انا وابني حكايات زيزي
أنا وابني ركبنا الطيارة اللي جوزي بيقودها من غير ما يعرف لكن اللي قاله في الميكروفون خلّى ابتسامتنا تختفي في ثانية!
الجزء الأول المفاجأة اللي اتحولت لسر غامض
جوزي تايلر بقاله حوالي 9 سنين شغال طيار مدني، لكن ابننا ماسون، اللي عنده 7 سنين، عمره ما ركب طيارة كراكب عادي وأبوه هو اللي بيقودها.
وماسون كان نفسه يعيش التجربة دي من زمان!
كل ما تايلر يلبس هدوم الشغل ويستعد ينزل، ماسون كان يجري ناحيته ويسأله
بابا، إنت النهارده هتسوق طيارة كبيرة؟
وساعات كان يسأله بكل براءة
هو الركاب عارفين إن الطيار اللي بيسوق الطيارة هو بابا بتاعي؟
تايلر كان بيضحك ويقول له
لما تكبر شوية، هخليك تركب معايا رحلة، وساعتها هتعرف بنفسك.
لكن ماسون ما كانش عنده استعداد يستنى لحد ما يكبر!
ومن كام أسبوع، تايلر قال لنا إن عنده رحلة قصيرة يوم السبت لشيكاغو، وإنه هيرجع البيت قبل العشا.
وساعتها لمعت في دماغي فكرة!
حجزت تذكرتين ليا أنا وماسون على نفس الرحلة، من غير ما أقول لتايلر أي حاجة.
خطتي كانت بسيطة نركب الطيارة، ونستخبى عنه طول الوقت، ولما نوصل شيكاغو، نفاجئه بوجودنا!
ماسون أخد الموضوع بجدية كأنه داخل ينفذ مهمة سرية خطيرة.
جهّز السماعات بتاعته، وكيس فيه حلوى الجيلي على شكل دباديب، وكمان رسمة كان راسمها لباباه وهو بيسوق الطيارة.
وفوق الرسمة، كتب بخط كبير ومائل شوية
أحسن طيار في العالم!
لكن إننا نعدّي من المطار من غير ما تايلر يشوفنا، طلع أصعب بكتير مما كنت متخيلة!
كنا واقفين في صالة المطار، وفجأة ماسون شدني من كم هدومي وقال بصوت عالي
ماما! يا مامااا!
بصيت قدامي، واتصدمت لما لقيت تايلر ماشي في صالة المطار، على بُعد أقل من عشرة أمتار مننا!
مسكت إيد ماسون بسرعة، ودخلت بيه محل هدايا، وفجأة لقينا نفسنا واقفين بنتفرج على مغناطيسات التلاجة، وكأن مفيش حاجة في الدنيا أهم منها!
تايلر لف من عند أحد الممرات واختفى، وماسون كان واقف جنبي بيحاول يكتم ضحكته بكل قوته، لدرجة إن وشه احمر من كتر الضحك.
همس لي
ماما، إنتِ شفتي وش بابا لو كان شافنا؟ كان هيقول لنا إيه؟
قلت له وأنا بحاول ما أضحكش
كان هيعرف إنك إنت اللي بوّظت المهمة السرية كلها!
ضحكنا، وبعد شوية قدرنا نوصل لبوابة الصعود من غير ما تايلر يلاحظ وجودنا.
وبالفعل، نجحنا في تنفيذ الخطة!
أول ما ركبنا الطيارة، قعدنا في آخرها بعيد عن عينيه.
ماسون بص حواليه بانبهار، وفضل يتأمل المقاعد والشبابيك وأزرار الإضاءة اللي فوق راسه.
وبعدين قرّب مني وهمس
ماما، تفتكري بابا عارف إننا هنا؟
قلت له بثقة
طبعًا لأ!
رجع سألني
طب ينفع أقول للمضيفة؟
قلت له بسرعة
لأ يا ماسون، اتفقنا إن دي مفاجأة!
فكّر شوية، وبعدين قال
طب لو قلت لشخص واحد بس؟
بصيت له بنظرة تحذير.
ماااسون!
ابتسم، وحط صباعه على شفايفه، وعمل بإيده حركة كأنه بيقفل سوستة على بقه!
بعد كام دقيقة، باب كابينة القيادة اتقفل.
وفجأة، سمعنا صوت تشويش بسيط جاي من مكبرات الصوت.
وبعدها، صوت تايلر ملأ الطيارة كلها!
وش ماسون نور من الفرحة، ومسك إيدي وقال بحماس
ماما، ده بابا! اسمعي صوته!
طلّعت موبايلي عشان أصوّر رد فعله.
