في محل مجوهرات حكايات زيزي
في محل مجوهرات، اتهموني إني سرقت خاتم دهب وفتشوا شنطتي قدام الناس كلها، وأنا كل اللي كان شاغل بالي وقتها إن أخويا محتاج عملية! ولما سمعتهم بيقولوا الغِلابة دول دايمًا عندهم حركات وسخة، قررت أسكت... بس اللي محدش كان يعرفه إن فيه فيديو متصور في السر، والفيديو ده كان على وشك ما يفضحهم كلهم ويقلب حياتهم فوق دماغهم!
إحنا مش فاتحين المحل هنا عشان أي حد يدخل يتفرج على الفاترينات ويضيّع وقتنا من غير ما يشتري حاجة!
باولا قالت الكلام ده وهي بتبص للراجل اللي لسه داخل المحل، كأنه واحد داخل يشحت مش يشتري.
المحل كان في منطقة راقية جدًا اسمها بولانكو، وكل حاجة فيه كانت بتلمع؛ الأرضيات، والنجف الدهبي، والساعات السويسرية اللي متحطوطة ورا إزاز نضيف لدرجة إنك تحس إنه مش موجود أصلًا.
أما الراجل اللي دخل، فكان شكله مختلف تمامًا عن المكان.
قميصه قديم، وبنطلون الجينز بتاعه باين عليه إنه لبسه كتير، والكاب اللي على راسه لونه بهتان من كتر الاستخدام. حتى جزمته كان عليها تراب، وكان شايل كيس مقاضي مطبّقه في إيده.
باولا، اللي كانت أكتر واحدة بتبيع وبتاخد عمولات في المحل، بصتله من فوق لتحت، وحطت إيديها على صدرها وقالتله
خليني أوفّر عليك الإحراج من دلوقتي، أرخص حاجة عندنا تمنها أغلى من موتوسيكل!
الراجل رفع عينه وبصلها بهدوء، وقال
أنا كل اللي عايزه إني أتفرج على الساعة دي.
باولا ضحكت باستهزاء وقالت
آه طبعًا! وأنا كمان نفسي أشتري فيلا في لاس لوماس!
في آخر المحل، كانت فاليريا بترتب شوية علب، لكن أول ما سمعت الكلام، بطّلت اللي في إيديها.
فاليريا كان عندها 28 سنة، وشعرها ملموم، ولبس الشغل بتاعها مرتب، بس التعب كان باين على وشها وعينيها.
قربت من الراجل بابتسامة وقالتله
مساء الخير يا فندم، اتفضل، أنا أطلع لحضرتك الساعة وتشوفها براحتك.
باولا بصتلها وقالت بصوت واطي بس مسموع
يا فاليريا، بطّلي تضييع وقت! وبعدين متجيش تعيطي وتقولي مش عارفة أحقق التارجت بتاعي.
فاليريا تجاهلتها خالص، ولبست الجوانتي الأبيض، وفتحت الفاترينة، وطلعت الساعة بحرص.
وبدأت تشرح للراجل
بص يا فندم، الساعة دي أوتوماتيك، والزجاج بتاعها من الياقوت، والسوار معمول بإيد حرفيين في مدينة ليون. وكمان دي من موديل محدود، يعني مش متوفر منها عدد كبير.
الراجل كان مركز معاها جدًا، وفضل يسألها عن الساعة، وهي كانت بتجاوبه على كل سؤال بصبر واهتمام.
لا استعجلته، ولا حسسته إنه مش من مستوى المحل، ولا حكمت عليه من هدومه.
بعكس باولا اللي كانت واقفة تراقبه، ومستنية أي فرصة عشان تتريق عليه تاني.
بعد شوية، الراجل سأل فاليريا
طيب يا بنتي، الساعة دي بكام؟
قالتله السعر.
الراجل سكت لحظة، وأخد نفس عميق، وبعدها قال بمنتهى الهدوء
خلاص، أنا هاخدها.
المحل كله سكت مرة واحدة!
باولا قربت منه بسرعة، وهي بتحاول تداري صدمتها بابتسامة مصطنعة، وقالتله
نعم؟ حضرتك بتقول إيه؟
الراجل دخل إيده في جيبه عشان يطلع محفظته.
دور في الجيب الأول، وبعدها فتش الجيب التاني، وبعدين فتح كيس المقاضي اللي في إيده وبدأ يقلب فيه.
وفجأة، وشه اتغير، وبان عليه القلق.
قال وهو مش مصدق
يا نهار أبيض! مش معقول... شكل المحفظة وقعت مني!
