في محل مجوهرات حكايات زيزي
اتكلم بثقة، ولا لمجرد إن حد عنده منصب كبير.
لازم يكون فيه دليل.
وفجأة، أليخاندرو قرب من دون إستيبان وقال
ممكن نتكلم على انفراد دقيقة؟
دون إستيبان رد
مفيش مانع، لكن أي حاجة تخص التحقيق لازم تتسجل، ومش هنناقش قرار يخص موظف من غير ما نسمع الأطراف المعنية.
أليخاندرو وافق، وبعدها طلب من مسؤول المراجعة إنه يبعت له نسخة من المستندات اللي محتاجة توضيح.
لكن مسؤول المراجعة رد
هنرسل المستندات من خلال القنوات الرسمية، عشان نحافظ على سلامة الملفات ونتأكد إن كل الأطراف ليها نفس المعلومات اللي تخصها.
أليخاندرو هز راسه، لكنه بدا عليه الضيق.
باولا كانت بتراقب كل ده من بعيد.
هي كانت فاكرة إن مجرد ظهور اسم أليخاندرو في المستندات هيخلي دون إستيبان يوجه له اللوم فورًا.
لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا.
دون إستيبان قرر يراجع كل حاجة، حتى لو ده معناه إنه يراجع تصرفات أقرب شخص ليه في الشركة.
وبعد لحظات، باولا طلبت تتكلم.
قالت
يا فندم، أنا عايزة أوضح حاجة. أنا مش بقول إني معملتش أخطاء. أنا غلطت لما اتعاملت مع الراجل بالطريقة دي، وأنا مستعدة أتحمل نتيجة تصرفي. لكن بالنسبة لتعديلات التقييمات، أنا كنت فاكرة إن التعليمات دي معتمدة، وإن المطلوب مني إني أنفذها.
دون إستيبان رد
هنراجع مسؤوليتك في كل واقعة، وهناخد في الاعتبار المستندات اللي قدمتيها. لكن حتى لو كانت فيه تعليمات إدارية، ده مش معناه إن إهانة العملاء مقبولة.
باولا نزلت عينيها.
ولأول مرة، قالت بصوت منخفض
أنا آسفة يا فاليريا.
فاليريا بصتلها، لكنها مردتش على طول.
وبعد ثواني قالت
أنا مش هقول إني نسيت اللي حصل، لكن لو اعتذارك حقيقي، أتمنى إنك متعامليش حد بالطريقة دي تاني، مهما كانت هدومه أو ظروفه.
باولا هزت راسها، ومقدرتش تقول حاجة.
في اللحظة دي، موبايل فاليريا رن مرة تانية.
كانت أمها.
ردت بسرعة، وسمعت صوتها وهي بتقول بفرحة ممزوجة بالقلق
يا بنتي، المستشفى راجعت التحاليل والأشعة، وقالوا إنهم مستنيين موافقة الجهة اللي هتتكفل بالمصاريف عشان يحددوا ميعاد العملية.
فاليريا بصت لدون إستيبان، اللي طلب من مسؤول برنامج المساعدة الطبية يتواصل معاها مباشرة، ويوضح لها المستندات المطلوبة، والمدة المتوقعة للموافقة، من غير ما يوعدها بحاجة قبل استكمال الإجراءات.
بعد ما قفلت المكالمة، فاليريا حست إن عندها أخيرًا خطوة واضحة تقدر تبدأ منها.
لكن دون إستيبان كان لسه بيفكر في حاجة تانية.
لف ناحية مسؤول المراجعة وسأله
التقرير اللي وصل من الفرع ده، هل فيه أسماء فروع تانية؟
الموظف فتح الملف، وقلب صفحتين، وبعدها قال
أيوه يا فندم. فيه إشارات لثلاثة فروع تانية، لكن لسه محتاجين نتأكد إذا كانت نفس المشكلة موجودة فيها فعلًا ولا لأ.
دون إستيبان أخد نفس عميق.
يبقى هنوسع نطاق المراجعة، لكن من غير ما نفترض إن فيه مخالفة في أي فرع قبل ما نفحص سجلاته.
أليخاندرو وقف مكانه وقال
أنا موافق، وهتلاقيني متعاون في كل خطوة.
وبعدين شال شنطته، واستأذن إنه يمشي.
لكن قبل ما يوصل للباب، إميليانو قال فجأة
أستاذ أليخاندرو، لو سمحت، فيه سؤال واحد محتاج أسأله لحضرتك.
أليخاندرو وقف وبص له.
اتفضل.
