في ليلة الكريسلمس حكايات زيزي
في ليلة الكريسماس، أبويا وأمي ادّوني شنطة واحدة فيها شوية هدوم، ومنعوني أطلع أوضتي عشان ألم باقي حاجتي، وقالولي أخرج من البيت فورًا والجو برّه 22 درجة تحت الصفر، بحجة إني «فاشلة ومش عارفة أعيش لوحدي»! قضيت الليلة كلها في مطعم فاتح 24 ساعة، ومعايا 22 دولار بس في حسابي البنكي. لكن تاني يوم الصبح، قررت أخيرًا أستخدم الكارت البنكي اللي جدي الله يرحمه كان ادّاهولي، وقالي احتفظي بيه لليوم اللي «تحتاجيه فيه بجد»...
اسمي راشيل دويل، وعندي 32 سنة.
ولحد ليلة الكريسماس دي، كنت لسه مصدقة إن فيه حاجات مستحيل أب وأم يعملوها في ولادهم، مهما حصل.
كنت عايشة في بيت أهلي بقالي سبع شهور.
مش عشان كنت عايزة أرجع أعيش معاهم بعد ما كبرت، لكن عشان علاقة عاطفية فاشلة قلبت حياتي فوق تحت، وخلتني أخسر تقريبًا كل حاجة، واضطريت أبدأ من الصفر.
كنت بشتغل شغلانتين بارت تايم، وبشتري أكلي من فلوسي، وبغسل هدومي بنفسي، وبحاول على قد ما أقدر ما أكونش تقيلة على حد.
كنت بحوش كل دولار يفضل معايا، عشان أول ما أمشي من بيت أهلي، أكون معايا فلوس تكفيني وأقدر أعيش لوحدي من غير ما أضطر أرجعلهم تاني.
كانت ليلة الكريسماس، وكنت فاكرة إن الليلة هتعدّي عادي زي أي ليلة.
لكن حوالي الساعة تسعة بالليل، أمي نادت عليّا وقالتلي أنزل تحت.
لما نزلت، لقيت أبويا قاعد على ترابيزة المطبخ، حاطط إيديه فوق بعض وباصصلي بوش مكشر.
وأختي الصغيرة فانيسا كانت واقفة ساندة على رخامة المطبخ، وعلى وشها ابتسامة مستفزة، نفس الابتسامة اللي بقالها أسابيع بتبصلي بيها، وكأنها مستنية اليوم ده من زمان.
قعدت وسألتهم:
«فيه إيه؟ إنتوا عايزيني ليه؟»
أبويا زق ورقة ناحيتي على الترابيزة.
مسكتها وبصيت فيها، لقيتها ورقة مكتوبة بخط إيده، فيها قائمة بمصاريف الأكل، وفواتير الكهربا والمياه والإنترنت، وكل حاجة زعم إني استهلكتها طول السبعة شهور اللي عشتهم معاهم.
وفي آخر الورقة، كان كاتب مبلغ خلاني أفتح عيني من الصدمة.
أكتر من 4000 دولار!
بصيتله وقلت:
«إيه ده؟! أنا أصلًا بشتري أكلي من فلوسي!»
مردش.
قلتله تاني:
«وبعدين أنا اللي صلحت الماسورة اللي كانت بايظة تحت حوض المطبخ!»
فضل ساكت.
«وأنا اللي دهنت السور اللي ورا البيت!»
ولا كأنه سامعني.
«وكنت أنا اللي بوصل ماما للدكتور ست مرات لما عربيتها كانت في التصليح!»
هنا بقى، أبويا قرر يفتح بقه أخيرًا.
بصلي وقال بكل برود:
«إنتِ طول عمرك عبء علينا، وبتستنزفي فلوسنا.»
بصيتله وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
«نعم؟! أنا؟!»
رد عليّا بمنتهى القسوة:
«أيوه، إنتِ. وإحنا خلاص زهقنا من إننا نفضل نصرف عليكي ونشيل مسؤوليتك.»