باولا حطت إيدها على صدرها وعملت نفسها مستغربة، وقالت بسخرية
ياااه! إيه المفاجأة دي بقى؟ مين كان يتوقع حاجة زي كده!
فاليريا بصتلها بضيق وقالت
باولا، خلاص بقى! كفاية!
باولا ردت بعصبية
كفاية إيه؟! الراجل ده ضيّع لنا نص ساعة من وقتنا! ده أكيد داخل يشوف إذا كان هيعرف يسرق حاجة ولا لأ!
الراجل وطّى راسه، وكان واضح إنه اتكسف من الكلام اللي اتقال عليه قدام الناس.
لكن فاليريا وقفت جنبه وقالتله
متقلقش يا فندم، إن شاء الله نلاقيها. حضرتك فاكر إنك حطيتها فين آخر مرة؟
رد عليها وقال
على ما أفتكر، كنت حاططها في الجيب اللي ورا.
قالتله على طول
طب يمكن تكون وقعت منك وإنت داخل. تعالى ننزل ندور عليها بره، وأنا هساعدك.
باولا انفجرت في الضحك، وبصت لباقي الموظفين وقالت بصوت عالي
شوفوا بقى! فاليريا بتاعة إنقاذ الغلابة! عشان كده عمرك ما هتتقدمي في حياتك يا بنتي. إنتِ بتحبي تعملي فيها ملاك ومنقذة الناس، وخلاص!
فاليريا ضغطت على شفايفها، وحاولت تكتم غضبها.
لكن المرة دي، قررت ترد.
بصتلها وقالت بثبات
أيوه، أنا من إزتابالابا، وأمي كانت بتبيع كيساديا عشان تعرف تصرف علينا، وأبويا سابنا ومشي أول ما عرف إن أخويا محتاج جلسات علاج.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي باصة في عينيها
بس أمي وأبويا، رغم كل اللي حصل، عمرهم ما علموني أذل حد ولا أقلل منه عشان شكله أو فلوسه! بالعكس، علموني إن الواحد يعامل الناس كويس حتى لو مش مستني منهم أي مصلحة.
الراجل فضل باصص لفاليريا، وكأن كلامها لمس حاجة جواه.
بعدها، خرجت معاه من المحل وبدأوا يدوروا على المحفظة.
فتشوا الرصيف، وبصوا تحت الدكة، وفضلوا يدوروا جنب أحواض الزرع.
وفاليريا نزلت على ركبتها، ومفرقش معاها إن البنطلون الأسود بتاعها اتوسخ.
شغّلت كشاف الموبايل وبدأت تدور وسط ورق الشجر المبلول.
الراجل بص لها وقال بإحراج
يا بنتي، كفاية كده، مش لازم تتعبي نفسك عشاني.
فاليريا رفعت راسها وردت عليه
تعب إيه بس يا فندم؟ ضياع المحفظة في مدينة زي دي مصيبة! لازم نلاقيها.
بعد كام دقيقة، الراجل راح ناحية عربية نيسان تسورو قديمة كانت مركونة قريب منهم.
فتح الباب، وعمل نفسه بيدور تحت الكرسي، وفجأة صرخ
أهي! لقيتها! كانت واقعة هنا!
فاليريا وقفت بسرعة، وأخدت نفس طويل براحة وقالت
يا خبر! الحمد لله إنها ظهرت! ده أنا كنت خلاص هادخل تحت العربية أدور عليها بنفسي!
الراجل ضحك، لكنه وهو بيبصلها، كانت عينيه مليانة ذنب.
لأنه كان عارف حقيقة فاليريا متعرفهاش...
الراجل ده مكنش مجرد زبون عادي، وضياع المحفظة مكنش بالصدفة زي ما هي فاكرة!
وفي نفس الوقت، كان فيه فيديو متصور في السر، بيسجل كل كلمة اتقالت جوه المحل، وكل تصرف صدر من باولا وباقي الموظفين.
والفيديو ده كان على وشك إنه يكشف سر محدش فيهم كان مستعد يعرفه، ويخلّي كل واحد فيهم يندم على اللحظة اللي قرر فيها يحكم على إنسان من هدومه وشكله!
بس المفاجأة الحقيقية لسه مجتش... لأن الراجل كان مخبي حاجة أكبر بكتير من اللي أي حد في المحل ممكن يتخيلها!
حكايات_زيزي
الجزء التاني الراجل اللي دخل محل المجوهرات بلبس قديم كان مخبي سر هيقلب حياة الكل!
فاليريا رجعت المحل وهي لسه بتاخد نفسها من كتر اللف والدوران، وكانت فرحانة إن الراجل لقى محفظته.