إميليانو اتردد، وبعدها قال
التقرير اللي اتغيرت فيه أسماء الموظفين... فيه تعديل اتعمل بعد ما حضرتك طلبت مني شخصيًا أراجع الحسابات الشهر اللي فات. أنا وقتها بعتلك رسالة بوضح فيها المشكلة، لكن مردش عليّا حد.
المحل كله سكت.
أليخاندرو رد بسرعة
أنا بتوصلني مئات الرسائل كل يوم، وممكن الرسالة تكون ضاعت وسط الشغل.
إميليانو هز راسه وقال
ده وارد. عشان كده أنا محتفظ بصورة من الرسالة وتاريخ إرسالها.
دون إستيبان بص لأليخاندرو، وبعدها سأل إميليانو
والرسالة دي فيها إيه بالظبط؟
إميليانو فتح الموبايل، وبدأ يدور في الرسائل القديمة.
وبعد شوية، لقى الرسالة وفتحها.
قرأ أول سطر، وبعدها سكت فجأة.
فاليريا لاحظت إن وشه اتغير، فسألته
فيه إيه؟
إميليانو رفع عينه ناحية دون إستيبان وقال
الرسالة دي فيها اسم الشخص اللي طلب مني أراجع التعديلات أول مرة... لكن الاسم مش اسم أليخاندرو.
دون إستيبان قرب منه وقال
مين الاسم المكتوب؟
إميليانو لف شاشة الموبايل ناحيته.
دون إستيبان قرأ الاسم، واتجمد مكانه.
لأن الاسم اللي ظهر على الشاشة كان لشخص تاني خالص، شخص كان بيثق فيه من سنين، وبيعتبره مسؤولًا عن حماية الشركة من أي تلاعب.
وبصوت منخفض جدًا، قال
مستحيل... الشخص ده هو اللي سلّمته مفاتيح النظام كله!
والأغرب إن الشخص ده، حسب سجلات الشركة، مكنش موجود في الفرع وقت الواقعة أصلًا...
يتبع...
النهاية الحقيقة ظهرت، واللي ظلم فاليريا دفع تمن غلطه!
دون إستيبان فضل باصص للاسم اللي ظاهر على شاشة الموبايل، وكأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.
الاسم كان ماتيو، مدير إدارة الأنظمة والحسابات المركزية في الشركة، الشخص اللي كان مسؤول عن صلاحيات الدخول وتسجيل التعديلات في كل الفروع.
قال دون إستيبان بصدمة
ماتيو؟! ده أنا اللي ائتمنته على كل أنظمة الشركة! إزاي يكون له علاقة بالموضوع ده؟
إميليانو رد بهدوء
أنا مش بقول إنه مذنب يا فندم، لكن الرسالة دي بتثبت إنه طلب مني أراجع التعديلات من البداية، وبعدها حصلت تغييرات في سجلات الفرع. لازم نعرف إيه اللي حصل بالظبط.
دون إستيبان هز راسه وقال
عندك حق. مش هنظلم حد قبل ما نعرف الحقيقة.
طلب من فريق المراجعة التقنية فحص سجلات النظام، ومقارنة التعديلات بالتعليمات الرسمية، ومراجعة صلاحيات كل شخص استخدم النظام.
وبعد يومين من المراجعة، ظهرت الحقيقة.
ماتيو كان اكتشف من شهور إن بعض المشرفين بيغيّروا أسماء أصحاب عمليات البيع عشان يرفعوا عمولات موظفين معينين على حساب زملائهم. بدل ما يبلّغ عن المشكلة من أول ما اكتشفها، استخدم صلاحياته عشان يخفي بعض التعديلات، بحجة إنه محتاج وقت يجمع أدلة قبل ما يواجه المسؤولين.
لكن خلال الفترة دي، استمرت التغييرات، واتضرر موظفون ملهمش ذنب، ومنهم فاليريا.
والأخطر إن التحقيق أثبت إن باولا نفسها وافقت على تعديلات غير صحيحة في أكتر من عملية بيع، وإنها كانت عارفة إن ده ممكن يضر بزملائها، لكنها فضلت تسكت عشان تحافظ على عمولاتها ومكانتها.
أما أليخاندرو، فثبت إنه كان قد استلم تنبيهات عن وجود خلل في بعض التقارير، لكنه ما تابعهاش بالشكل المطلوب، رغم مسؤوليته الإدارية.
لما دون إستيبان واجههم بالنتائج، محدش قدر ينكر المستندات الموثقة.
اتخذت الشركة إجراءات إدارية ضد المسؤولين عن المخالفات، بعد استكمال التحقيقات وسماع ردودهم، وتم إيقاف صلاحيات ماتيو مؤقتًا لحين انتهاء الإجراءات الرسمية، بينما أُعيدت مراجعة قرارات العمولات والتقييمات المتأثرة.