بصيت لأمي، مستنية منها تقول كلمة واحدة تدافع عني بيها.
لكنها كانت باصة للأرض، وكأنها مش عايزة تشوفني أصلًا.
أما فانيسا، فكانت بتصب لنفسها كوباية مية بكل هدوء، كأن مفيش أي حاجة بتحصل، وكأننا بنتكلم عن الجو مش عن إن أبويا وأمي بيطردوني من البيت!
وفجأة، أبويا قام من مكانه، وراح ناحية دولاب المدخل، وطلع منه شنطة.
شنطة كانت مجهزة ومتقفلة من قبلها!
حطها قدامي جنب الترابيزة.
فتحتها، لقيت فيها كام قطعة هدوم، وشاحن موبايلي، وفرشة أسنان.
بصيتله بصدمة وقلت:
«إيه ده؟! يعني إنتوا مجهزين شنطتي من ورايا؟!»
قال بمنتهى البرود:
«دي حاجتك اللي هتاخديها دلوقتي. باقي حاجتك هتيجي تاخديها بعد الكريسماس.»
قمت من مكاني وقلتله:
«لأ، أنا هطلع أجيب حاجتي بنفسي دلوقتي.»
لكن أبويا اتحرك ووقف قدام السلم، وسد الطريق عليّا.
قال بصوت حاد:
«مش هتطلعي في حتة.»
بصيتله وقلت:
«يا بابا، هدومي وحاجتي كلها فوق! إنت مش ممكن تكون بتتكلم بجد!»
رد عليّا من غير ما يرمش:
«إنتِ هتخرجي من البيت ده الليلة، حالًا.»
لفيت وشي ناحية أمي، وأنا لسه عندي أمل إنها تتدخل، أو حتى تقول لأبويا إنه مينفعش يعمل كده.
ولأول مرة، أمي رفعت عينيها وبصتلي.
لكن الكلام اللي خرج من بقها وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
قالتلي بصوت واطي:
«إنتِ مش بتعرفي تعملي أي حاجة لوحدك يا راشيل.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«عمرك ما عرفتي تعتمدي على نفسك.»
وبعدها قالت الكلمة اللي فضلت ترن في ودني:
«إنتِ فاشلة ويائسة، ومش عارفة تعملي حاجة في حياتك.»
اتجمدت مكاني.
مش مصدقة إن دي أمي اللي بتكلمني كده!
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه مستنياني برّه.
شلت الشنطة وخرجت من البيت، والجو كان تلج حرفيًا، والحرارة 22 درجة تحت الصفر.
وقفت قدام الباب كام ثانية، مستنية حد فيهم يراجع نفسه، أو يفتح الباب ويقولي ارجعي، أو حتى يناديني باسمي.
لكن اللي حصل إن الباب اتقفل في وشي.
وبعدها سمعت صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون.
أبويا وأمي قفلوا الباب في وشي فعلًا، وسابوني أواجه مصيري لوحدي!
ركبت عربيتي وفضلت قاعدة جواها حوالي ساعة كاملة.
كان عندي أصحاب أقدر أكلمهم، لكن مكنتش قادرة أتخيل نفسي برن على حد في ليلة الكريسماس وأقوله:
«أهلي طردوني من البيت، ممكن أنام عندك الليلة؟»
كنت حاسة بإهانة عمري ما حسيتها قبل كده.
وكل شوية، كنت بسمع صوت أمي في دماغي وهي بتقولي:
«إنتِ فاشلة ويائسة.»
لكن مع مرور الوقت، حصل جوايا تغيير غريب.
الإحساس بالذل بدأ يتحول لغضب.
مش غضب من النوع اللي يخليك تزعق وتكسر الدنيا.
لأ، كان غضب هادي، بيخليك فجأة تشوف الناس على حقيقتها، وتفهم حاجات كنت طول عمرك بتتجاهلها.
وفجأة، افتكرت حاجة كنت ناسيّاها تمامًا.
الكارت البنكي اللي جدي أوين ادّاهولي قبل ما يموت.
