مراتي رمت شبشبها حكايات مني السيد
الصورة.
كان فيه جيب ورقي صغير مخفي خلفها.
جواه مفتاح نحاسي صغير، وورقة مكتوب فيها رقم خزانة، واسم بنك.
بصيت للمحامي وسألته
هو أبويا كان عنده خزنة في البنك؟
رد
ممكن، لكن الرقم والاسم محتاجين تحقق رسمي. ما نقدرش نفترض إن الخزنة لسه موجودة أو نعرف محتوياتها من الورقة دي بس.
أخويا الكبير، اللي كان واقف عند الباب، اتغيرت ملامحه تمامًا.
قال بصوت منخفض
المفتاح ده... إنتوا لقيتوه فين؟!
لفيت ناحيته بسرعة.
إنت تعرف المفتاح ده؟!
اتلخبط، وبعدها قال
لأ، بس... أنا شفت واحد شبهه قبل كده.
المحامي سأله
فين؟
أخويا مردش.
وفجأة، تليفونه رن.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، وشه اتغير. رفض المكالمة، لكن التليفون رن تاني.
المرة دي، خرج برا المخزن عشان يرد.
سلمى قربت مني وهمست
يوسف، أنا مش عايزة أظلم حد، بس واضح إن فيه شخص تاني عارف موضوع الخزنة، وأخوك مش عايزنا نعرف هو مين.
بعد دقائق، أخويا رجع، وحاول يتكلم بشكل طبيعي، لكن المحامي لاحظ إنه بيخبي إيده في جيبه.
قاله
هل فيه حاجة حابب توضحها قبل ما ننهي معاينة المكان؟
أخويا هز راسه بالنفي، وبعدها قال إنه لازم يمشي.
لكن قبل ما يخرج، بصلي وقال
يا يوسف، اسمع نصيحتي للمرة الأخيرة. انسَ موضوع المبنى والخزنة، وخد مراتك وروح بيتك. أنا مستعد أرجعلك أي فلوس بتقول إنها ضاعت، بس بشرط إن الموضوع ينتهي هنا.
بصيتله باستغراب.
ترجعلي فلوس إيه؟! إنت لسه من شوية بتقول إن مفيش حاجة حصلت!
سكت، وعرفت من سكوته إنه قال أكتر مما كان ناوي يقوله.
المحامي طلب منه أي اتفاق مالي يكون مكتوبًا وواضحًا، وإننا ما ناخدش أي قرار قبل مراجعة المستندات.
لكن أخويا رفض، وخرج من المخزن بسرعة.
وقفت مكاني، وأنا حاسس إن الحقيقة قربت، لكن لسه فيه جزء مهم ناقص.
وفجأة، سلمى لاحظت إن الورقة اللي كان عليها رقم الخزانة فيها كتابة صغيرة جدًا عند الحافة.
قربتها من النور، وبدأت تقراها بصوت واطي
لو وصلت للمفتاح، متروحش البنك قبل ما تعرف مين كان بيستلم الإيجار كل شهر.
رفعت عينيها ناحيتي، وقالت
يا يوسف، أبوك كان بيحذرك من حاجة محددة... مش من مجرد سرقة فلوس.
المحامي فكر لحظة، وبعدها قال
لو فيه إيرادات إيجار مرتبطة بالمبنى، لازم نراجع العقود والإيصالات، ونعرف مين كان له حق التحصيل، وهل فيه تفويض رسمي ولا لأ.
خرجنا من المخزن ومعانا صور موثقة للمستندات اللي لقيناها، وقررنا نبدأ بمراجعة سجلات الملكية والحسابات قبل ما نتحرك ناحية البنك.
لكن وأنا راكب العربية، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول
أستاذ يوسف؟ أنا كنت شغال مع والدك في المبنى التجاري، ولازم أقابلك قبل ما تروح البنك.
سألته بقلق
حضرتك مين؟ وعايز تقابلني ليه؟
رد بصوت متوتر
اسمي عماد، وأنا كنت مسؤول عن تحصيل الإيجارات فترة من الزمن. فيه حاجة اكتشفتها بعد وفاة والدك بسنين، لكني خفت أتكلم.
سألته
حاجة إيه؟!
