بنت الشغاله
قبل ما نتصرف على أساس روايته.
آدم وافقه.
لكن قبل ما يتحرك، سمع صوت أمه جاي من مدخل المخزن.
آدم، استنى!
الحاجة زينب نزلت السلم ببطء، وهي ماسكة ظرفًا قديمًا.
وقفت قدامه، ووشها مليان خوف.
فيه حاجة تانية لازم تعرفها قبل ما تقابل أخوك.
آدم بص لها بوجع.
إيه تاني يا أمي؟ هو فيه حاجة واحدة في حياتي طلعت زي ما كنت فاكرها؟!
أمه مدت له الظرف.
أبوك كتبلي جواب قبل ما يموت، وطلب مني ما أديهوشولكش غير لما يوسف يرجع بنفسه.
آدم فتح الظرف بسرعة.
الجواب كان مكتوبًا بخط والده، وفيه سطر واحد متكرر أكتر من مرة
ما تخليش أخوك الكبير يقرب من الشركات قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.
آدم رفع عينيه.
ليه؟ إيه اللي عمله يوسف؟
أمه بدأت تعيط.
أنا مش عارفة يا ابني. أبوك ما شرحليش كل حاجة. كل اللي قالهولي إنه كان بيحاول يحميك من قرار هتاخده بنفسك، وإن يوسف ممكن يكون هو الشخص الوحيد اللي يقدر يساعدك... أو الشخص اللي يدمرك.
آدم حط الجواب في جيبه.
وبص لأمه وقال
المرة دي مش هخلي حد يقرر عني أنا أعرف إيه وإيه ما أعرفوش.
بعد ساعة، خرج آدم من القصر بعربية مصفحة، ومعاه الدكتور ياسين فقط، بينما فضلت سلمى وليلى في مكان آمن جوه القصر تحت حماية الحراس اللي اختارهم بنفسه.
قبل ما العربية تتحرك، ليلى جريت ناحيته.
يا عمو آدم!
آدم نزل الشباك وابتسم لها رغم تعبه.
نعم يا ستي؟
ليلى طلعت من جيبها رسمة صغيرة، وناولتهاله.
كانت رسمة لراجلين شبه بعض، واحد فيهم فيه علامة فضية عند رقبته، والتاني واقف جنبه وماسك مفتاح.
آدم ضحك بخفة.
إيه الرسمة دي؟
ليلى قالت بجدية
دول إنت وأخوك. بس خلي بالك، الراجل التاني في الحقيقة كان بيعيط لما كان بيبص عليك.
آدم اتفاجئ.
إنتِ شفتيه تاني؟
ليلى هزت راسها.
لأ، بس لما شفت صورته في المخزن، حسيت إنه زعلان منك.
آدم باس راسها وقال
هفتكر كلامك يا ليلى.
العربية اتحركت.
لكن أول ما وصلوا العنوان، اكتشفوا إن المكان عبارة عن فيلا قديمة مهجورة، بابها مفتوح، وجواها نور خافت طالع من الدور الأرضي.
ياسين بص لآدم بقلق.
المكان ده ممكن يكون فخ. الأفضل نتأكد إن مفيش حد مستخبي قبل ما ندخل.
آدم وافقه، وطلب من الحارس الموجود معاه يتواصل مع فريق الدعم، من غير ما يعلن موقعهم على أي شبكة عامة.
وبعد ما اتأكدوا إن المدخل آمن، دخلوا بحذر.
في نص الصالة، كان فيه كرسي خشب قديم، وفوقه صورة كبيرة لآدم وهو طفل، واقف جنب ولد أكبر منه.
وعلى الترابيزة، كان فيه مسجل صوت وورقة مكتوب عليها
اسمع التسجيل لوحدك، يا آدم.
آدم بص لياسين.
مش هسمعه لوحدي. لو فيه دليل، لازم يبقى عندنا نسخة منه.
شغّل المسجل.
وجاله صوت رجل كبير في السن، عرفه فورًا.
صوت أبوه.
يا آدم، لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أحل المشكلة قبل ما أموت. أخوك يوسف رجع لي بعد غياب طويل، وكان معاه أدلة إن فيه مشروع سري بيتنفذ باستخدام شركات العيلة من غير علمي.