جدي مات من تلات سنين، وقبل وفاته بفترة، ادّاني كارت بنكي ومعاه ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيده.
كان كاتب فيها:
«احتفظي بالكارت ده يا راشيل، واستخدميه بس لما تحتاجيه بجد. أوعي تلمسيه قبل الوقت المناسب.»
ومن يومها، وأنا حاطة الكارت ورا رخصة السواقة في محفظتي.
عمري ما استخدمته، ولا حتى حاولت أعرف فيه كام.
كنت متوقعة إن ممكن يكون فيه كام مية دولار، مبلغ صغير يساعدني لو وقعت في أزمة.
لكن الحقيقة إن الكارت كان غالي عندي لسبب تاني.
كان آخر حاجة فاضلة معايا من جدي، والراجل ده كان من أقرب الناس لقلبي.
وأنا قاعدة في العربية، جسمي بيترعش من البرد، ومعايا 22 دولار بس في حسابي البنكي، قلت لنفسي:
«لو ده مش الوقت اللي جدي كان يقصده، أمال إمتى؟!»
البنك كان مقفول لحد الصبح، فمقدرتش أروح أستفسر عن الكارت.
سقت عربيتي لحد ما وصلت لمطعم شغال 24 ساعة.
دخلت وطلبت أرخص فنجان قهوة عندهم، وقعدت في ترابيزة بعيدة في الركن.
فضلت قاعدة هناك طول الليل، بحاول أستوعب إزاي حياتي اتقلبت بالشكل ده في ساعات قليلة.
لحد ما الشمس طلعت أخيرًا.
صباح يوم الكريسماس، الساعة تسعة بالظبط.
البنك فتح أبوابه، فروحتله على طول.
دخلت وأنا لسه لابسة نفس الهدوم اللي قضيت بيها الليلة اللي فاتت، ووشي باين عليه التعب والسهر.
استقبلني مدير الفرع، وكان اسمه آرثر.
طلعت الكارت من محفظتي وناولتهوله، وقلت:
«جدي ادّاني الكارت ده من سنين، وأنا عمري ما استخدمته. بصراحة، أنا حتى مش عارفة إيه الحساب المرتبط بيه، ولا فيه فلوس قد إيه.»
آرثر أخد الكارت وراح ناحية الكمبيوتر.
عدّت دقيقة.
وبعدين دقيقة تانية.
وفجأة، لاحظت إن ملامح وشه اتغيرت.
كان من شوية بيتعامل معايا بشكل عادي، لكن دلوقتي بقى باصص للشاشة بتركيز شديد، وكأنه مش مصدق اللي شايفه.
لف ناحيتي وقال:
«مدام؟»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلتله:
«أيوه؟ فيه إيه؟»
سحب كرسي من جنبه، وأشارلي أقعد.
وقال بهدوء:
«من فضلك، اتفضلي اقعدي شوية.»
في اللحظة دي، حسيت إن رجلي مش شيلاني.
طريقته خوفتني، وبدأت أفكر في كل الاحتمالات.
هو الحساب فيه مشكلة؟ الكارت بايظ؟ جدي كان سايب عليّا ديون وأنا معرفش؟
آرثر لف شاشة الكمبيوتر ناحيتي ببطء.
وبصيت للشاشة.
رصيد الحساب: 473,000 دولار!
فضلت باصة للرقم، مش قادرة أستوعب.
قريته مرة.
وبعدين رجعت قريته تاني.
وبعدين بصيت لآرثر وقلت:
«لأ، أكيد فيه غلط! مستحيل يكون المبلغ ده حقيقي!»
آرثر راجع البيانات مرة تانية، وبعدها بصلي وقال:
«لأ يا مدام، مفيش أي غلط. المبلغ صحيح.»
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أربعمية تلاتة وسبعين ألف دولار!
أنا اللي كنت من كام ساعة قاعدة في عربيتي ومعايا 22 دولار بس، ومش عارفة هنام فين!
آرثر بدأ يشرحلي تفاصيل الحساب.
اتضح إن الحساب اتفتح باسمي وأنا عندي 15 سنة.
