بنت الشغاله

لمحة نيوز

إيه يا حبيبتي؟
ليلى أشارت لصدر آدم، عند المكان اللي تحت ياقة قميصه، وقالت
الحشرة اللي في رقبته كانت بتلمع باللون الفضي، لكن فيه واحدة تانية لونها أسود، وأنا شوفت طرفها لما عمو اتحرك!
آدم اتجمد.
ومروان رجع خطوة لورا.
الدكتور ياسين قرب من آدم، لكنه ما لمسش المكان، واكتفى بأنه طلب منه يفتح ياقة قميصه قليلًا عشان يقدر يشوف المنطقة من غير ضغط عليها.
وتحت عظمة الترقوة، ظهرت علامة صغيرة غامقة، بالكاد كانت باينة وسط آثار الإصابة القديمة.
ياسين قرب منها بمصباح الفحص، وبعد لحظات قال
آدم، محتاجين نعمل تصوير طبي شامل للمنطقة دي كمان. مش هقدر أقول إن فيه جهاز تاني من مجرد النظر، لكن كلام الطفلة يستحق إننا نتأكد.
آدم ما بقاش سامع غير صوت دقات قلبه.
بص لمروان، وقال بصوت هادي بشكل مخيف
إنت هتفضل هنا لحد ما أعرف كل حاجة.
مروان حاول يستعيد هدوءه.
إنت بتتهمني بحاجة خطيرة لمجرد إن طفلة قالت كلام مش مفهوم؟ بعد كل السنين دي، ده جزائي؟
آدم قرب منه خطوة.
أنا لسه ما اتهمتكش. أنا بس بسألك سؤال، وإجابتك هي اللي هتحدد اللي هيحصل بعد كده.
وقبل ما مروان يرد، موبايله رن.
ظهر على الشاشة اسم واحد الدكتور كمال.
مروان رفض المكالمة بسرعة، لكن آدم كان شاف الاسم.
مد إيده وقال
هات الموبايل.
دي مكالمة شخصية!
مروان... ما تخلينيش أكرر كلامي.
مروان فضل ماسك الموبايل ثواني، وبعدها حطه على المكتب.
لكن قبل ما آدم يلمسه، وصلت رسالة جديدة على الشاشة.
رسالة من نفس الرقم، مكتوب فيها
الطفلة شافت الجهازين. لو آدم عرف الحقيقة، اتفاقنا من تلات سنين هينهار. لازم نتصرف قبل ما ياسين يراجع الملف الأصلي.
آدم قرأ الرسالة مرة.
وبعدين قرأها تاني.
رفع عينيه لمروان، وملامحه بقت خالية تمامًا من أي تعبير.
اتفاق إيه يا مروان؟
مروان فتح بقه عشان يتكلم، لكن فجأة اتسمع صوت ارتطام قوي بباب المكتبة.
واحد من الحراس دخل وهو بيلهث.
يا فندم! فيه مشكلة عند البوابة الرئيسية!
آدم صرخ فيه
اتكلم!
الحارس بص ناحية مروان، وبعدها قال
الدكتور كمال وصل القصر... ومعاه أمر طبي بيقول إن لازم ننقلك فورًا لمركزه الخاص، وإن أي تأخير ممكن يعرّض حياتك للخطر!
الدكتور ياسين خطف الورقة من إيد الحارس، وبص عليها بسرعة.
وبعدها رفع عينيه لآدم وقال جملة قلبت كل الموازين
يا آدم، التوقيع الموجود على الأمر ده توقيعك فعلًا... لكن التاريخ المكتوب عليه هو يوم الانفجار نفسه، وفيه حاجة مستحيل تكون حصلت بالطريقة دي!
آدم قرب من الورقة.
وأول ما شاف السطر الأخير، حس إن ذكرياته اللي ضاعت منه من تلات سنين بدأت ترجع في صورة ومضات متقطعة.
غرفة بيضا.
صوت جهاز بيصفر.
مروان واقف جنبه.
ورجل لابس بالطو أبيض بيقول
لو مسحنا الجزء ده من ذاكرته، مش هيفتكر أبدًا مين اللي أمر بالعملية.
آدم شهق ورجع لورا، وحط إيده على راسه وهو بيصرخ من شدة الصداع.
ليلى جريت ناحية أمها وهي بتعيط
يا ماما، عمو افتكر! الحشرة الحديد خلت عمو يفتكر!
لكن وسط الفوضى، مروان استغل اللحظة واتجه ناحية الباب.
وقبل ما الحراس يوقفوه، بص لآدم وقال بصوت غريب
إنت فاكر إنك الضحية يا آدم؟ استنى لما تفتكر إنت كنت بتعمل إيه في الليلة دي!