آدم قرب من المسجل.
يوسف اكتشف إن مروان كان بيحوّل أموال لحسابات مجهولة، وإن الدكتور كمال كان بيجري تجارب طبية من غير موافقات سليمة. لكن لما حاولنا نواجههم، اكتشفنا إن فيه شخص من داخل العيلة بيساعدهم.
التسجيل سكت ثواني.
وبعدين صوت والده بقى أضعف.
أنا مش عارف مين الشخص ده، لكني عرفت حاجة واحدة الشخص اللي وقّع على الأوراق اللي سمحت بالتجربة، ماكانش يوسف... وماكانش مروان.
آدم بص للدكتور ياسين بصدمة.
صوت والده كمل
اللي وقّع كان آدم نفسه.
آدم رجع خطوة لورا.
أنا؟!
ياسين بص له، لكنه ما اتكلمش.
التسجيل استمر
لو اكتشفت إنك إنت اللي وافقت، ما تكرهش نفسك قبل ما تعرف الظروف اللي خلتك تعمل كده. كنت بتحاول تنقذ حد من العيلة، وكنت فاكر إنك بتعمل الصح.
وفجأة، سمعوا صوت حركة في الدور العلوي.
آدم وقف التسجيل، ورفع عينيه ناحية السلم.
مين فوق؟!
مافيش رد.
لكن بعدها بثواني، نزل رجل طويل من على السلم، لابس معطف أسود، وشعره فيه خصلات بيضا.
كان شبه آدم لدرجة تخوّف.
وقف الرجل على بعد خطوات منه، وبص له طويلًا.
وبعدين قال
كبرت يا أخويا الصغير.
آدم فضل ثابت مكانه.
يوسف؟
الرجل هز راسه.
أيوه. أنا يوسف المنشاوي.
آدم قرب خطوة، لكنه وقف قبل ما يمد إيده.
لو إنت أخويا فعلًا، عايزك تجاوبني عن سؤال واحد. ليه اختفيت؟ وليه رجعت دلوقتي؟
يوسف بص للصورة القديمة اللي على الترابيزة.
اختفيت لأن أبويا سلّمني لناس قالوا إنهم هيحموني من خطر كان بيهدد العيلة. لكنهم استخدموني في مشروع سري، ولما حاولت أهرب، قالوا لي إن رجوعي هيعرّضك إنت للخطر.
آدم سأله
وإيه اللي خلاك ترجع؟
يوسف بص مباشرة في عينيه.
لأن مروان بعتلي رسالة من أسبوع، وقاللي إنك بدأت تفتكر. وإنه لو ما رجعتش، هيخلّص على كل الأدلة اللي تثبت اللي حصل.
آدم قبض إيده.
يعني مروان عارف إنك عايش من زمان؟
عارف، وكان بيستخدم وجودي كورقة ضغط. لكن فيه حاجة ما يعرفهاش.
يوسف طلع من جيبه وحدة تخزين صغيرة، وحطها على الترابيزة.
دي النسخة الأصلية من ملف المشروع. فيها التسجيلات والتقارير وأسماء كل الناس اللي شاركت فيه.
آدم مد إيده ياخدها، لكن يوسف سحبها بعيد.
قبل ما تاخدها، لازم تسمع مني الحقيقة كاملة. الجهاز اللي في رقبتك ماكانش أول جهاز اتزرع في حد من عيلتنا.
آدم بص له باستغراب.
يوسف كمل
قبل الانفجار بسنين، عملوا تجربة مشابهة على شخص تاني. الشخص ده اختفى، وكل الناس اعتقدت إنه مات.
آدم سأله بقلق
مين؟
يوسف سكت لحظة، وبعدين قال
أبوك كان بيحاول يوصله قبل ما يموت. ولما أخيرًا عرف مكانه، اكتشف إنه موجود في مصر، وإنه قريب منك جدًا.
آدم حس إن قلبه بيدق بسرعة.
مين الشخص ده يا يوسف؟!
يوسف فتح فمه عشان يرد، لكن موبايل ياسين رن فجأة.
