مراتي رمت شبشبها حكايات مني السيد
المحتويات
وإيه اللي حصل من شهرين؟
سلمى أخدت نفس طويل، وبعدين قالت
من شهرين، كنت عند حماتك، وسمعت أختك وهي بتتكلم في التليفون عن ورق الشقة. في الأول افتكرت إني فهمت غلط، لكن لما سألتها، اتعصبت وقالتلي إن الموضوع مالكيش فيه، وإنك عارف كل حاجة.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
أنا رجعت البيت يومها وفضلت أفكر. إنت عمرك ما حكيتلي إنك بعت نصيبك، ولا عمرك قلت إنك أخدت فلوس. ولما سألتك بعدها عن الشقة، قلتلي إن الموضوع كله بتاع أمك وإخواتك، وإنك مش بتحب تدخل في الخلافات العائلية.
حطيت إيدي على راسي، لأني فعلًا كنت فاكر إن الشقة ملك أمي بالكامل، وإن إخواتي بيتصرفوا فيها بموافقتها.
سلمى كملت
بعدها بأيام، قابلت واحد من الجيران القدامى، وكان يعرف أبوك كويس. لما عرف إني مراتك، سألني إذا كنتوا لسه محتفظين بأوراق الشقة القديمة. ولما قلتله إني معرفش حاجة، قالي إن أبوك كان موثق كلامه قبل وفاته، وإن فيه مستندات ممكن توضح حقيقة الملكية.
أخويا الكبير قاطعها بعصبية
إنتي بتلفقي حكايات! هو إنتي فاكرة نفسك محامية؟! شوية كلام سمعتيه من جار، وجاية تتهمينا إننا سرقنا أخوكي؟!
سلمى بصتله وقالت
أنا متهمتش حد. أنا بس طلبت أشوف الورق، ولما حاولت أفهم الحقيقة، إنتوا قلبتوا الدنيا عليا.
وبعدين مدت إيدها في شنطتها، وطلعت ملف بلاستيك صغير.
قالتلي
يا يوسف، أنا كنت ناوية أقولك كل حاجة لما أتأكد، لكن كل مرة كنت بفتح الموضوع، كنت بتقولي متكبريش المشاكل مع إخواتي. ولما لقيت إن أختك بدأت تسألني إذا كنت احتفظت بأي صور للمستندات، فهمت إن فيه حاجة هما خايفين منها.
فتحت الملف، وطلعت منه صورة لمستند قديم، وحطته قدامي.
دي صورة الورقة اللي قدرت أوصلها، ودي مش كل الأوراق. أنا أخدت صورة منها قبل ما أعرف إن أخوك اكتشف إني شفتها.
مسكت الصورة وبدأت أقرأ، لكن الكلام كان قانوني ومعقد، وفيه أسماء وتواريخ وأرقام مش قادر أفهمها بسرعة.
فجأة، أختي قالت بصوت واطي
يوسف، اسمعني قبل ما تحكم علينا... إحنا مكنش قصدنا نضيع حقك.
لفيت ناحيتها وقلت
أمال كان قصدكم إيه؟!
سكتت، وأخويا الكبير بص لها بنظرة تحذير، لكنها المرة دي موقفتش كلامها.
قالت وهي بتعيط
الفلوس اللي دخلت من بيع الشقة، جزء منها اتصرف في علاج بابا قبل ما يموت، وجزء اتدفع في ديون قديمة، والباقي...
وقفت فجأة، وبصت لأخويا.
أنا قربت منها وقلت
والباقي إيه يا منى؟! اتكلمي!
أخويا الكبير صرخ فيها
اقفلي الموضوع ده حالًا!
لكن أمي وقفت قدامه وقالت
كفاية يا ابني! إنتوا مش هتفضلوا طول عمركم تخبوا الحقيقة وتخلوا يوسف يفتكر إن مراته هي سبب كل مصايبكم!
أختي مسحت دموعها، وبصتلي وقالت
الباقي اتحط في مشروع أخوك، وهو وعدنا إنه هيرجعهولك أول ما المشروع يقف على رجليه.
حسيت بصدمة أكبر من الأولى.
مشروع إيه؟! وإمتى الكلام ده حصل؟!
أخويا الكبير سكت، لكن ملامحه اتغيرت، وبدأ يلف خاتمه في صباعه بعصبية.
سلمى قربت مني وقالت
يا يوسف، لسه فيه حاجة أهم لازم تعرفها. أنا لما حاولت أواجه أخوك بالورقة، عرض عليا فلوس عشان أسكت، وقاللي إنك لو عرفت الحقيقة، هتخسر أمك وإخواتك كلهم.