جدي أوين هو اللي حط فيه أول مبلغ، وبعد كده فضل يضيف فلوس على مدار السنين.
ومع الوقت، الفوايد اتراكمت والمبلغ كبر أكتر وأكتر.
وآخر مبلغ جدي أودعه في الحساب كان قبل وفاته بحوالي ست أسابيع.
آرثر بصلي وقال:
«إنتِ المالكة الوحيدة للحساب، ومفيش أي حد تاني عنده صلاحية يسحب منه فلوس أو يتحكم فيه.»
كنت لسه بحاول أستوعب كل اللي بسمعه، لكن فجأة لاحظت إن آرثر بقى متردد، وكأنه فيه حاجة تانية عايز يقولهالي ومش عارف يبدأ منين.
بصلي وقال:
«بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.»
قلبي انقبض.
سألته:
«حاجة إيه؟»
قال إن فيه ملاحظة متسجلة على الحساب.
وبحسب السجلات، بعد وفاة جدي بحوالي سنتين، فيه شخص جه البنك بنفسه، وطلب معلومات عن الحساب.
لكن موظفين البنك رفضوا يدّوله أي معلومات، لأنه مش صاحب الحساب، ومش من حقه يعرف أي تفاصيل عنه.
بصيت لآرثر، وحسيت إن جوايا إحساس غريب بيقولي إني عارفة الشخص ده قبل حتى ما أسمع اسمه.
بلعت ريقي وسألته:
«مين الشخص ده؟»
آرثر بص في السجل قدامه، وبعدها رفع عينيه وبصلي.
وقال اسم واحد بس.
«والدك... أبوكي يا راشيل.»
اتجمدت مكاني.
أبويا؟!
أبويا راح البنك بعد وفاة جدي بسنتين، وحاول يعرف معلومات عن الحساب اللي جدي سايبهولي؟!
ليه؟!
كان عايز يعرف جدي سايبلي كام؟
وهل كان يعرف من البداية إن فيه فلوس باسمي؟
ولو كان يعرف، ليه طردني من البيت ليلة الكريسماس، ومنعني حتى إني ألم هدومي؟
فجأة، كل اللي حصل الليلة اللي فاتت بدأ ياخد معنى مختلف تمامًا.
الورقة اللي كتب فيها مصاريف وهمية.
والشنطة اللي كانت مجهزة قبل ما أنزل.
وإصراره إني أمشي فورًا، من غير حتى ما آخد باقي حاجتي.
وابتسامة أختي اللي كانت واقفة تتفرج وكأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
كل حاجة بدأت تبان قدامي بشكل مختلف.
لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي:
#حكايات_زيزي
أبويا كان عارف إن جدي سايبلي ثروة، وكان بيحاول يوصلها من ورايا... لكن يا ترى إيه اللي كان مستعد يعمله عشان يحط إيده على الفلوس دي؟ووووو
آرثر فضل باصصلي، وكأنه مستني يشوف رد فعلي بعد ما قالي إن أبويا جه البنك بنفسه، وحاول يعرف معلومات عن الحساب اللي جدي سايبهولي.
كنت قاعدة قدامه، وإيدي بتترعش، ومش قادرة أستوعب إن الراجل اللي طردني من بيته في ليلة الكريسماس، وسابني في البرد من غير حتى ما يخليني آخد هدومي، ممكن يكون وراه سر أكبر بكتير من اللي تخيلته.
بصيت لآرثر وسألته:
«هو أبويا جه هنا لوحده؟ ولا كان معاه حد؟»
آرثر رجع للسجل، وفضل يقلب في البيانات شوية، وبعدها قال:
«حسب الملاحظة المسجلة، هو جه لوحده. وكان مُصرّ يعرف قيمة الحساب، وطلب من الموظف إنه يتأكد إذا كان والدك، يعني جدك أوين، سايب أي تعليمات تسمح له بالتصرف في الفلوس.»
حسيت ببرودة بتجري في جسمي رغم إن التدفئة في البنك كانت شغالة.