وخرج من المكتبة وسط صراخ الحراس.
أما آدم، ففضل واقف مكانه، بيحاول يجمع شتات ذاكرته.
لأنه في اللحظة دي، افتكر حاجة واحدة بس...
قبل الانفجار بدقايق، كان هو بنفسه اللي اتصل بالدكتور كمال وطلب منه يزرع الجهاز في رقبته!
لكن ليه زعيم عصابة خطير يطلب حاجة زي دي؟ وإيه علاقة مروان والدكتور كمال بالذكريات اللي اختفت من دماغه؟
وليه ليلى، الطفلة اللي عمرها خمس سنين، قدرت تشوف اللي محدش غيرها لاحظه؟
يتبع...
الجزء التالت السر اللي آدم نفسه طلب إنه ينساه! 
آدم المنشاوي كان واقف في نص المكتبة، إيده ضاغطة على راسه، وعرق بارد نازل على جبينه.
الصورة اللي ظهرت في ذاكرته كانت بتتكرر قدام عينيه.
غرفة بيضا... إضاءة قوية... الدكتور كمال... ومروان واقف جنبه.
وصوته هو، آدم نفسه، وهو بيقول
أنا عايز أنسى كل حاجة حصلت في الليلة دي. مهما حصل، محدش يفكرني بالحقيقة!
فتح آدم عينيه فجأة، وبص للدكتور ياسين.
أنا عايز أعرف الحقيقة كاملة، حتى لو كانت هتدمرني. جهّز كل الفحوصات اللي محتاجها، وعايز نسخة من ملف علاجي من أول يوم دخلت فيه المستشفى بعد الانفجار.
ياسين هز راسه بجدية.
هنعمل كده، بس لازم أنبهك إن فقدان الذاكرة والصداع اللي عندك محتاجين تقييم متخصص، ومش هنقدر نحدد السبب من الفحص الأولي بس. وممنوع نحاول نحرك أي جسم موجود في رقبتك قبل ما نعرف طبيعته ومكانه بدقة.
آدم أشار للحارس الواقف عند الباب.
اتنين من رجالتنا يروحوا المستشفى القديم، ويجيبوا كل الملفات الأصلية. محدش يتصل بالدكتور كمال، ومحدش يبلغ مروان بأي خطوة هنعملها.
الحارس خرج ينفذ الأوامر.
لكن آدم ماكانش مركز معاه.
كان باصص لليلى، اللي قاعدة في حضن أمها وبتفرك عينيها من النوم.
نادى عليها بهدوء
ليلى، تعالي هنا يا حبيبتي.
سلمى اترددت، لكن آدم طمّنها بإشارة من إيده، فسمحت لبنتها تقرب منه.
قعد آدم على ركبته قدام الطفلة وسألها
إنتِ قلتي إنك شفتي الراجل ده بيحط الحشرة في رقبتي. إمتى شفتيه؟
ليلى فكرت شوية، وبعدين ردت
لما كنت بلعب بالعروسة بتاعتي عند باب الأوضة اللي فيها الشاشات.
سلمى اتفاجئت.
إنتِ دخلتي أوضة الشاشات إمتى يا ليلى؟!
البنت بصت لأمها بخجل.
لما كنت بدور على الكورة بتاعتي يا ماما. الباب كان مفتوح.
آدم اتدخل بسرعة
كمّلي يا ليلى، محدش هيزعقلك.
ليلى حكت إن من يومين، وهي بتدور على لعبتها، شافت مروان واقف قدام شاشة كبيرة، وبيتكلم مع راجل لابس بالطو أبيض.
الراجل كان ماسك علبة صغيرة، ولما مروان فتحها، ظهر جواها شيء معدني بيلمع.
وبعدين سمعت مروان بيقول
الجهاز التاني لازم يفضل مكانه. لو الأول اتكشف، التاني هو اللي هيأكد إن العملية نجحت.
آدم حس ببرودة بتسري في جسمه.
والراجل اللي كان معاه؟ تقدري توصفيهولي؟
ليلى هزت راسها.
كان تخين شوية، وعنده نضارة كبيرة، وكان بيعرج وهو ماشي.
الدكتور ياسين رفع عينيه فجأة.
آدم... الدكتور كمال عنده إصابة قديمة في رجله، وبيمشي فعلًا بعرج بسيط!
آدم وقف ببطء.
كل قطعة في اللغز كانت بتقرب من التانية، لكن لسه فيه سؤال واحد مش قادر يجاوب عليه.
ليه هو بنفسه طلب زرع الجهاز؟
وقبل ما يقدر يفكر أكتر، سمعوا صوت عربية بتتحرك بسرعة ناحية البوابة الخارجية.