كنت متخيلة إني هوري الفيديو لتايلر بعدين، ونفضل نضحك سوا لما يعرف إن ابنه كان قاعد في آخر الطيارة طول الوقت، وهو مش واخد باله منه!
تايلر بدأ يرحّب بالركاب، واتكلم عن حالة الطقس ومدة الرحلة، وبعدها قال واحدة من إفيهاته السخيفة المعتادة اللي دايمًا بيضحك عليها لوحده.
ماسون كان فرحان بشكل مش طبيعي، وعمال يبص لي ويبتسم، وكل شوية يشاور ناحية كابينة القيادة.
لكن فجأة
تايلر سكت!
مرّت ثواني من غير ما نسمع أي صوت، وبعدها رجع يتكلم بنبرة مختلفة تمامًا.
قال
في الحقيقة يا جماعة، قبل ما نتحرك، حابب أقول حاجة مختلفة شوية النهارده.
نزلت موبايلي شوية.
كان فيه حاجة غريبة في نبرة صوته.
تايلر ما كانش باين عليه إنه خايف أو متوتر، لكنه كان جاد بشكل عمري ما سمعته بيه قبل كده، خصوصًا قبل الإقلاع.
وبعدين كمل كلامه
قبل ما نبدأ رحلتنا، حابب أعمل حاجة عمري ما عملتها في أي رحلة قبل كده.
وسكت لحظة، كأنه بيجمع أفكاره، وبعدها قال
النهارده، فيه شخص مميز جدًا موجود معانا على متن الطيارة شخص بالنسبالي هو كل حاجة في الدنيا.
ماسون لف راسه ناحيتي بسرعة، وفتح عينيه على آخرهما.
مامااا! هو عارف إننا هنا!
وللحظة، أنا كمان صدقته!
أكيد تايلر اكتشف وجودنا!
يمكن حد من الموظفين شافنا عند بوابة الصعود وقال له، أو يمكن يكون لمحنا بنفسه من غير ما ناخد بالنا.
ويمكن يكون اكتشف المفاجأة وقرر يقلبها علينا إحنا كمان!
ابتسمت وأنا بتخيل ماسون وهو بيسمع باباه بينادي اسمه من خلال الميكروفون.
كنت خلاص هقوم من مكاني، لكن قبل ما أتحرك، صوت تايلر رجع تاني من مكبرات الصوت.
قال
الشخص المميز اللي موجود معانا النهارده هو ابني ماسون، اللي عنده سبع سنين.
ماسون فتح بقه من الدهشة، وبعدها ابتسم بفخر شديد.
ماما! بابا قال اسمي!
لكن فرحته ما كملتش.
لأن تايلر ما وقفش عند كده.
قال بصوت هادي، لكن كان فيه حزن غريب
فيه حاجات كتير نفسي ابني يفهمها عني، وحاجات كتير كنت أتمنى أقدر أقولهاله من زمان... لكن للأسف، مش كل حاجة بنحبها بنقدر نحافظ عليها.
ابتسامتي اختفت بالتدريج.
إيه اللي بيقوله ده؟
وليه بيتكلم بالطريقة دي قدام كل الركاب؟
ماسون بص لي بقلق وسألني
ماما، هو بابا زعلان مني؟ أنا عملت حاجة غلط؟
قلت له بسرعة
لأ يا حبيبي، أكيد لأ. إنت ما عملتش أي حاجة غلط.
لكن الحقيقة إني أنا نفسي ما كنتش فاهمة حاجة.
تايلر كمل كلامه
من تسع سنين، لما بدأت شغلي كطيار، كنت فاكر إن النجاح معناه إني أوصل لأعلى مكان، وأسافر بلاد كتير، وأحقق كل أحلامي. لكن بعد ما بقيت أب، اكتشفت إن فيه حاجة أهم بكتير من كل ده.
سمعت واحدة من الراكبات بتقول للي جنبها
يا سلام، شكله بيكلم ابنه فعلًا!
حاولت أبتسم، لكن إحساس غريب بدأ يتسلل لقلبي.
تايلر عمره ما كان من النوع اللي يتكلم عن مشاعره قدام الناس. حتى في عيد ميلاد ماسون، لما ابنه جاب له هدية، اكتفى إنه شكره وقال له إنه بيحبه.
فليه النهارده بالذات؟
وليه صوته باين عليه كأنه بيودّع حد؟
وفجأة، قال جملة خلتني أنسى إني موجودة في طيارة وسط عشرات الركاب.
ماسون، لو إنت سامعني دلوقتي، فأنا عايزك تعرف إن فيه قرار مهم أخدته، وكنت مستني اللحظة المناسبة عشان أتكلم معاك عنه.
ماسون فتح عينيه وبص لي بسرعة.
ماما، هو بيتكلم معايا أنا!