أبويا مكنش بس عايز يعرف فيه كام فلوس.
ده كان بيدور على طريقة تخليه يقدر يتحكم فيها!
سألته بسرعة:
«والموظف قاله إيه؟»
رد آرثر:
«قاله إن الحساب باسمك إنتِ، وإن مفيش أي صلاحية تسمح له يتصرف فيه. وبعدها والدك مشي.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«بس فيه تفصيلة مهمة جدًا يا راشيل. الحساب عليه تعليمات خاصة متسجلة من جدك، ودي لازم نراجعها مع بعض قبل ما تعملي أي إجراء.»
قلبي دق بسرعة.
«تعليمات إيه؟ جدي كان كاتب إيه؟»
آرثر طلب مني إثبات هويتي، وبعد ما اتأكد من بياناتي، دخل على ملف الحساب الكامل.
فضل يقرأ في الشاشة، وكل شوية يرجع لسطر معين كأنه بيتأكد من حاجة.
وفجأة، رفع عينيه وقال:
«جدك كان حريص جدًا إن الفلوس دي تكون تحت سيطرتك إنتِ، مش تحت سيطرة أي حد من أفراد العيلة.»
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
جدي أوين كان دايمًا مختلف عن باقي عيلتي.
كان الوحيد اللي بيسمعني من غير ما يحكم عليّا، والوحيد اللي لما كنت بغلط، كان بيساعدني أفهم غلطتي بدل ما يفضل يفكرني بيها طول عمري.
وقبل ما يموت، قاللي جملة فضلت فاكرها، رغم إني وقتها مفهمتش معناها:
«يا راشيل، مش كل الناس اللي بتقول إنها خايفة عليكي بتكون فعلًا عايزة مصلحتك. وفي يوم، هتعرفي مين اللي بيحبك بجد من غير ما يستنى منك أي مقابل.»
ساعتها افتكرت إنه بيتكلم عن الحياة عمومًا.
لكن وأنا قاعدة في البنك، بدأت أحس إنه كان عارف حاجة أنا معرفهاش.
آرثر طبعلي مجموعة أوراق، وطلب مني أراجعها وأمضي على المستندات اللازمة لتأكيد هويتي باعتباري صاحبة الحساب.
وبعد ما خلصنا، سألته:
«ممكن أسألك سؤال؟»
قال بابتسامة هادية:
«طبعًا.»
«هل فيه أي طريقة أعرف بيها إذا كان جدي سايبلي رسالة أو تعليمات تانية؟ حاجة غير اللي ظاهرة في بيانات الحساب؟»
آرثر سكت شوية، وبعدها قال:
«فيه مستند قديم مرفق بملف الحساب، لكنه محفوظ ضمن المستندات المؤرشفة. هحتاج أتأكد من محتواه، ولو كان مسموح أشاركك بيه، هعمل كده.»
طلب مني أستنى شوية، ودخل مكتبه.
فضلت قاعدة لوحدي، وببص من الشباك على الناس اللي ماشية في الشارع.
كان يوم الكريسماس، والناس خارجة تزور أهلها، والأطفال ماسكين هداياهم، والعائلات بتستعد للغدا.
وأنا؟
أنا لسه من كام ساعة كنت قاعدة في مطعم، بحاول أدفي إيديا حوالين فنجان قهوة رخيص، ومش عارفة هروح فين بعد ما أخرج من هناك.
لكن لأول مرة من شهور، مكنتش حاسة إني عاجزة.
كان معايا فلوس أقدر أبدأ بيها من جديد، وكان عندي فرصة أعيش حياة مختلفة تمامًا.
بس كان فيه حاجة واحدة مش هقدر أتجاهلها.
ليه أبويا حاول يوصل لحساب جدي من ورايا؟
وبينما كنت غرقانة في أفكاري، رجع آرثر ومعاه ظرف بني قديم.
حطه قدامي وقال:
«الظرف ده موجود في الملف من وقت فتح الحساب. ومكتوب عليه إنه يتسلم ليكي شخصيًا بعد التحقق من هويتك.»