واحد من الحراس دخل مسرعًا.
يا فندم، الدكتور كمال اختفى! العربية اللي كان جاي بيها اتحركت، والحراس اللي على البوابة بيقولوا إنه خرج من المدخل الجانبي قبل ما نقدر نوقفه.
آدم قبض إيده بعصبية.
ومروان؟
مش موجود في القصر يا فندم.
آدم بص للدكتور ياسين.
الاتنين هربوا في نفس الوقت. صدفة؟
ياسين ما ردش، لكنه كان عارف إن الإجابة غالبًا لأ.
بعد حوالي ساعة، وصل رجلا آدم من المستشفى القديم، ومعاهم صندوق أرشيف كبير وعدد من الملفات الطبية.
آدم طلب منهم يحطوا كل حاجة على المكتب، وبدأ يراجع الأوراق بنفسه.
كانت فيه تقارير عن إصاباته، ونتائج أشعة، وملاحظات عن نوبات الصداع وفقدان الذاكرة.
لكن وسط الملفات، ظهر تقرير مختلف تمامًا.
تقرير مكتوب عليه بخط واضح
مشروع الذاكرة ملف سري للغاية.
وتحته اسم آدم المنشاوي، وتاريخ قبل الانفجار بأسبوع واحد.
فتح آدم التقرير، وبدأ يقرا.
كل ما كان بيقرا، ملامحه كانت بتتغير.
التقرير بيقول إن آدم وافق على المشاركة في تجربة طبية سرية، هدفها اختبار جهاز إلكتروني صغير لمراقبة بعض الإشارات العصبية، ضمن برنامج بحثي تجريبي.
لكن الصفحة الأخيرة كانت ناقصة.
والأغرب إن فيه توقيع تاني تحت توقيعه.
توقيع مروان الديب.
آدم رفع راسه للدكتور ياسين.
هو فيه أي جهاز طبي ممكن يتحط في الجسم ويخلّي الإنسان ينسى ذكريات معينة بالشكل ده؟
ياسين رد بحذر
فيه أبحاث عن تقنيات بتتفاعل مع الجهاز العصبي، لكن مفيش أساس علمي يخلينا نستنتج إن جسم صغير زي ده يقدر يمسح ذكريات محددة بالطريقة اللي بتوصفها. لازم نعرف نوع الجهاز، ونراجع تاريخك الطبي، ونشوف إذا كانت أعراضك مرتبطة بإصابة الدماغ أو بأسباب تانية.
آدم رجع بص للتقرير.
يبقى فيه حاجة ناقصة هنا، وحاجة حد متعمد يخبيها.
وفجأة، ليلى اللي كانت قاعدة بترسم على ورقة، رفعت راسها وقالت
يا عمو، هو الراجل اللي في الصورة دي كان زعلان منك؟
آدم بص لها باستغراب.
صورة مين؟
ليلى أشارت لصورة قديمة كانت طالعة من الملف.
كانت صورة آدم مع مروان والدكتور كمال، قدام مبنى طبي، قبل الانفجار بأيام.
ليلى قربت الصورة من وشها وقالت
الراجل اللي لابس النضارة كان بيزعقلك، وإنت كنت بتقوله مش هعمل كده تاني.
آدم خطف الصورة من إيدها.
إنتِ شفتي الصورة دي قبل كده؟
لأ، بس أنا شفتها في الأوضة اللي فيها الشاشات. كانت كبيرة على الحيطة.
سلمى بصت لآدم بقلق.
يا بيه، بنتي مش بتكدب، بس هي صغيرة وممكن تكون لخبطت بين الصور.
آدم ما ردش.
لأنه افتكر فجأة إن فيه غرفة في قصره ممنوع أي حد يدخلها، حتى أقرب رجاله.
غرفة كانت مقفولة من يوم رجع من المستشفى.
غرفة فيها كل أوراقه القديمة وأجهزة الكمبيوتر اللي كان بيستخدمها قبل الحادث.
قام بسرعة، وأمر الحراس يفتحوا الغرفة.
ولما وصلوا، وقف قدام الباب المعدني، وحط بصمته على جهاز الدخول.
الباب اتفتح ببطء.
الغرفة كانت مليانة شاشات مطفية، وملفات متكومة، وأجهزة مغطاة بأقمشة سميكة.
لكن عيني آدم وقعت فورًا على شاشة واحدة لسه منورة.
وكان عليها ملف مفتوح بعنوان
التسجيل الأخير قبل الانفجار ب 11 دقيقة.
آدم ضغط على زر التشغيل.