سكت ثواني، وبعدها قال
الشخص اللي كان بيستلم الإيجارات باسم والدك مش أخوك الكبير... الشخص ده كان معاه توكيل رسمي باسم حد تاني من العيلة!
وقبل ما أقدر أسأله عن الاسم، قال
هبعتلك صورة المستند اللي عندي، وساعتها هتفهم ليه أبوك كان مصرّ إنك تعرف الحقيقة بنفسك.
قفلت المكالمة وأنا ببص لسلمى، ولقيتها بتبصلي بقلق.
وبعد أقل من دقيقة، وصلتني رسالة فيها صورة مستند قديم.
فتحتها، وكبرت الصورة، ولما شفت الاسم المكتوب في خانة الوكيل، حسيت إن كل اللي عرفته لحد دلوقتي ممكن يتغير.
الاسم كان اسم أمي!
لكن السؤال اللي وقف في دماغي كان أصعب من أي سؤال فات
هل أمي كانت بتحاول تحميني طول السنين دي، ولا كانت تعرف أكتر بكتير مما اعترفت بيه؟
يتبع...
فضلت باصص لصورة التوكيل على الموبايل، وبحاول أستوعب اللي شايفه.
اسم أمي كان مكتوب بوضوح في خانة الوكيل، وتحت الاسم تاريخ يرجع لسنة قبل وفاة أبويا.
بصيت لسلمى وقلت
هو أنا كده المفروض أشك في أمي كمان؟! يعني كل واحد في العيلة طلع مخبي عني حاجة؟!
سلمى مسكت إيدي وقالت بهدوء
متستعجلش يا يوسف. وجود توكيل باسم أمك مش معناه إنها عملت حاجة غلط. ممكن أبوك يكون اداها التوكيل عشان تحافظ على حقك، وممكن يكون فيه تفاصيل إحنا لسه منعرفهاش. لازم نسمع منها ونشوف أصل الورق.
كلامها خلاني أهدى شوية، وقررت أتصل بأمي وأسألها عن التوكيل.
أول ما ردت، قلتلها
يا أمي، أنا محتاج أسألك سؤال، وعايزك تجاوبيني بصراحة مهما كانت الإجابة.
قالت بقلق
خير يا ابني؟ حصل حاجة في المخزن؟
قلت
وصلني مستند عليه اسمك، وبيقول إن أبويا عملك توكيل يخص المبنى التجاري. إنتي كنتي بتستلمي الإيجارات بنفسك؟
سكتت أمي فترة طويلة، لدرجة إني افتكرت إن المكالمة قطعت.
وبعدين سمعتها بتتنهد وقالت
أيوه يا يوسف، كنت بستلم الإيجارات فترة من الزمن، لكن مش بالطريقة اللي إنت فاهمها.
قلبي اتقبض.
يعني إيه يا أمي؟!
ردت وهي بتعيط
أبوك قبل وفاته طلب مني أتابع المبنى وأجمع الإيجارات، وأحتفظ بكل جنيه في حساب منفصل، لحد ما تكبر وتبقى قادر تدير أملاكك بنفسك. وكان عندي توكيل رسمي يسمحلي أتابع الإجراءات اللي تخص المبنى.
سألتها بسرعة
طب الفلوس راحت فين؟!
قالت
جزء منها كان بيتحط في الحساب، وجزء اتصرف في مصاريف ضرورية للمبنى، وكل ده كان المفروض يكون له حسابات وإيصالات. لكن بعد وفاة أبوك، أخوك الكبير عرض عليا إنه يساعدني في الإدارة، وقاللي إنه هيتولى متابعة المستأجرين والحسابات بدل مني.
حسيت إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه فيه حاجات كتير مش مفهومة.
قلت
وإنتي وافقتي إزاي من غير ما تعرفيني؟!
ردت بحزن
لأني كنت فاكرة إن أخوك بيحافظ على حقك، وإنه هيعمل اللي أبوك طلبه. وأنا كمان كنت بخاف من الخلافات، فكنت بسيب له تفاصيل كتير. لكن لما بدأت أسأله عن الحسابات، كان يقولي إن كل حاجة تمام، وإنك مش محتاج تعرف التفاصيل دلوقتي.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
ولما سلمى سألتني عن موضوع الشقة، بدأت أشك إن فيه حاجات مش مظبوطة، لكني مكنتش معايا دليل يخليني أتهم ابني.