ما قدرتش أرد عليه.
لأن صوت تايلر اتغير تمامًا، وقال
والحقيقة إن القرار ده مش سهل عليّ، خصوصًا إني عارف إنه ممكن يغيّر حياتنا كلنا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قرار إيه اللي ممكن يغيّر حياتنا كلنا؟
هل حصلت مشكلة في شغله؟
هل خسر وظيفته؟
ولا فيه حاجة حصلت له ومخبيها عني؟
حاولت أقوم من مكاني، لكن ماسون مسك إيدي بقوة.
ماما، استني! يمكن بابا هيقول حاجة حلوة!
بصيت في عينيه، وشفت الفرحة اللي لسه بتحاول تتمسك بملامحه رغم القلق اللي بدأ يظهر عليه.
قعدت جنبه تاني، وحاولت أهدّيه.
وبعدين جه صوت تايلر من السماعات مرة تانية
أنا عارف إن فيه ناس ممكن تستغرب كلامي، لكن فيه شخص واحد بالذات لازم يعرف الحقيقة قبل ما نوصل لشيكاغو.
في اللحظة دي، سمعت صوت المضيفة وهي بتتكلم في الميكروفون الداخلي، لكن كلامها كان موجه لكابينة القيادة، مش للركاب.
ماكنتش سامعة كل حاجة، لكن قدرت أميز جملة واحدة
كابتن تايلر، إنت متأكد إنك عايز تعمل كده دلوقتي؟
الصمت اللي جه بعدها كان مرعب.
وبعدين تايلر رد عليها بكلمتين بس
أيوه، لازم.
ماسون بدأ يضغط على صوابعه بتوتر، والرسمة اللي كان حاططها على رجله انزلقت ووقعت تحت الكرسي اللي قدامه.
انحنيت أجيبها، ولما رفعتها، لقيته بيبص لي بعيون مليانة دموع.
ماما... هو بابا هيسيبنا؟
السؤال ده خلاني أحس إن قلبي اتعصر جوا صدري.
قلت له بسرعة
ليه بتقول كده يا حبيبي؟
رد بصوت مكسور
عشان هو قال إن فيه قرار هيغيّر حياتنا... وإن مش كل حاجة بنحبها بنقدر نحافظ عليها.
ما لقيتش إجابة.
لأن نفس الكلمات كانت بتدور في دماغي أنا كمان.
وفجأة، سمعت صوت تايلر للمرة الأخيرة قبل ما يعلن عن بدء إجراءات الإقلاع
وفيه حاجة تانية... الحاجة اللي كنت مخبيها عن عيلتي بقالها شهور، واللي مكنتش أعرف إزاي أقولها لهم.
شهقت من غير ما أحس.
بقالها شهور؟!
يعني فيه سر في حياتنا، وأنا عايشة مع جوزي في نفس البيت، وبنام جنبه كل ليلة، ومش عارفة عنه أي حاجة؟
مديت إيدي ناحية موبايلي عشان أتصل بيه، لكن قبل ما أضغط على اسمه، لقيت رسالة وصلت لي منه.
رسالة من تايلر نفسه.
فتحتها وإيدي بتترعش، ولما قريت أول سطر، حسيت إن كل حاجة حواليا اختفت.
كان كاتب
لو إنتِ وماسون على الطيارة فعلًا، متتحركيش من مكانك، ومتخليش ماسون يقوم من كرسيه... لازم تسمعي كلامي للآخر قبل ما تحكمي عليّا.
رفعت عيني ناحية كابينة القيادة، وأنا مش قادرة أصدق.
إزاي عرف إننا موجودين؟ وإيه السر اللي مخبيه عني بقاله شهور؟
لكن قبل ما ألحق أفكر في أي إجابة، ظهر إشعار تاني على الشاشة.
والرسالة دي كانت أقصر وأخطر
افتحي الظرف اللي في شنطتك يا إيميلي... هتلاقي فيه الدليل على كل حاجة.
بصيت لشنطتي اللي كانت محطوطة تحت الكرسي.
أنا ما حطيتش أي ظرف فيها!
مين اللي حطه؟ وإمتى؟
مديت إيدي ناحية الشنطة ببطء، بينما ماسون كان بيبص لي في خوف.
وفجأة، سمعنا صوت المضيفة جاية من الممر وبتقول
مدام إيميلي؟ ممكن تيجي معايا لحظة، لو سمحتي؟ الكابتن تايلر طلب مني أبلغك إنه محتاج يتكلم معاكي أول ما نقدر نتحرك بأمان.
قمت من مكاني وأنا حاسة إن كل خطوة باخدها بتقربني من حقيقة كنت أتمنى ما أعرفهاش أبدًا.