بصيت لأخويا، وقلت بصوت مخنوق
إنت عرضت فلوس على مراتي عشان متقوليش حقي؟!
رد بسرعة
كنت بحاول أحمي العيلة من فضيحة!
سلمى هزت راسها بحزن وقالت
ولما رفضت، بدأت الإهانات، وكل مرة كنت أزور فيها أمك، كنت بتحاول تخليني أحس إني غريبة عن البيت. ولما شبشبي طار النهارده، لقيتكم أخيرًا الفرصة اللي مستنيينها عشان تجبروا يوسف يبعدني عنه.
أمي بصت لإخواتي بذهول، وبعدين سألت أخويا
هو ده صحيح؟! إنتوا كنتوا بتضغطوا على سلمى عشان تسكت عن موضوع الشقة؟!
أخويا مردش.
لكن الصمت اللي نزل على الصالة كان كفاية يخليني أحس إن فيه حاجات لسه مستخبية.
مديت إيدي لأخويا وقلت
هات الورقة اللي خطفتها مني.
رفض في الأول، لكن لما شافني مصر، رماها على الترابيزة وقال
خدها يا يوسف، واقرأ براحتك. بس متجيش بعد كده تقول إن محدش حذرك من اللي هيحصل.
مسكت الورقة، وقلبتها على ضهرها، وهناك لقيت توقيعًا منسوبًا ليا وتاريخًا يرجع لسنتين، في وقت كنت فيه مسافر في محافظة تانية بسبب شغلي.
بصيت للتوقيع، وحسيت ببرودة في جسمي.
التوقيع كان شبه توقيعي جدًا... لكن أنا عمري ما مضيت على الورقة دي!
رفعت عيني لأخويا وقلت
مين اللي مضى مكاني؟!
أخويا بصلي، وبعد لحظات قال
قبل ما تتهمني، اسأل أمك مين اللي كان معاه مفتاح دولاب الورق بتاع أبوك...
أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وبصت ناحية أوضة النوم القديمة، وبعدها قالت جملة خلت أختي تنهار في العياط
المفتاح ده كان معايا أنا... لكن في يوم اختفى، ولما رجع، لقيت ورق أبوك كله متغير مكانه!
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، جرس الباب رن.
أخويا الكبير اتجمد مكانه، وأختي بصت ناحية الباب بخوف، وسلمى مسكت إيدي وهمستلي
يوسف، لو اللي أنا شاكّة فيه صح، فاللي واقف بره هو الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت مين زوّر الورقة...
فتحت الباب، ولما شفت الراجل الواقف قدامي، عرفت إن سر الشقة أكبر بكتير من مجرد فلوس ضاعت!
فتحت الباب، ولقيت راجل كبير في السن، شعره أبيض، وماسك شنطة جلد قديمة في إيده. أول ما شافني، بصلي وقال
إنت يوسف ابن الحاج محمود؟
هزيت راسي وقلتله أيوه، حضرتك مين؟
قال أنا الأستاذ فؤاد، كنت المحامي بتاع أبوك الله يرحمه، وجاي لك عشان فيه أمانة عندي اتأخرت كتير في تسليمها.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وفتحتله الباب ودخلته الصالة.
أول ما أخويا الكبير شافه، وشه اتقلب، وقام من مكانه بسرعة وقال
حضرتك جاي هنا ليه؟! مش كنا اتفقنا إن الموضوع اتقفل من زمان؟!
الأستاذ فؤاد بصله باستغراب، وبعدها قال
اتقفل بالنسبة لمين؟ أنا معايا مستندات، والموضوع عمره ما اتقفل قانونيًا زي ما إنت فاكر.
أنا بصيت لأخويا، وحسيت إن كل كلمة بتتقال بتكشف لي جزء جديد من حكاية عمري ما كنت أعرف عنها حاجة.
قلت للمحامي بعد إذنك، أنا عايز أفهم كل حاجة من الأول. إيه حكاية الشقة دي؟ وليه فيه ورقة بتقول إني بعت نصيبي وأنا عمري ما مضيت عليها؟
الأستاذ فؤاد حط الشنطة على الترابيزة، وفتحها بهدوء، وطلع منها ملف كبير مربوط بشريط.
قال أبوك قبل وفاته بشهور، طلب مني أجهز مجموعة مستندات تخص أملاكه. كان خايف إن بعد وفاته يحصل خلاف بينكم، خصوصًا إنه كان عارف إنك بتثق في إخواتك ومش بتحب تدخل في المشاكل.
بصيت لأمي، لقيتها بتعيط في صمت، فالمحامي كمل
أبوك كان عايز يضمن إن كل واحد منكم ياخد حقه، وإن محدش يقدر يتصرف في نصيب غيره من غير موافقته. وعشان كده، احتفظ بنسخة من كل المستندات عندي.