قفلت المكالمة وأنا حاسس إني مش عارف أفرح إن أمي أخيرًا اتكلمت، ولا أزعل إنها سكتت كل السنين دي.
سلمى بصتلي وقالت
دلوقتي عندنا طريق واضح. لازم نراجع أصل التوكيل، ونطلب كشف حساب للإيرادات والمصروفات، ونفصل بين حقك في المبنى وبين موضوع الشقة. كل حاجة لازم تتراجع لوحدها.
هزيت راسي وقلت
عندك حق. المرة دي مش هحكم على حد قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
تاني يوم، قابلنا الأستاذ فؤاد في مكتبه، ومعاه المستندات اللي لقيناها في المخزن.
بعد مراجعة أولية، قالنا إن التوكيل وحده مش كفاية عشان نعرف إذا كانت كل التصرفات اللي حصلت صحيحة ولا لأ، وإننا محتاجين نراجع أصل التوكيل، وعقود الإيجار، وأي مستندات تخص تحويل الفلوس.
وبالفعل، بدأنا نجمع الأوراق المطلوبة.
وأثناء ما كنا بنراجع التواريخ، لاحظ المحامي إن فيه فترة زمنية كاملة مفيش عنها أي حسابات واضحة، رغم إن المبنى كان مؤجرًا خلال الفترة دي.
قال
هنا فيه فجوة في الحسابات. لازم نعرف الإيجارات اللي اتجمعت خلال الفترة دي راحت فين، ومين كان مسؤول عنها.
سألته
يعني ممكن نعرف الفلوس راحت لمين؟
رد
لو فيه مستندات كافية، ممكن نحدد مسارها، لكن لازم نراجع السجلات البنكية والإيصالات والعقود قبل ما نستنتج أي حاجة.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان أخويا الكبير.
رديت، فقال من غير مقدمات
يا يوسف، أنا عايز أشوفك لوحدنا. من غير مراتك، ومن غير المحامي.
بصيت لسلمى، وبعدها قلتله
لو عندك حاجة عايز تقولهالي، قولها قدام المحامي. أنا مش هخبي حاجة عن مراتي بعد النهارده.
اتنهد بعصبية وقال
إنت كده بتكبر الموضوع أكتر من اللازم. أنا أخوك، وفيه حاجات لو اتقالت هتندم إنك عرفتها.
قلتله
أنا ندمت بالفعل إني فضلت سنين مش بسأل عن حقي. اتكلم يا أخويا.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا مش هقدر أشرحلك في التليفون. قابلني بكرة، وأنا هجيب لك دفتر الحسابات القديم.
قفلت المكالمة، وفضلت أفكر في كلامه.
سلمى سألتني
إنت مصدقه؟
قلت
مش عارف. لكن لو فعلًا معاه دفتر الحسابات، ممكن ده يساعدنا نفهم اللي حصل.
ردت
خليك مستعد إنك تسمع حاجات مش على هواك، لكن متخليش حد يضغط عليك عشان تتنازل عن حقك أو تتهم حد من غير دليل.
تاني يوم، رحت مكتب المحامي في الموعد اللي اتفقنا عليه مع أخويا.
لكني اتفاجئت إنه جاي لوحده، ومن غير أي دفتر حسابات.
قعد قدامي، وحط إيديه على الترابيزة، وقال
يا يوسف، أنا عارف إني غلطت في حاجات، لكن لازم تفهم الظروف اللي كنت فيها.
قلتله
أنا سامعك. اتكلم.
بدأ يحكي إن المشروع اللي دخل فيه بعد بيع الشقة اتعرض لخسائر كبيرة، وإنه اضطر يستخدم جزء من الفلوس عشان يسدد ديون مستحقة، وإنه كان ناوي يرجع المبلغ أول ما أموره تتحسن.
سألته
طب ليه قلت إنك معاك موافقتي على البيع؟ وليه فيه ورقة بتوقيع منسوب ليا وأنا ممضيتش عليها؟
نزل عينيه وقال
أنا كنت فاكر إني هقدر أصلح كل حاجة قبل ما تعرف.
قلت بغضب
تصلح إيه؟! إنت كنت بتبني حياتك على حق مش حقك، وبتطلب مني أطلق مراتي عشان متتكلمش عن اللي اكتشفته!