بصيت للظرف، ولقيت اسمي مكتوب عليه بخط جدي.
راشيل دويل.
وتحت اسمي، كان فيه سطر صغير خلاني أحط إيدي على بقي من الصدمة:
«لا تفتحي هذا الظرف إلا إذا حاول أحد أفراد العائلة الاستيلاء على ما تركته لك.»
فضلت باصة للجملة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
جدي كان متوقع إن حد من العيلة ممكن يحاول ياخد الفلوس مني!
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين، وطلعت منه رسالة من صفحتين.
كان أول سطر فيها:
«حفيدتي راشيل، لو وصلتي لقراءة الرسالة دي، فغالبًا إن الوقت اللي كنت خايف منه جه أخيرًا.»
وقفت عند الجملة دي.
وقريتها مرة واتنين.
وبعدين كملت.
«أنا عارف إنك ممكن تكوني اتعرضتي لظلم من ناس كان المفروض يكونوا أكتر ناس بيحبوكي. وعارف كمان إنك ممكن تكوني بتسألي نفسك إذا كنتِ تستحقي كل اللي بيحصل لكِ.
عايزك تعرفي حاجة واحدة: قيمتك مش بتتحدد بفلوسك، ولا بشغلك، ولا برأي أبوكي وأمك فيكي.
أنا سايبلك المال ده عشان يكون عندك اختيار. تختاري تعيشي فين، وتشتغلي إيه، وتسمحي لمين يدخل حياتك.
لكن فيه حقيقة لازم تعرفيها قبل ما تقرري تثقي في أي حد من عيلتنا مرة تانية.
أبوك مش بيحاول يوصل للفلوس دي من غير سبب... والسبب مش هو اللي إنتِ متخيلاه.»
شهقت وأنا بقرا آخر سطر.
رجعت بصيت للورقة، لكن الرسالة كانت مكملة.
«لو حاول أبوكي يوصل للحساب، متواجهيهوش قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة. فيه مستندات تانية محفوظة عند المحامي اللي اتولى شؤوني قبل وفاتي.
اسمه دانيال ميلر.
اطلبي منه الملف اللي عليه اسم عيلتنا، وهو هيفهم إن الوقت جه.»
رفعت عيني عن الرسالة وبصيت لآرثر.
«إنت تعرف المحامي ده؟»
هز راسه وقال:
«الاسم موجود فعلًا في المستندات المرفقة، لكن أنا مقدرش أقولك تفاصيل قانونية مش من اختصاصي.»
طويت الرسالة وحطيتها في شنطتي، وشكرت آرثر.
وقبل ما أخرج، طلبت منه يطبعلي كشف حساب رسمي، ويتأكد إن بيانات التواصل الخاصة بيا محدثة، وإن محدش يقدر يستفسر عن الحساب من غير تفويض قانوني صحيح.
وبعدها خرجت من البنك.
كان البرد لسه قارس، لكن المرة دي مكنتش نفس البنت اللي خرجت من بيت أهلها بالشنطة الوحيدة اللي سمحولها تاخدها.
كان معايا عنوان محامي جدي، وفلوس أقدر أبدأ بيها من جديد، ورسالة بتقول إن فيه سر عائلي محدش كان عايزني أعرفه.
أول حاجة عملتها إني حجزت أوضة صغيرة في فندق لمدة ليلتين، واشتريت هدوم دافية، وبعدها قعدت في الأوضة وفتحت تليفوني.
كان عندي سبعة مكالمات فائتة من أمي.
وثلاث رسائل من فانيسا.
أما أبويا، فكان باعتلي رسالة واحدة بس، وصلتني قبل الظهر.
فتحتها وأنا قلبي بيدق بسرعة.
كان كاتب:
«راشيل، لازم ترجعي البيت فورًا. فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه. ومتعمليش أي تصرف بخصوص الفلوس اللي جدي سابهالك قبل ما تيجي وتسمعي كلامي.»
فضلت باصة للرسالة فترة طويلة.