بص للشاشة، ووشه اتغير.
آدم... لازم نمشي حالًا.
آدم لف له بعصبية.
ليه؟
ياسين ورّاه رسالة وصلت من رقم مجهول
إحنا عارفين إنكم في الفيلا. لو عايزين تعرفوا مين الشخص اللي اتعملت عليه التجربة الأولى، اسألوا يوسف عن اسمه الحقيقي.
آدم رجع بص لأخوه.
اسمك الحقيقي إيه يا يوسف؟
يوسف نزل عينيه للأرض، ولأول مرة من ساعة ما دخل، ظهر عليه الخوف.
وبصوت واطي قال
يوسف المنشاوي مش اسمي الحقيقي يا آدم.
وقبل ما آدم يقدر يسأله أي سؤال تاني، انطفأت أنوار الفيلا كلها.
واتسمع صوت طلقة واحدة بره، وبعدها صوت رجل بيصرخ
محدش يتحرك! المكان كله محاصر!
وفي وسط الظلام، آدم حس بإيد يوسف بتشد دراعه، وسمعه بيهمس
لو عايز تعيش وتعرف الحقيقة، لازم تثق فيا للمرة الأخيرة... حتى لو اكتشفت إني كنت أكبر كدبة في حياتك!
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي قلبت حياة آدم المنشاوي!
الفيلا كانت غرقانة في الضلمة، وصوت خطوات الرجالة اللي بره بيقرب أكتر وأكتر.
آدم وقف قدام يوسف، وعينيه مليانة شك.
قبل ما أتحرك معاك خطوة واحدة، هتقولي الحقيقة كلها! إنت مين؟ وليه بتقول إن اسمك مش يوسف المنشاوي؟
يوسف بص له بحزن، وقال
أنا يوسف فعلًا، أخوك الكبير، لكن الاسم اللي اتربيت بيه مش اسمي الحقيقي. لما كنت طفل، بعد ما اختفيت من البيت، الناس اللي أخدوني غيروا اسمي وكل أوراقي. ولما كبرت واكتشفت حقيقتي، رجعت أدور على أبويا وعليك.
وأبويا عرف إنك عايش؟
أيوه. قابلته قبل وفاته بشهور، وهو اللي طلب مني أراقب مروان من بعيد. لكني ما لحقتش أمنعه من تنفيذ خطته.
آدم سأله بغضب
أنهي خطة؟!
يوسف طلع وحدة التخزين من جيبه، وحطها في إيد آدم.
الخطة اللي بدأت بموافقتك إنت.
آدم بص له بذهول.
يوسف كمل
قبل الانفجار بشهور، كنت بتعاني من نوبات صداع شديدة وفقدان مؤقت للذاكرة بسبب إصابة قديمة. الدكتور كمال أقنعك إن فيه تجربة طبية ممكن تساعد في مراقبة نشاط مخك، وإنها هتساعد الدكاترة يفهموا سبب الأعراض. إنت وافقت على الفحص، لكنك ماكنتش تعرف إن مروان هيستغل المشروع عشان يجمع معلومات عن حالتك ويتحكم في القرارات اللي بتتاخد باسمك.
آدم هز راسه بعدم تصديق.
والانفجار؟
يوسف رد
الانفجار ماكانش جزءًا من أي تجربة طبية. كان محاولة لقتلك، وبعد ما نجيت، مروان استغل إصاباتك وفقدانك لبعض الذكريات عشان يخفي الأدلة ويخليك تصدق إن كل اللي حصل مجرد مضاعفات للحادث.
آدم بص للتسجيلات اللي على وحدة التخزين، وقرر إنه مش هيتصرف بناءً على كلام يوسف وحده.
طلب من ياسين يحتفظ بنسخة من الملفات، ويتواصل مع جهة تحقيق مستقلة، وبعدها خرجوا من الفيلا من خلال باب خلفي، ووصلوا لمكان آمن قبل ما الرجالة اللي حاصرت المبنى يقدروا يقبضوا عليهم.
وفي الأيام اللي بعدها، بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.