رفع راسه بسرعة وقال
أنا مكنتش عايزك تطلقها عشان الفلوس بس!
الكلمة دي خلتني أسكت.
سألته
يعني إيه؟ فيه سبب تاني؟
فضل ساكت، وبعدها قال
أنا كنت خايف إن سلمى توصل لحاجة تخص أبوك، حاجة لو ظهرت هتخليني أواجه أسئلة أنا مش مستعد لها.
المحامي سأله فورًا
إيه الحاجة دي؟ وهل ليها علاقة بالمستندات اللي بنراجعها؟
أخويا فرك إيديه، وبصلي وقال
فيه حساب بنكي قديم كان أبويا بيحط فيه جزء من إيرادات المبنى. بعد وفاته، الحساب فضل موجود، لكن حصلت عليه معاملات لازم تتراجع. وأنا مش عارف كل تفاصيلها، لأن فيه مستندات كانت مع شخص تاني.
سألته
مين الشخص ده؟!
أخويا اتردد، وبعدها قال
أختنا منى.
اتصدمت.
منى؟! إنت لسه من شوية بتقول إنها مكنتش عارفة حاجة!
رد بسرعة
أنا مش بقول إنها سرقت حاجة، لكن هي كانت بتساعد أمي في ترتيب الأوراق، وممكن تكون شافت مستندات أنا نفسي مشفتهاش.
المحامي تدخل وقال
مفيش داعي ننقل الاتهامات من شخص للتاني. لو فيه حساب بنكي، هنطلب مراجعة قانونية للمعاملات المتاحة، وهنسمع من كل طرف.
أخويا قام من مكانه، وقبل ما يمشي قاللي
أنا هجيب لك دفتر الحسابات، لكن بشرط واحد متحكمش عليا قبل ما تسمع آخر حاجة عندي.
قلتله
مش هحكم عليك من كلامك، لكن مش هتنازل عن حقي عشان أي حد.
خرج من المكتب، وأنا فضلت قاعد مش قادر أصدق إن الموضوع لسه فيه أسرار جديدة.
بالليل، أختي منى اتصلت بيا، وكانت بتعيط بشدة.
قالت
يا يوسف، لازم أشوفك بكرة. فيه ورق معايا، وأنا خايفة أسلمه لأي حد قبل ما أفهم محتواه.
سألتها
ورق إيه يا منى؟!
قالت
ورق يخص الحساب القديم، وفيه حاجة تخص أمي كمان. أنا مش عايزة أظلمها، لكن مش قادرة أفضل ساكتة.
حاولت أهدّيها، واتفقنا نتقابل في مكتب المحامي تاني يوم.
لما حكيت لسلمى، قالتلي
اسمعها بهدوء، ومتستعجلش في الحكم على أمك أو أختك. ساعات الناس بتسكت من الخوف، وساعات بتسكت عشان تخبي غلطها، وإحنا لازم نعرف الفرق.
تاني يوم، منى وصلت المكتب وهي شايلة ملف أزرق قديم.
قعدت قدامي، وطلعت منه مجموعة إيصالات وصور مستندات، وبعدها قالت
أنا لقيت الورق ده من فترة في دولاب أمي. في الأول افتكرت إنه مجرد حسابات قديمة، لكن لما شفت اسمك وتواريخ التحويلات، فهمت إن فيه حاجة لازم تعرفها.
المحامي بدأ يفحص الأوراق، وطلب منها توضح مصدر كل مستند.
وبعد مراجعة أولية، لاحظ إن فيه تحويلًا ماليًا كبيرًا اتعمل بعد وفاة أبويا بفترة قصيرة، وإن اسم المستفيد مختلف عن اسم أخويا الكبير.
سألتها
الفلوس دي راحت لمين يا منى؟!
منى بدأت تعيط، وقالت
أنا مش عارفة ليه التحويل اتعمل، لكن عندي ورقة تانية بتوضح إن المبلغ كان المفروض يتحفظ لحسابك، مش يتصرف منه.
المحامي رفع عينيه وقال
الورقة دي مهمة، لكن محتاجين نتأكد من صحتها ومن علاقتها بالحساب.
وفجأة، منى بصتلي وقالت
يا يوسف، فيه حاجة لازم تعرفها عن أمي. هي كانت عارفة إن فيه مبلغ اتصرف من الحساب، لكنها كانت فاكرة إنه اتصرف بموافقتك.