فتحت الشنطة، وشفت طرف ظرف أبيض مستخبي تحت المحفظة.
اسمي كان مكتوب عليه بخط إيد تايلر، وتحته جملة واحدة
سامحيني إني استنيت كل ده.
وقبل ما أفتح الظرف، سمعت صوت تايلر من مكبرات الصوت مرة تانية
إيميلي، لو إنتِ سمعاني دلوقتي، فأنا عايزك تعرفي إن اللي هقوله مش سهل عليّا... لكن الحقيقة عمرها ما هتفضل مستخبية للأبد.
فتحت الظرف، وطلعت منه صورة قديمة ليا أنا وتايلر يوم فرحنا، ومعاها ورقة عليها عنوان بيتنا القديم.
وعلى ضهر الصورة، كان فيه تاريخ من ست شهور بالظبط.
وتحته جملة بخط إيده
اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي، واللي كان لازم أرجع فيه وأقول الحقيقة.
رفعت عيني للمضيفة وسألتها بصوت مخنوق
هو جوزي حصل له حاجة؟ هو تعبان؟
هزت راسها بسرعة.
على حد علمي، الكابتن بخير يا مدام. هو بس طلب مني أتأكد إنك موجودة على الرحلة.
بس إزاي عرف إني هنا؟ أنا ما قلتش لحد!
المضيفة سكتت لحظة، وبعدها قالت
أنا معرفش تفاصيل، لكن فيه حاجة تانية طلب مني أديهالك.
مدت إيدها وناولَتني ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها، ولقيت مكتوب فيها
إيميلي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا أخيرًا بقيت مستعد أواجه الحقيقة اللي هربت منها شهور. متحكميش عليّا قبل ما تسمعي الحكاية كاملة.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
ست شهور!
ست شهور وجوزي مخبي عني حاجة بالحجم ده، وأنا فاكرة إن حياتنا ماشية عادي!
بصيت على الورقتين اللي جوه الظرف. الأولى كان فيها عنوان مكتب محاماة، والتانية كان فيها رقم ملف وتاريخ موعد قديم.
ما فهمتش حاجة.
لكن قبل ما أقدر أقرا باقي التفاصيل، ماسون بص للصورة اللي في إيدي وسألني
ماما، هو ده البيت اللي كنا بنروحه زمان؟
هزيت راسي ببطء.
أيوه، ده كان بيتنا القديم. كنا بنزوره أحيانًا بعد ما نقلنا، لأن تايلر كان بيقول إنه بيحبه وعايز يحتفظ بيه كذكرى من بداية حياتنا.
لكن ليه الصورة دي موجودة في الظرف؟
وليه التاريخ المكتوب عليها هو نفس اليوم اللي اختفى فيه تايلر من البيت لساعات طويلة، ورجع بالليل من غير ما يشرح لي كان فين؟
فاكرة اليوم ده كويس.
ساعتها سألته إذا كان فيه مشكلة في الشغل، فابتسم وقال لي إنه خلص شوية ورق مهم.
وصدّقته.
زي ما صدّقته في كل مرة قال لي فيها إن مفيش حاجة تقلقني.
رجعت أقرا الورقة التانية، ولقيت جملة صغيرة مكتوبة في آخرها
القرار النهائي لازم يتاخد قبل نهاية الشهر.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قرار إيه؟!
رفعت عيني ناحية كابينة القيادة، وفي اللحظة دي، صوت تايلر رجع من السماعات
ركابنا الكرام، هنبدأ إجراءات الإقلاع خلال دقائق. برجاء ربط الأحزمة والالتزام بتعليمات طاقم الضيافة.
كان بيتكلم بنبرة طبيعية جدًا، كأنه ما قالش من شوية كلام قلب حياتي رأسًا على عقب.
لكن قبل ما يقفل الميكروفون، أضاف جملة قصيرة
وأحيانًا، أصعب حاجة في الحياة إنك تعترف بالحقيقة للناس اللي بتحبهم أكتر من نفسك.
ماسون بص لي، وبدأت دموعه تنزل.
ماما، أنا عايز بابا!
قلت له وأنا بحاول أسيطر على صوتي
هنفهم كل حاجة يا حبيبي، أوعدك.
لكن بيني وبين نفسي، كنت مرعوبة من الوعد ده.
لأني ما بقيتش خايفة من إن تايلر يكون مخبي عني مشكلة في شغله، ولا حتى من إنه يكون أخد قرار كبير من غير ما يقولي.
كنت خايفة يكون فيه جزء كامل من حياتنا، جزء عشت معاه سنين، وأنا ما أعرفش عنه أي حاجة.
وبينما المضيفة بتطلب من الركاب ربط الأحزمة، لفت