناحية التانية.
أبوكي قال لي ما أقولكيش غير لما تعرفي كل حاجة.
أنا طول عمري وحيدة! مافيش أخ توأم!
قالت
عارفة.
أمال مين اللي بتتكلمي عنه؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
لأنه ماكملش معانا.
الكلمة وقعت عليّ كأنها ضربة.
يعني مات؟
لأ.
صوتها ارتعش.
اتولد حي.
ماعرفتش أرد.
ماما كملت
لكن بعد الولادة حصلت مشكلة، والدكاترة قالوا إن حالته محتاجة رعاية خاصة. أبوكي رفض يسيبه بعيد عننا في الأول.
وبعدين؟
بعد أيام، المؤسسة عرضت إنها تتكفل بعلاجه.
سكتت.
وإنتِ وافقتي؟
كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة. وأبوكي كان واثق فيهم.
وبعدها؟
ماما بدأت تعيط.
أخدوه.
صرخت
أخدوا ابني؟
كان ابنك وإنتِ لسه طفلة، يا سلمى...
ومحدش رجعه؟
قالوا إن حالته اتحسنت وإنه هيتنقل لمكان تاني، وبعدها الملف اختفى.
حسيت بدوخة.
قعدت على أقرب كرسي.
مروان كان سامع المكالمة، ووشه شاحب.
قال
ماما، اسمه إيه؟
سكتت.
ثم قالت
أبوكي سماه يونس.
قلبي خبط.
يونس.
اسم ماكنتش سمعته في بيتنا طول عمري.
قلت
طب هو فين دلوقتي؟
ماما ردت
ماعرفش.
لكن قبل ما تكمل، سمعنا صوت طرق على باب بيتها.
قالت بسرعة
استني.
وبعدين بعد ثواني رجعت تقول
سلمى، لازم تقفلي.
ماما، مين على الباب؟
ماعرفش.
ماتفتحيش.
خلاص.
لكن فجأة سمعنا صوت المفتاح.
ماما شهقت.
حد بيفتح الباب!
المكالمة اتقطعت.
صرخت
ماما!
مافيش رد.
حاولت أتصل تاني.
الموبايل كان بيرن.
لكن محدش رد.
مروان مسك مفاتيحه.
أنا رايح لها.
كريم قال
هنروح كلنا.
خرجنا بسرعة.
طول الطريق كنت بفكر في كلمة واحدة
يونس.
لو كان موجودًا فعلًا...
مين هو؟
وليه المؤسسة كانت بتتكلم عنه؟
وليه الراجل اللي قابلناه قال إن كريم لم يكن أول شخص اختاروه لحياتي؟
وصلنا البيت.
الباب كان مفتوح.
دخلنا.
ماما كانت قاعدة على الكرسي.
وشها شاحب.
لكنها كانت سليمة.
جريت عليها.
مين دخل؟
قالت
محدش.
إزاي الباب اتفتح؟
ماما أشارت للترابيزة.
كان عليها ظرف بني.
لقيته على الباب.
مروان أخده.
كان مكتوب عليه
إلى سلمى... عن يونس.
فتحناه.
جواه صورة.
صورة لطفل رضيع.
وعلى ظهرها
ده أخوك.
تحتيها تاريخ الميلاد.
نفس تاريخ ميلادي.
ونفس المستشفى.
لكن كان فيه شيء أغرب.
الصورة ماكانتشي قديمة بالشكل المتوقع.
كانت صورة مطبوعة حديثًا من صورة أصلية.
الدكتور سامح قرب منها.
دي مش الصورة الوحيدة.
طلع ورقة من الظرف.
فيه تقرير.
قرأ أول سطر.
ثم توقف.
سلمى...
إيه؟
ناولني الورقة.
كان مكتوب
الحالة يونس محمود.
وتحتها
تم نقله من المؤسسة إلى جهة رعاية خاصة.
وبجانب الختم كان فيه توقيع.
وقفت مكاني.
التوقيع كان توقيع الدكتور عادل منصور.
مروان قال
يعني هو كان مسؤول عنه.
ماما بدأت تبكي.
أبوكي لما عرف، حاول يرجعه.
ورجعه؟
هزت رأسها.
لأ.
طب إيه اللي حصل؟
ماما مسحت دموعها.
أبوكي قال لي إنهم هددوه.
هددوه بإيه؟
قالوا له إن لو فتح موضوع يونس، هيكشفوا حاجات عن المشروع كله.
قلت
وعشان كده سكت؟
ماما هزت رأسها.
لأ.
ثم بصت لي.
أبوكي ما سكتش.
أمال عمل إيه؟
قالت
بدأ يجمع الأدلة.
فهمت فجأة.
كل الملفات.
الخزنة.
التسجيلات.
الغرفة رقم 27.
كل ده ماكانش معمول عشاني أنا بس.
كان معمول عشان يوصل ليونس.