حسيت إن قلبي اتقبض.
يعني أمي كانت عارفة؟
منى هزت راسها بسرعة وقالت
كانت عارفة إن فيه تصرف مالي حصل، لكن مش عارفة إذا كانت تعرف كل تفاصيله. وأنا مش عايزة أتهمها بحاجة مش متأكدة منها.
المحامي قفل الملف مؤقتًا وقال
إحنا محتاجين نسمع من والدتك بنفسها، ونراجع أصل المستندات. لحد دلوقتي، عندنا أسئلة مهمة، لكن مفيش نتيجة نهائية نقدر نعلنها.
كنت على وشك أقوم وأروح لأمي، لكن منى مسكت إيدي وقالت
استنى يا يوسف... فيه مستند تاني أنا مخبياه، وكنت خايفة أطلعه.
بصيتلها بصدمة.
مستند تاني؟! ليه مخبياه؟!
ردت بصوت مرتعش
لأنه مكتوب عليه توقيع أمي، وفيه إقرار بخصوص الفلوس... لكن اللي مخوفني مش الإقرار نفسه.
سألتها
أمال إيه اللي مخوفك؟!
طلعت ورقة مطوية من جيبها، وحطتها قدامي.
كان مكتوب في أولها
أقر أنا... بأن المبلغ الذي تم التصرف فيه لم يكن من حقي وحدي، وأنني أتحمل مسؤولية ما حدث...
لكن الاسم الموجود في آخر الورقة ما كانش اسم أخويا، ولا اسم أمي.
كان اسم شخص من خارج عيلتنا، شخص كنت أعرفه كويس جدًا، ومستحيل أتخيل إن اسمه يظهر في قضية تخص ميراث أبويا!
رفعت عيني لمنى وسألتها
إنتي متأكدة إن الورقة دي أصلية؟!
منى ردت
مش متأكدة، وعشان كده جبتها للمحامي. لكن فيه حاجة تانية... الشخص ده اتصل بيا من يومين، وطلب مني أقابله لوحدي، وقاللي إنه مستعد يكشف
كل الحقيقة بشرط واحد.
سألتها بقلق
شرط إيه؟!
منى بصتلي وقالت
إنه يقابل أمي الأول... لأنه بيقول إن أمي هي الوحيدة اللي تقدر تفسر ليه أبوك كتب اسمه في وصيته، رغم إنه عمره ما كان من أفراد العيلة!
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي فرّقت العيلة ورجّعت الحق لأصحابه
فضلت باصص للورقة اللي قدامي، وأنا مش قادر أصدق إن بعد كل اللي اكتشفته، لسه فيه سر أكبر مستخبي.
بصيت لمنى وسألتها
مين الشخص ده يا منى؟! اتكلمي، أنا خلاص تعبت من الأسرار!
منى مسحت دموعها وقالت
اسمه عماد... الراجل اللي كان مسؤول عن تحصيل إيجارات المبنى بتاع أبوك، واللي اتصل بيك قبل كده. لكنه مش مجرد موظف زي ما إحنا فاكرين.
اتصدمت وقلت
أمال إيه حكايته؟!
منى ردت
عماد كان صديق أبوك من أيام شبابه، وكان شريكه في مشروع قديم قبل ما أبوك يشتري المبنى. وبعد وفاة أبوك، فضل يساعد أمي في متابعة الإيجارات، لكن لما اكتشف إن فيه مبالغ بتتسحب من الحساب من غير ما تكون موثقة بشكل واضح، بدأ يسأل عن السبب.
في اللحظة دي، المحامي فؤاد طلب مننا نتواصل مع عماد ونحدد مقابلة في مكتبه، عشان يسمع منه بنفسه ويشوف المستندات الأصلية.
وبالفعل، تاني يوم، عماد وصل المكتب ومعاه حقيبة صغيرة، وأول ما شاف أمي اللي كانت قاعدة مستنيانا، وقف مكانه وقال
يا أم يوسف، أنا عارف إنك زعلانة مني، لكن لازم أقول الحقيقة قبل ما الوقت يفوت.
أمي بصتله بذهول وقالت
إنت عايز تقول إيه يا عماد؟! إنت كمان كنت عارف كل حاجة وساكت؟!