أما هو، فدخل وراها بهدوء، وحط إيده في جيبه، وبص على باولا اللي كانت واقفة ورا الفاترينة بتتكلم مع واحدة من زميلاتها.
أول ما شافته، رفعت حاجبها وقالت باستهزاء
إيه يا فندم؟ لقيت المحفظة؟ ولا لسه هنكتشف إن فيه حاجة تانية ضاعت منك؟
الراجل مردش عليها، لكنه بص لفاليريا وقال
أنا لسه عايز الساعة يا بنتي، لو سمحتي.
فاليريا ابتسمت وقالت
تحت أمرك يا فندم، هطلعها لحضرتك حالًا.
لكن باولا دخلت في الكلام بسرعة
استني عندك يا فاليريا! إحنا مش هنفضل نطلع بضاعة غالية لأي حد داخل المحل، خصوصًا بعد اللي حصل من شوية!
الراجل بص لها باستغراب وسألها
هو أنا عملت إيه بالظبط؟
باولا عقدت إيديها قدام صدرها وقالت
حضرتك ضيعت وقتنا، وطلعت محفظتك ضايعة، وعايزنا نصدق إنك هتشتري ساعة تمنها أكتر من مرتبنا كلنا؟!
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
يعني عشان هدومي قديمة، مينفعش أشتري ساعة غالية؟
باولا ردت من غير ما تفكر
بصراحة؟ أيوه، الموضوع مش داخل دماغي!
في اللحظة دي، واحد من الموظفين ضحك، وموظفة تانية بصت لفاليريا وكأنها مستنية تشوف هتعمل إيه.
لكن فاليريا مسكت علبة الساعة وقالت بثبات
يا باولا، الراجل عميل زيه زي أي عميل. طالما مفيش أي مشكلة في التعامل، يبقى من حقه يشوف اللي هو عايزه.
باولا قربت منها وقالت بصوت واطي
إنتِ شكلك نسيتي إنك لسه موظفة هنا بالعافية! خلي بالك، أنا أقدر أخليكي تمشي من المحل ده في يوم وليلة.
فاليريا بلعت ريقها وسكتت.
هي كانت محتاجة الشغل ده أكتر من أي وقت فات.
أخوها مارتين كان مستني عملية في القلب، والدكتور وضحلهم إن التأخير مش في مصلحته. أمها باعت آخر حلق دهب كان عندها، ومع ذلك الفلوس لسه مش مكفية.
ومع كل يوم بيعدي، كانت فاليريا بتحس إن الوقت بيجري منهم.
لكنها رغم خوفها على شغلها، مقدرتش تقف تتفرج على إنسان بيتعرض للإهانة قدامها.
الراجل لاحظ التوتر اللي على وشها، فقال بهدوء
خلاص يا بنتي، متدخليش نفسك في مشاكل عشاني. أنا ممكن أشتري الساعة من مكان تاني.
فاليريا هزت راسها وقالت
لأ يا فندم، حضرتك معملتش حاجة غلط عشان تمشي بالطريقة دي.
وبعدين فتحت العلبة قدامه، وبدأت تشرحله تفاصيل الساعة مرة تانية.
الراجل سألها عن الضمان، وعن الصيانة، وعن الرقم التسلسلي، وعن الشركة اللي صنعتها.
وفاليريا جاوبت على كل سؤال بالتفصيل.
كان واضح إنه مش بيسأل لمجرد إنه يعرف معلومات عن الساعة، لكنه كان بيراقب طريقة شغلها، وبيلاحظ حاجات محدش غيره كان واخد باله منها.
وبعد حوالي عشر دقايق، قفل العلبة وقال
أنا موافق. هشتري الساعة.
باولا ضحكت وقالت
يا فندم، هو حضرتك لسه مصمم على التمثيلية دي؟
الراجل رفع عينه ليها وسألها
لو طلعت الفلوس دلوقتي ودفعت تمن الساعة كامل، هتعتذريلي قدام كل الناس اللي سمعتك؟
وش باولا اتغير، لكنها حاولت تحافظ على غرورها.
طبعًا، لو دفعت تمنها كامل، هعتذرلك. بس أنا متأكدة إن ده مش هيحصل!
الراجل حط العلبة على الترابيزة، وطلع تليفونه من جيبه.
فتح تطبيق البنك، ولف الشاشة ناحية فاليريا.
فاليريا بصت للشاشة، وبعدها وسعت عينيها من الصدمة!
الرقم اللي ظاهر في الحساب كان أكبر من أي مبلغ شافته في حياتها.