وبالنسبة لباولا، اتراجع سجلها بالكامل، واتخذت الشركة قرارًا تأديبيًا بحقها بسبب المخالفات اللي ثبتت عليها، بالإضافة إلى إساءتها للعميل.
أما مدير الفرع، فتم إعفاؤه من إدارة الفرع بعد ثبوت تقصيره في التعامل مع الشكاوى وعدم متابعته للمشكلات المتكررة.
لكن دون إستيبان أكد للجميع إن القرارات دي مش انتقام من أشخاص، وإنما نتيجة تحقيق موثق، وإن أي موظف من حقه يقدم تظلم لو عنده اعتراض.
المفاجأة اللي غيرت حياة فاليريا
بعد أسبوع، فاليريا كانت قاعدة جنب أمها في المستشفى، ماسكة إيد أخوها مارتين، ومستنية الدكتور يخرج من غرفة الكشف.
كانت أيام صعبة، مليانة قلق وانتظار، لكن المرة دي كان فيه أمل حقيقي.
مسؤول برنامج المساعدة الطبية في الشركة أكد لها الموافقة على تغطية تكاليف العملية وفق شروط البرنامج، بعد مراجعة التقارير المطلوبة.
ولما الدكتور خرج وقال إن الإجراءات اكتملت وإنهم يقدروا يحددوا ميعاد العملية، فاليريا انفجرت في العياط.
أمها حضنتها وهي بتقول
الحمد لله يا بنتي! ربنا ما ضيعش تعبك ولا تعبنا.
فاليريا مسحت دموعها وقالت
أنا كنت خايفة يا ماما إني أفضل أحاول طول عمري ومقدرش أساعد مارتين.
أمها ردت
إنتِ عملتي اللي عليكي، وربنا بعتلك باب فرج من حيث ما كنتيش تتوقعي.
بعد أيام، دخل مارتين غرفة العمليات، وفاليريا فضلت قاعدة بره، بتدعي ربنا وتبص كل شوية على الساعة.
مرّت الساعات ببطء شديد، لحد ما ظهر الدكتور أخيرًا.
ابتسم وقال
العملية تمت بنجاح، وحالته مستقرة. هنفضل نتابعه خلال فترة التعافي، لكن النتائج الأولية مطمئنة.
فاليريا حطت إيديها على وشها، وعيطت من الفرحة.
كل اللي كانت بتتمناه إنها تسمع الجملة دي، وكل اللي حصل في محل المجوهرات بقى في اللحظة دي بعيد عن تفكيرها.
أخوها بقى عنده فرصة حقيقية يتعافى، وأمها أخيرًا قدرت تاخد نفس من غير ما تحسب هتجيب مصاريف العلاج منين.
بعد شهر... رجعت فاليريا للمحل، لكن المرة دي كانت مختلفة!
رجعت فاليريا لشغلها بعد ما اطمنت على استقرار حالة أخوها، لكنها ما رجعتش لنفس المكانة القديمة.
دون إستيبان عرض عليها وظيفة جديدة ضمن فريق تدريب خدمة العملاء، بعد ما اتفتح باب التقديم للوظيفة واتعمل تقييم للمرشحين.
فاليريا وافقت، بشرط واحد.
قالتله
يا فندم، أنا عايزة الموظفين يتعلموا إزاي يحترموا العميل، لكن كمان عايزاهم يعرفوا إن من حقهم يشتغلوا من غير ظلم أو تلاعب في مجهودهم.
دون إستيبان ابتسم وقال
وده بالظبط اللي محتاجين نشتغل عليه.
بدأت فاليريا تدريب الموظفين على استقبال العملاء، وفهم احتياجاتهم، وعدم الحكم عليهم من مظهرهم أو ملابسهم.
وفي أول يوم ليها، دخل المحل راجل بسيط، لابس هدوم شغل قديمة، وماسك في إيده علبة صغيرة.
واحد من الموظفين الجدد اتردد في استقباله، لكن فاليريا راحت ناحيته بابتسامة.
أهلًا بحضرتك، اتفضل. أقدر أساعدك إزاي؟
الراجل طلع من العلبة ساعة قديمة، وقال
الساعة دي كانت بتاعة أبويا الله يرحمه. أنا عايز أعرف إذا كان ممكن تتصلح، لأنها غالية عندي جدًا.
فاليريا أخدت الساعة بحرص، وبدأت تسأله عن العطل.
وبينما هي بتتكلم معاه، لاحظت إن دون إستيبان واقف بعيد بيراقب الموقف.
ابتسم لها، لأنها كانت بتعمل بالظبط اللي اتعلمته من التجربة الصعبة دي.