عماد نزل عينيه وقال
أنا سكت فترة طويلة، وده كان غلط مني. لكن أبو محمود، الله يرحمه، قبل وفاته طلب مني أحافظ على مستندات معينة، ولو حصل خلاف على أملاكه، أسلمها ليوسف.
أخويا الكبير، اللي كان حاضر بعد ما المحامي طلب منه ييجي، قام من مكانه وقال بعصبية
كل واحد بقى عنده وصية سرية ومستندات! هو إحنا في مسلسل؟! فين الورق ده من سنين؟!
عماد فتح الحقيبة، وطلع منها دفتر حسابات قديم ومجموعة إيصالات، وبعدها قال
الورق ده بيوضح الإيرادات اللي دخلت من المبنى، والمبالغ اللي اتصرفت منه. وأنا مش جاي أتهم حد، أنا جاي أخلّي يوسف يعرف الحقيقة، وكل واحد يتحمل مسؤولية تصرفاته.
المحامي بدأ يراجع الأوراق، وبعد وقت طويل من المقارنة بين الإيصالات والتواريخ، اكتشف إن جزءًا من إيرادات المبنى اتصرف فعلًا في مشروع أخويا الكبير، وإن فيه مبالغ تانية اتنقلت لحسابات مختلفة.
لكن الأهم إن المستندات ما كانتش كافية لوحدها تثبت مين المسؤول عن كل تحويل، فالمحامي طلب مراجعة الحسابات رسميًا، ومقارنة التوقيعات، والتحقق من كل المعاملات.
أما موضوع الشقة، فكان فيه تنازل منسوب ليا محتاج فحص قانوني، لأنني أنكرت التوقيع عليه، ومافيش دليل يثبت إني استلمت أي مبلغ مقابل التنازل.
بصيت لأخويا وقلت
أنا مش عايز أظلمك، لكن مش هقدر أصدق كلامك بعد النهارده من غير دليل. لو الفلوس دي حقك، أثبت ده. ولو حقي، لازم يرجعلي.
أخويا فضل ساكت، وبعدها قال بصوت مكسور
أنا غلطت يا يوسف.
الكلمة دي كانت أصعب عليه من أي حاجة تانية.
كمل وهو بيبص في الأرض
لما المشروع بدأ يخسر، خفت أعترف لكم إني مش قادر أسدد الديون. استخدمت جزءًا من الفلوس اللي كان المفروض تتحفظ ليك، وقلت لنفسي إني هرجعه أول ما أقف على رجلي. لكن الخسائر زادت، وكل مرة كنت بأجل الاعتراف، كنت بغرق أكتر.
سألته
وورقة التنازل اللي عليها توقيعي؟!
أخويا اتردد، وبعدها قال
أنا مش هقدر أقولك دلوقتي تفاصيل مش متأكد منها. لازم الورقة تتفحص، وأنا مستعد أقدم أي مستندات عندي.
المحامي أكد إن الاعتراف بالتصرف في جزء من الأموال لا يحسم وحده مسألة التوقيع أو المسؤولية القانونية عن باقي المبالغ، وإن كل ده لازم يتراجع رسميًا.
أمي كانت بتعيط، وبعدين بصتلي وقالت
سامحني يا ابني. أنا غلطت لما صدقت كلام إخواتك من غير ما أتأكد، وغلطت أكتر لما كنت بطلب من سلمى تستحمل الإهانة عشان البيت يفضل واقف.
وبصت لسلمى وقالت
حقك عليا يا بنتي. أنا كنت فاكرة إني بحافظ على عيلتي، لكني في الحقيقة كنت بسمح إنك تتوجعي كل مرة وأسكت.
سلمى قربت منها، ومسكت إيديها وقالت
أنا زعلت منك كتير يا أمي، لكن أنا مش عايزة أفضل شايلة جوايا وجع العمر كله. أنا مسامحاكي، بس نفسي من النهارده نتعامل مع بعض باحترام، من غير ما حد يحس إنه أقل من حد.
أمي حضنتها وعيطت، وأنا وقفت أتفرج عليهم، وحسيت إن دي أول مرة من سنين أشوفهم قريبين من بعض بجد.
لكن كان لسه فيه حساب لازم يتعمل.