ظهرت صورته على الشاشة، قاعد على كرسي في نفس الغرفة، ووشه مرهق، لكنه كان واعي تمامًا.
بص للكاميرا وقال
لو إنت بتشوف التسجيل ده، يبقى الخطة فشلت، أو إن ذاكرتي بدأت ترجع.
سكت لحظات، وبعدها كمل
أنا وافقت على التجربة، لكني اكتشفت إن مروان غيّر الهدف الحقيقي منها. الجهاز ماكانش مجرد وسيلة للمراقبة. فيه بيانات اتجمعت من غير موافقتي، وبيستخدمها عشان يسيطر على قراراتي ويخفي عني معلومات مهمة.
آدم اتراجع خطوة.
التسجيل استمر.
لو حصل لي أي حاجة، لازم تراجعوا النسخة الأصلية من الملف رقم 17. النسخة دي موجودة في مكان واحد بس، ومروان ما يعرفش مكانه.
وفجأة، آدم اللي في التسجيل قرب من الكاميرا، وقال جملة خلت آدم الحقيقي يحس إن قلبه وقف
وأهم حاجة... ما تثقش في الشخص اللي هيدخل عليك ويقول إنه عايز ينقذك.
انطفأت الشاشة.
آدم فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
لكن في اللحظة دي، باب الغرفة اتفتح وراهم.
دخلت نادين الشربيني، خطيبة آدم، وهي ماسكة ظرف أبيض.
كانت ملامحها متوترة، وعينيها حمرا من العياط.
بصت لآدم وقالت
أنا عارفة إنك هتكرهني بعد اللي هقولهولك، بس لازم تعرف الحقيقة قبل ما يكون فات الأوان.
آدم بص للظرف اللي في إيدها.
إيه اللي جابك هنا يا نادين؟ وإيه اللي إنتِ عارفاه؟
نادين حطت الظرف على المكتب، وفتحته بإيدين بتترعش.
طلعت منه صورة قديمة، وصك ملكية، وورقة مكتوب عليها بخط مروان.
وبعدين قالت
قبل الانفجار بيوم واحد، مروان جه لي وطلب مني أمضي على الورق ده. قال لي إنه إجراء عادي لحمايتك لو حصلك أي مكروه.
آدم مسك الورقة.
ولما قرأ اسم الشخص اللي هتنتقل له إدارة شركاته وممتلكاته في حالة فقدانه القدرة على اتخاذ القرارات، حس إن كل حاجة حواليه بتلف.
الاسم كان مروان الديب.
لكن ده ماكانش أسوأ جزء.
لأن تحت التوقيع، كان فيه بند بيقول إن نادين نفسها وافقت على الشهادة بأن آدم كان يعاني من اضطرابات في الذاكرة قبل الحادث، وإنه غير قادر على إدارة أعماله بمفرده.
آدم رفع عينيه ليها، وصوته خرج مكسورًا من الصدمة
إنتِ كنتِ عارفة إنهم بيخططوا ياخدوا كل حاجة مني؟
نادين انفجرت في العياط.
والله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا فيك كده! أنا اكتشفت الحقيقة من يومين بس، ولما حاولت أواجه مروان، هددني إنه هيخليني أخسر كل حاجة!
آدم فضل باصص لها، مش عارف يصدقها ولا لأ.
وفجأة، ليلى اللي كانت واقفة عند الباب، أشارت للصورة اللي في إيد نادين.
يا عمو آدم... دي مش الصورة اللي شفتها!
آدم لف ناحيتها.
أمال إيه يا ليلى؟
البنت قربت من الصورة، ولمست طرفها الصغير.
الصورة اللي كانت في الأوضة، كان فيها راجل تالت واقف وراكم. راجل أنا شوفته النهارده عند البوابة.
الدكتور ياسين سألها بسرعة
تقدري تقولي لنا شكله كان عامل إزاي؟
ليلى هزت راسها، وبعدين قالت جملة خلت آدم يبص للدكتور ياسين نفسه بشك
كان شبه الدكتور اللي جاي يساعد عمو... بس كان لابس نضارة سودا!
الكل سكت.
آدم لف ببطء ناحية ياسين.
لأول مرة، بدأ يسأل نفسه إذا كان الطبيب اللي طلبه عشان يكشف الحقيقة، هو كمان جزء من السر.
وفي نفس اللحظة، موبايل آدم وصلته رسالة من رقم مجهول.
رسالة قصيرة، مرفق بيها تسجيل صوتي.
ضغط تشغيل.
وجاله صوت مروان واضحًا
يا آدم، لو عايز تعرف مين زرع الجهاز في رقبتك، اسأل الدكتور ياسين عن اللي حصل في غرفة العمليات
تم نسخ الرابط