لكن ماما قالت جملة خلتني أسكت
أبوكي قال لي قبل موته إن يونس رجع يظهر في حياته.
مروان قرب منها.
ظهر إزاي؟
قالت
كان شابًا.
شاب؟
أيوه.
يعني بابا قابله؟
هزت رأسها.
وقعد معاه.
سألتها
عرفه؟
ماما بصت لي.
عرفه من أول ما شافه.
سكتنا.
قلت
وكان يونس يعرف إنه أخويا؟
ماما هزت رأسها ببطء.
أيوه.
قلبي بدأ يخبط.
طيب هو فين؟
ماما قالت
أبوكي كتب مكانه في ورقة.
فين الورقة؟
أشارت ناحية دولاب قديم.
جوه كتاب.
مروان فتح الدولاب بسرعة.
طلع صندوق كتب قديمة.
بدأنا نفتش.
كتاب.
وراه كتاب.
لحد ما لقي مروان كتابًا أسود.
فتحه.
في النص كان فيه ورق مطوي.
فتحت الورقة.
كان فيها عنوان واحد.
وعنوان المكان كان قريبًا جدًا من الجامعة.
لكن تحت العنوان كانت جملة بخط بابا
لو وصلت سلمى لليونُس، لازم تعرف إن عادل مش هو الشخص اللي كان بيدير كل حاجة.
وفي أسفل الصفحة...
كان فيه اسم ثالث.
اسم ماكنتش شوفته في أي ملف قبل كده.
المشرف الحقيقي محمود...
والاسم كان مقطوعًا عند آخر حرف.
بصيت لمروان.
الورقة ناقصة.
قال
حد قطع الجزء الأخير.
وفجأة، كريم قال
مش ناقص.
بصيت له.
إيه؟
قال
الاسم موجود في مكان تاني.
فين؟
رفع صورة قديمة من على الترابيزة.
كانت صورة بابا واقف جنب ثلاثة رجال.
وأشار للرجل الثالث.
ده هو.
قربت الصورة من عيني.
الرجل كان أكبر سنًا، لكن ملامحه واضحة.
والصدمة إنني كنت أعرفه.
مش معرفة شخصية.
لكن شفته قبل كده.
في الجامعة.
وفي آخر مؤتمر حضرته.
وكان جالسًا في الصف الأول.
مروان همس
ده...
قلت
أيوه.
الدكتور سامح قال
مين؟
رفعت الصورة.
رئيس مجلس إدارة الجامعة الحالي.
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول
دلوقتي عرفتي ليه أبوكي ماكانش عايزك تدخلي الجامعة؟
ثم رسالة ثانية
ولو عايزة تعرفي فين يونس... تعالي لوحدك.
وتحت الرسالة كان فيه عنوان.
لكن العنوان لم يكن للجامعة.
ولا للمؤسسة.
كان لمكان واحد فقط...
البيت الذي وُلدت فيه أنا ويونس وصلت للبيت القديم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
المكان كان مهجور، لكن الباب كان مفتوح.
دخلت ومعايا مروان وكريم والدكتور سامح، وبعد كل اللي حصل ماكانش ينفع أروح لوحدي مهما كانت الرسالة بتقول كده.
في الصالة القديمة، لقينا جهاز تسجيل صغير فوق الترابيزة.
ضغطت عليه.
طلع صوت بابا.
سلمى، لو سمعتي التسجيل ده، يبقى عرفتي عن يونس.
دموعي نزلت.
أنا ماقدرتش أرجعه في الوقت اللي كنت فاكره فيه إن عندي فرصة. لكني عرفت الحقيقة بعدين.
سكت لحظة، ثم قال
يونس ما اختفاش. المؤسسة نقلته لأسرة تانية باسم مختلف، لكني فضلت أتابع أخباره لحد ما كبر.
مروان قرب من الجهاز.
يعني كان عايش؟
صوت بابا كمل
أيوه. وكان عارف إنه ليه أخت توأم.
اتجمدت.
ثم قال
لكنه رفض يقابلك في البداية، لأنه كان محتاج يعيش حياته بعيد عن المؤسسة وعن كل اللي حصل.
سمعت صوت بكاء مكتوم من خلفنا.
لفينا.
كان فيه راجل واقف عند باب الغرفة.
شاب في أوائل الثلاثينات.
بص لي.
وأول حاجة قالها
أنا يونس.
ماعرفتش أتحرك.
هو نفسه كان واقف قدامي.
أخي.
الشخص اللي قضيت عمري فاكرة إنه مات.
قرب خطوة.
أنا آسف إني اتأخرت.
بكيت.
إنت كنت عارفني؟
هز رأسه.
من زمان.
ليه ماجيتش؟
قال
لأن أبوكي طلب مني ما أقربش منك إلا لما يكون عندك القدرة تعرفي الحقيقة من غير ما حد يستخدمها ضدك.