مرت الشهور، والمحامي تابع الإجراءات الخاصة بالشقة والمبنى، واتراجعت المستندات والحسابات المتاحة.
وأثبتت المراجعة إن جزءًا من الأموال كان حقًا مرتبطًا بنصيبي، وإن فيه تصرفات مالية تمت من غير ما يكون عندي علم أو موافقة ثابتة عليها.
أما التوقيع المنسوب ليا، فبعد فحصه ومراجعة المستندات، ما اتعاملش معاه باعتباره دليلًا كافيًا على موافقتي، واستكمل المحامي الإجراءات اللازمة لتحديد الوضع القانوني الصحيح.
وفي النهاية، توصلت مع أخويا لاتفاق مكتوب، تحت إشراف المحامي، يحدد المبالغ اللي ثبتت مستنداتها، وطريقة ردها على أقساط تناسب قدرته، مع الاحتفاظ بحقي في اللجوء للقانون لو الاتفاق ما اتنفذش.
ما رجعتش علاقتنا زي الأول في يوم وليلة، لكن على الأقل بطلت أعيش وسط الشكوك والوعود اللي ملهاش دليل.
أما أختي منى، فاعتذرتلي عن سكوتها، وبدأت تساعد في جمع الحسابات القديمة، وأمي قررت إنها ما تمضيش على أي ورقة تخص أملاك العيلة من غير ما تفهمها وتراجعها مع مختص.
وبالنسبة لسلمى، رجعت معايا بيتنا بعد ما اتكلمنا بصراحة عن كل اللي حصل.
في أول يوم رجوعها، قعدنا لوحدنا في الصالة، وقلت لها
أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية، وإنك استحملتي مني حاجات كتير كان المفروض أوقفها من زمان.
سلمى بصتلي وقالت
أنا مش عايزاك تختارني ضد أهلك يا يوسف. أنا عايزاك تختار العدل، حتى لو الشخص اللي قدامك هو اللي بتحبه.
مسكت إيديها وقلت
فهمت أخيرًا إن الوقوف جنب أمي مش معناه إني أسمح لحد يظلم مراتي، وإن الحفاظ على إخواتي مش معناه إني أتنازل عن حقي. أنا كنت فاكر إني لما أرضي الكل هحافظ على العيلة، لكني اكتشفت إني كنت بخسر نفسي وبيتي كل يوم.
وبعد أيام، زارتنا أمي، وقعدت مع سلمى في المطبخ تحضر معاها الغدا. كانت أول مرة من سنين أسمع ضحكتهم سوا من غير توتر أو تلميحات جارحة.
أما أخويا، فالعلاقة بينا احتاجت وقت طويل عشان تتصلح. سامحته على قد ما قدرت، لكن ما رجعتش أثق فيه من غير حدود واضحة، لأن صلة الدم مهمة، لكنها مش تصريح مفتوح لأي حد إنه يتصرف في حقوق غيره.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعد مع سلمى، افتكرت كلام أبويا في الرسالة
رضا الناس بيتغير، لكن الحق لو ضاع، ممكن يضيع معاه عمر كامل.
ساعتها فهمت إنه ما كانش بيوصيني بالفلوس ولا بالعقارات بس، كان بيوصيني إني ما أسمحش للخوف من خسارة الناس يخليني أقبل الظلم، ولا أخلّي الغضب يخليني أظلم غيري.
أما شبشب سلمى اللي بدأت بسببه الحكاية، فكان آخر مرة نختلف فيها على اللي حصل، لكنه ما كانش مبررًا للإهانة، ولا كان تهديد إخواتي بالقطيعة مبررًا إني أهد بيتي.
اتعلمت إن الاعتذار عن الغلط مش ضعف، وإن التسامح مش معناه إننا ننسى الحقوق، وإن العيلة الحقيقية مش اللي تجبرك تختار بينها وبين شريك حياتك، لكنها اللي تعرف تحترم حدودك حتى لو اختلفت معاك.
ومن يومها، بقيت مؤمن إن الراجل مش اللي يرضي أمه على حساب مراته، ولا اللي يرضي مراته على حساب أمه... الراجل هو اللي يعدل بينهم، ويحمي كرامة بيته، وما يسمحش لحد يحوّل الحب لصراع على مين يكسب ومين يخسر.
تمت بحمد الله.