لكن قبل ما تستوعب اللي قدامها، الراجل قفل التليفون وقال
تمام. دلوقتي خلينا نخلص الحساب.
باولا قربت بسرعة، ومدت إيدها عشان تاخد العلبة.
لكن الراجل سحبها ناحيته وقال
لحظة واحدة. أنا لسه مستني اعتذارك.
باولا احمر وشها من الغضب.
حضرتك فاكر نفسك مين عشان تتكلم معايا بالطريقة دي؟!
الراجل رد بهدوء
أنا شخص دخل محلكم عشان يشتري ساعة، واتعاملتوا معاه بطريقة مهينة. وده كل اللي محتاج تعرفيه عني دلوقتي.
وبعدين لف ناحية مدير الفرع، اللي كان واقف من أول الموقف بيتفرج من بعيد، وقال
ممكن أعرف اسم حضرتك؟
المدير اتعدل في وقفته وقال بسرعة
أنا ريكاردو، مدير الفرع يا فندم. وتحت أمرك في أي حاجة.
الراجل سأله
هل دي الطريقة اللي بتدربوا بيها الموظفين عندكم على التعامل مع العملاء؟
المدير اتوتر، وبص لباولا قبل ما يرد.
أكيد لأ يا فندم، بس حضرتك عارف، ساعات بيحصل سوء تفاهم...
الراجل قاطعه
سوء تفاهم؟ هي قالت قدام الكل إني داخل أسرق، وقللت من شأني عشان هدومي، وإنت واقف تتفرج. فين سوء التفاهم في ده؟
المدير سكت، ومبقاش عارف يقول إيه.
وفجأة، الراجل بص لفاليريا وقال
ممكن تطلبي من كل الموجودين هنا إنهم يفضلوا مكانهم شوية؟ محدش يمشي قبل ما نخلص الموضوع.
فاليريا استغربت، لكنها نفذت طلبه.
وفي نفس اللحظة، الراجل بعت رسالة قصيرة من تليفونه لشخص ما، وبعدها رجع حطه في جيبه.
باولا كانت بدأت تحس إن الموضوع أكبر من مجرد زبون اتضايق من معاملتها.
قربت من المدير وهمستله
هو الراجل ده مين؟ وإيه الحكاية؟
المدير رد بصوت واطي
معرفش، بس شكله مش هيسيب الموضوع يعدي بسهولة.
باولا حاولت تضحك وتتصرف كأنها مش مهتمة، لكن إيديها كانت بتترعش وهي بترتب العلب قدامها.
أما فاليريا، فكانت كل اللي بتفكر فيه إن أي مشكلة تحصل في الشغل ممكن تضيع منها مرتب الشهر، وهي محتاجة كل جنيه عشان عملية أخوها.
وفجأة، باب المحل اتفتح.
دخل منه اتنين لابسين بدلات رسمية، واحد فيهم شايل ملف أسود، والتاني ماسك تابلت.
اتجهوا ناحية الراجل مباشرة، ووقفوا قدامه باحترام شديد.
واحد منهم قال
مساء الخير يا أستاذ. إحنا جاهزين، وكل المستندات اللي طلبتها موجودة.
باولا بصت للمدير، والمدير بص لها، والاتنين وشهم اتغير.
أستاذ؟!
هو مين الراجل ده عشان ناس بالشكل ده تيجي له مخصوص وتستناه في محل مجوهرات؟
الراجل أخد الملف من الموظف، وفتحه على الترابيزة.
وبعدين رفع عينه ناحية مدير الفرع وقال
قبل ما أعرّفك أنا مين، عايزك تجاوبني على سؤال واحد. لو الموظفة اللي أنقذتني من الإهانة النهارده كانت هي اللي مكان باولا، كنت هتتصرف معاها بنفس الطريقة؟
المدير اتلخبط وقال
طبعًا يا فندم، إحنا بنعامل كل الموظفين بنفس المعايير...
الراجل بص له نظرة طويلة، وبعدها قال
غريبة! لأن التقارير اللي عندي بتقول غير كده تمامًا.
فتح الملف، وطلع منه ورقة عليها شعار الشركة.
باولا أول ما شافت الشعار، رجعت خطوتين لورا.
لأن الشعار ده مكنش شعار أي شركة عادية...
ده كان شعار الشركة المالكة لسلسلة محلات المجوهرات كلها، بما فيها الفرع اللي هما واقفين فيه!
فاليريا حطت إيدها على بقها من الصدمة.
أما المدير، فوشه بقى أصفر، وقال بصوت متقطع