أخويا الكبير حاول يتدخل وقال يا أستاذ فؤاد، إنت بتتكلم عن حاجات قديمة، والظروف اتغيرت، ومش كل حاجة مكتوبة في ورقة ينفع تتنفذ دلوقتي!
المحامي بصله بثبات وقال عشان كده أنا جيت، علشان نراجع المستندات ونعرف الحقيقة، مش علشان حد يفرض روايته على الباقيين.
وبعدين فتح الملف، وطلع عقدًا قديمًا، وحطه قدامي.
ده المستند اللي أبوك وثّق فيه ترتيب ملكية الشقة، وده محضر تاني يوضح إنك ما حضرتش بنفسك أي إجراء متعلق بالتنازل عن نصيبك في التاريخ المذكور في الورقة اللي معاك.
حسيت إن نفسي رجعلي شوية، لكن كان عندي سؤال أهم.
طب مين اللي وقّع مكاني؟
المحامي مردش على طول. طلع ورقة تانية، وقارن بين التوقيع الموجود فيها والتوقيع اللي على الورقة اللي خطفها أخويا مني.
وبعد لحظات، قال
أنا مش هقدر أتهم حد بالتزوير لمجرد إن التوقيع مختلف، لكن فيه حاجة لازم تتفحص رسميًا. والأهم إن فيه إقرار قديم مكتوب بخط إيد والدك، ممكن يوضح مين كان مسؤول عن الاحتفاظ بالأوراق.
أمي قامت من مكانها فجأة وقالت الإقرار ده أنا أعرفه!
كلنا بصينا لها.
قربت من المحامي، ومدت إيدها ناحية الورقة، لكن إيديها كانت بتترعش.
محمود كتب الإقرار ده قبل وفاته بأسبوعين، وساعتها طلب مني أحافظ عليه، وقاللي لو حصل أي خلاف على الشقة، أسلمه ليوسف بنفسه.
بصيتلها بصدمة وإنتي مخبياه كل السنين دي يا أمي؟!
أمي نزلت عينيها وقالت أنا مكنتش عارفة إن فيه حد غيّر الورق. كنت فاكرة إن إخواتك بيقولوا الحقيقة، ولما سلمى بدأت تسأل، خفت أواجههم وأكون بظلمهم. لكن لما شوفتهم بيطالبوك تطلق مراتك بدل ما يثبتوا إنهم على حق، بدأت أشك إن فيه حاجة أكبر من مجرد خلاف عائلي.
أختي منى انهارت في العياط، وقالت أنا كنت عارفة إن فيه فلوس اتصرفت من تمن الشقة، لكن مكنتش أعرف إن فيه ورقة ممكن تكون اتعملت من غير علم يوسف!
لفيت ناحيتها وقلت وإنتي ليه سكتّي لما كنتوا بتهينوا سلمى؟!
منى مسحت دموعها وقالت عشان كنت خايفة أخسر إخواتي، وخايفة أعترف إني شاركت في السكوت على حاجة غلط. كل مرة كنت بقول لنفسي إن الموضوع هيتحل، وإن الفلوس هترجع، وإن محدش هيتضرر.
سلمى كانت واقفة بعيد، بتسمع الكلام من غير ما تقاطع حد.
بصيتلها، وافتكرت كل مرة اتهمتها فيها إنها بتكبر المشاكل، وكل مرة طلبت منها تسكت عشان خاطر أمي وإخواتي.
قربت منها وقلت أنا آسف يا سلمى. أنا كنت بسمع صوت اللي قدامي، لكن عمري ما حاولت أفهم إنتي بتقولي إيه.
سلمى بصتلي بحزن وقالت أنا مش مستنية منك كلام حلو يا يوسف. أنا كنت محتاجة تحس بيا قبل ما نوصل لكل ده. ومع ذلك، أنا مش هقول إن اللي عملته لما رميت الشبشب كان صح، لأن الغلط غلط. لكن الغلط ده ميديش لحد الحق إنه يهينني أو يحاول يهد بيتي.
هزيت راسي، وكنت عارف إنها عندها حق.
لكن قبل ما أقدر أرد، المحامي فتح آخر جزء في الملف، وطلع ظرفًا أبيض صغيرًا مكتوبًا عليه بخط أبويا
يتسلم ليوسف وحده إذا حاول أي شخص حرمانه من حقه.
إيدي اتجمدت وأنا بمدها ناحية الظرف.
أخويا الكبير قام بسرعة وقال يا أستاذ فؤاد، الظرف ده ملوش أي لازمة دلوقتي، ومش من حقك تفتحه قدامنا!