الاحترام مش محتاج تعرف الشخص اللي قدامك غني ولا فقير، ولا محتاج تعرف هو يقدر يدفع كام. الاحترام حق لكل إنسان.
أما باولا، فبعد ما خسرت منصبها في الفرع، اضطرت تواجه نتيجة تصرفاتها، وبدأت تدور على فرصة عمل جديدة. وبعد فترة، بعتت لفاليريا رسالة اعتذار طويلة، اعترفت فيها إنها كانت بتحكم على الناس من شكلهم، وإن غرورها خلاها تظلم غيرها.
فاليريا قبلت اعتذارها، لكنها فهمتها إن التسامح مش معناه إن اللي حصل كان عادي، ولا معناه إن الثقة بترجع في يوم وليلة.
أما إميليانو، فتمت مراجعة المستندات اللي قدمها، واتأكدت الشركة من دوره في كشف المخالفات، وبدأ يشارك في تطوير إجراءات مراجعة الحسابات عشان الأخطاء دي ما تتكررش.
وآخر مفاجأة... السر اللي محدش كان يعرفه عن الفيديو!
في يوم افتتاح مركز تدريب جديد تابع للشركة، دون إستيبان طلب من فاليريا تقابله قبل الحفل.
دخلت مكتبه، فوجدته بيبتسم، وعلى مكتبه إطار صغير فيه صورة للمحل يوم الواقعة.
قالت باستغراب
هو حضرتك لسه محتفظ بالصورة دي؟
ضحك وقال
دي مش مجرد صورة. دي اللحظة اللي خلتني أشوف مشكلة كنت غافل عنها.
وبعدين وضح لها إن الفيديو اللي اتصور يومها كان جزءًا من مراجعة داخلية لتجربة العملاء، وإنه ساعد في توثيق اللي حصل فعلًا، لكنه ما كانش الدليل الوحيد اللي اتبنت عليه القرارات.
فاليريا سألته
يعني حضرتك كنت داخل المحل من الأول عشان تختبر الموظفين؟
ابتسم وقال
كنت براجع تجربة العملاء في الفروع، وكنت متوقع أشوف اختلافات في التعامل، لكن مكنتش متوقع إن موقف بسيط زي ده يكشف مشاكل أكبر. وأنا كمان اتعلمت درس مهم مينفعش أعتمد على التقارير المكتوبة بس، ولازم أسمع للناس اللي شغالة على الأرض.
وبعدين مد إيده وناولها شهادة تقدير، تقديرًا لأمانتها وموقفها الإنساني، بعيدًا عن أي تقييمات مبيعات.
فاليريا أخدتها، وبصت له وقالت
أنا معملتش حاجة تستاهل كل ده يا فندم. أنا بس عاملته بالطريقة اللي كنت أتمنى الناس تعاملني بيها لو كنت مكانه.
دون إستيبان رد
وده بالظبط اللي يستحق التقدير. إنك تعملي الصح حتى وإنتِ محتاجة الشغل، وحتى وإنتِ مش عارفة الشخص اللي قدامك مين.
خرجت فاليريا من المكتب، وهي ماسكة الشهادة في إيدها، لكن أغلى حاجة رجعت بيها البيت كانت مش الشهادة ولا الوظيفة الجديدة.
كانت رجعة الأمل لبيتها، واطمئنانها على أخوها، وإحساسها إنها قدرت تدافع عن كرامتها من غير ما تتحول لشخص بيظلم غيره.
ومن يومها، فضلت تحكي لأخوها مارتين عن اليوم اللي دخل فيه راجل بلبس بسيط محل المجوهرات، وكل اللي كان عايزه إنه يتعامل باحترام.
ومارتين كان دايمًا يرد عليها
يعني لو كنتِ عرفتي من الأول إنه صاحب الشركة، كنتِ هتعامليه بنفس الطريقة؟
فاليريا كانت تضحك وتقول
طبعًا! هو أنا كنت أعرف هو مين عشان أحترمه؟ أنا احترمته لأنه إنسان، مش عشان حسابه في البنك!
وهنا تنتهي حكاية فاليريا، اللي دخلت محل المجوهرات وهي شايلة هم عملية أخوها، وخرجت منه وهي فاهمة إن الأخلاق الحقيقية بتظهر لما نقدر نختار بين إننا نهين غيرنا أو نحافظ على كرامته.
العبرة من الحكاية متحكمش على حد من هدومه، ومتفتكرش إن منصبك أو فلوسك بيدوك الحق تقلل من أي إنسان. ساعات موقف صغير بيكشف معادن الناس، وساعات كلمة طيبة
بتفتح باب أمل لحد كان فاكر إن الدنيا قفلت في وشه.