ثم نظر لكريم.
وهو كمان كان جزء من الخطة.
كريم نزل عينيه.
أيوه.
يونس كمل
لكن أبوكي قبل موته طلب مني حاجة واحدة.
إيه؟
لو المشروع استمر ووصل لسلمى،
أرجع وأقول لها الحقيقة كلها.
سألته
وعادل؟
تغيرت ملامحه.
عادل كان واجهة.
والجامعة؟
كانت جزء من التنفيذ.
والمؤسسة؟
هي اللي كانت بتموّل المشروع.
والمشرف الحقيقي؟
نظر إلى مروان.
ثم قال الاسم كاملًا.
كان فعلًا رئيس مجلس إدارة الجامعة.
الدكتور سامح قال
لازم كل الأدلة تروح للجهات المختصة.
يونس أخرج حقيبة صغيرة.
دي كل النسخ اللي احتفظ بيها أبوكي.
داخل الحقيبة كانت التسجيلات الأصلية، العقود، المراسلات، وأسماء المشاركين في المشروع.
ومن بينها دليل واضح إن استخدامي كحالة تم بدون موافقة مني.
لكن أهم ورقة كانت آخر واحدة.
كانت إقرارًا موقعًا من والدتي، وهي لا تعرف الحقيقة الكاملة، بأنني لن أُستخدم في أي دراسة مستقبلية.
يعني بابا كان بيحاول يحط حاجز بينهم وبيني من أول يوم.
لكنهم التفوا حوله بعد وفاته.
قدمت الأدلة رسميًا.
بدأ التحقيق.
اتوقف المشروع بالكامل، وتم فتح تحقيق في طريقة جمع البيانات واستخدامها، وفي دور الأشخاص المشاركين فيه.
كريم اعترف بدوره كاملًا.
ماحاولش يبرر.
وقال في التحقيق
أنا وافقت في البداية، وده كان خطأ. حتى لو كنت فاكر إن الهدف نبيل، مافيش مبرر إن شخص يتعرض للضغط من غير علمه.
أما نهى، فقد سلمت التسجيل الذي كانت محتفظة به.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
لم تكن الدراسة عن تحمل الزوجات.
كانت عن كيفية التأثير على قرارات الأشخاص تحت الضغط، وكان المشروع يحاول إثبات إن التحكم في الظروف المحيطة بالشخص ممكن يغير قراراته من غير ما يشعر.
لكنهم
فشلوا في أهم شيء.
لأنني في اللحظة التي فهمت فيها اللي بيحصل...
بدأت أستعيد قراراتي بنفسي.
فتحت حسابًا باسمي.
رجعت لشغلي.
وقفت قدام كريم وقلت له
أنا مش هقرر دلوقتي إذا كان اللي بينا هينتهي أو هيكمل.
بص لي.
من حقك.
قلت
المرة دي أنا اللي هقرر.
ماطلبتش منه يسامحني.
ولا طلبت منه أسامحه.
كان لازم كل واحد فينا يتحمل نتيجة اختياراته.
أما يونس...
فكان أصعب جزء.
في أول مقابلة بينا بعد الحقيقة، قعدنا ساعات نحكي عن طفولتنا اللي ماعشناهاش مع بعض.
ورغم إننا فقدنا سنين كتير، بدأنا نبني علاقة جديدة من الصفر.
مش لأن حد خطط لها.
لكن لأننا إحنا اللي اخترناها.
وبعد فترة، رجعت لبيت بابا.
فتحت المكتب القديم.
وجدت ظرفًا صغيرًا جدًا مخبأ تحت درج مكتبه.
فتحتُه.
كان فيه آخر رسالة.
يا سلمى...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الخطة فشلت.
مش لأنهم ماقدروش يضغطوا عليك.
لكن لأنك عرفتي إن أقوى قرار ممكن ياخده الإنسان...
هو إنه يعرف إن القرار بتاعه ملكه هو.
بكيت وأنا بقرأ.
وفي آخر السطر كتب
ما تخليش حد يقولك إن حياتك كانت مكتوبة من قبل ما تبدأ.
هم ممكن يوجهوا الطريق...
لكن في النهاية، إنتِ اللي بتمشيه.
قفلت الرسالة.
وبصيت لصورة قديمة ليا وليونس.
لأول مرة ماحسيتش إن الماضي سرق مني حياتي.
حسيت إن الحقيقة رجعتلي جزءًا منها.
أما المشروع...
فاتقفل.
والملفات اتحولت للتحقيق.
والناس اللي شاركت فيه اضطروا يواجهوا مسؤوليتهم.
وأنا؟
بدأت حياتي من جديد.
مش باعتباري حالة.
ولا زوجة فلان.
ولا بنت الدكتور محمود.
ولا أخت يونس.
لكن...
سلمى.
ولأول مرة في حياتي...
كنت أنا صاحبة القرار.