المحامي رد بهدوء الظرف موجه ليوسف، وهو صاحب القرار في إنه يقرأه أو لأ.
مسكت الظرف وفتحته، ولقيت جواه ورقة واحدة مكتوبة بخط أبويا اللي عمري ما أنساه.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
ابني يوسف، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى غالبًا حصل خلاف بينك وبين إخواتك على حقك. أنا مش عايزك تظلم حد، ولا عايزك تقطع رحمك، لكن عايزك تعرف إن العيلة مش معناها إنك تتنازل عن حقك وتسكت عن الظلم.
ولو لقيت نفسك يومًا مضطر تختار بين رضا الناس وبين الحق، افتكر إن رضا الناس بيتغير، لكن الحق لو ضاع، ممكن يضيع معاه عمر كامل.
سكتُّ لحظة، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
لكن تحت الكلام ده، كان فيه سطر أخير، مكتوب بحروف أكبر من باقي الرسالة.
قرأته، وحسيت إن قلبي وقع من مكانه
وأهم حاجة يا يوسف، متصدقش أي حد يقولك إن الشقة كانت كل أملاكي... لأن فيه ملك تاني باسمك، وأنا أخفيت مكان مستنداته لسبب محدش يعرفه غير أمك.
رفعت عيني ببطء ناحية أمي.
ملك تاني؟! إيه الملك التاني ده يا أمي؟!
أمي حطت إيديها على وشها، وبعدها بصت للمحامي وقالت بصوت مرتعش
أنا كنت أتمنى إن اليوم ده ميوصلش أبدًا... لأن لو يوسف عرف حقيقة الملك التاني، مش بس هيعرف مين أخد حقه في الشقة، ده كمان هيعرف ليه أبوه كان خايف عليه من أقرب الناس ليه!
أخويا الكبير رجع لورا خطوتين، ووشه بقى أصفر، وبعدين قال بصوت واطي
يا أمي، أرجوكي... مش قدامهم!
أنا وقفت وبصيتله، ولأول مرة في حياتي ما خفتش من زعله ولا من تهديده.
قلتله لأ يا أخويا، المرة دي الكلام هيتقال كله. أنا خسرت ثقتي فيكم، ومش هسمح إن حد يقرر عني أنا أستحق أعرف إيه عن أبويا وحقوقي.
المحامي قفل الملف، وقال قبل ما نكمل، لازم تعرفوا إن المستندات اللي معايا مش كفاية لوحدها لإثبات كل التفاصيل. لازم نراجع السجلات الرسمية، ونتأكد من الملكية والتوقيعات، وبعدها كل واحد يتحمل مسؤولية تصرفاته.
لكن أمي هزت راسها وقالت فيه حاجة تانية لازم يوسف يعرفها قبل ما يبدأ أي إجراءات.
وبعدين قربت مني، ومسكت إيدي، وقالت
الملك التاني ده يا ابني، أبوك اشتراه قبل وفاته بسنين، وكان بيجهزه ليك من يوم ما اتجوزت سلمى... لكن يوم ما عرف إن فيه حد من العيلة بيحاول يتصرف في أملاكه من وراه، غيّر رأيه في حاجة مهمة جدًا.
بصيتلها وسألتها غيّر رأيه في إيه؟!
أمي بصت ناحية أخويا الكبير، وقالت
غيّر اسم الشخص اللي كان ناوي يسلّمه المستندات الأصلية... والاسم اللي كتبه مكانه كان اسم سلمى!
ولما أخويا سمع اسم مراتي، صرخ وقال مستحيل! هي ما كانش المفروض تعرف مكان الورق ده أبدًا!
في اللحظة دي، فهمت إن سلمى كانت عارفة أكتر بكتير مما قالتلي... لكن لسه مكنتش أعرف إيه اللي خلا أبويا يختارها هي بالذات، ولا إيه السر اللي كان مستخبي في الملك التاني.
يتبع...
أول ما أخويا صرخ وقال إن سلمى ما كانش المفروض تعرف مكان الورق، لفيت ناحيتها بسرعة وسألتها
سلمى، إنتي تعرفي مكان الورق ده؟! وإيه اللي أبويا كان مخبيه عننا؟!
سلمى هزت راسها وقالت
والله يا يوسف، أنا ما أعرفش مكان أي ورق. أنا نفسي اتصدمت لما سمعت اسمّي في كلام حماتك. كل اللي أعرفه إن أبوك قبل ما يتوفى بكام شهر، طلب مني طلب غريب، وأنا وقتها ما فهمتش قصده.
المحامي
متابعة القراءة