التسجيلات كشفت إن مروان كان بيحوّل أموال شركات آدم لحسابات سرية، وإن الدكتور كمال زوّر أجزاء من الملف الطبي، وقدم تقارير مضللة عن حالة آدم.
أما الجهاز الموجود تحت جلد آدم، فالفحوصات المتخصصة أكدت إنه جسم إلكتروني مزروع من غير توثيق طبي سليم. لكن الأطباء ماقدروش يثبتوا إنه السبب المباشر في فقدان الذاكرة، وبدأوا خطة علاج دقيقة للتعامل معاه بأمان.
وبعد مراجعة التقارير والتحقيقات، اتضح إن مروان استغل موافقة آدم على تجربة مراقبة طبية محدودة، ووسّع نطاقها من غير موافقته المستنيرة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ملف على وحدة التخزين.
ملف بعنوان التسجيل الكامل لليلة الانفجار.
آدم شغّله، فظهر مروان في تسجيل قديم، وهو بيتكلم مع الدكتور كمال.
مروان قال
لازم آدم يفضل فاكر إننا بنحاول ننقذه. لو اكتشف إننا بنخفي عنه المستندات، كل حاجة هتنهار.
الدكتور كمال سأله
ولو ذاكرته رجعت؟
مروان رد ببرود
ساعتها هنواجه المشكلة بالطريقة القانونية اللي جهزناها. الأوراق اللي مضى عليها هتخلينا نسيطر على الإدارة، وهو مش هيقدر يثبت إننا ضللناه بسهولة.
آدم وقف التسجيل، ووشه مليان غضب.
لأول مرة، فهم إن مروان ماكانش مجرد مستشار خانه؛ ده كان شخص بيخطط من سنين عشان يستولي على إمبراطوريته.
وبعد أسابيع من التحقيق، اتقبض على مروان والدكتور كمال، وبدأت إجراءات محاكمتهما، واتجمّدت الحسابات المشبوهة لحد ما اتراجعت المستندات المالية بالكامل.
أما نادين، فآدم اكتشف إنها مضت على الأوراق من غير ما تعرف تفاصيل الخطة الحقيقية. لكنه ما رجعش علاقته بيها زي الأول، وقرر يأجل الجواز لحد ما كل حاجة تتوضح. وبعد فترة، اتفقوا ينفصلوا بهدوء، من غير اتهامات ولا انتقام.
لكن حكاية ليلى كانت لسه مستنية أجمل مفاجأة.
بعد ما استقرت الأمور، آدم طلب من سلمى وليلى يزوروه في القصر.
ليلى دخلت المكتبة وهي ماسكة رسمة جديدة، وجريت ناحيته.
يا عمو آدم! بص، أنا رسمتلك الحشرة الحديد وهي بره رقبتك!
آدم ضحك لأول مرة من شهور.
الحمد لله يا ليلى، خلصنا من الحشرة دي.
البنت بصت له بجدية، وقالت
طب إنت لسه زعلان؟
آدم نزل لمستواها.
كنت زعلان عشان كنت فاكر إن كل الناس اللي حواليا بيحبوني، وطلعت مش عارف مين الصادق ومين الكداب. بس إنتِ ساعدتيني أعرف الحقيقة.
ليلى ابتسمت وقالت
ماما بتقول إن الكدب عمره ما بيعيش طويل.
آدم بص لسلمى، اللي كانت واقفة عند الباب وبتبتسم.
أمك عندها حق.
وبعدها بمدة، آدم أسس مركزًا طبيًا مستقلًا لمتابعة المصابين بإصابات الدماغ والذاكرة، واشترط إن أي تجربة طبية تتعمل فيه تكون بموافقة واضحة وحقيقية من المريض، وتحت رقابة مستقلة.
أما يوسف، فأثبتت التحاليل والوثائق إنه فعلًا أخوه الكبير، ورجع يعيش قريب من العيلة بعد سنين طويلة من الغياب.
وفي يوم افتتاح المركز، وقف آدم جنب أخوه وأمه، وبص للناس اللي حضروا، وقال
أنا خسرت سنين من عمري وأنا فاكر إن القوة معناها إن محدش يقدر يقرب مني. لكن اكتشفت إن أقوى إنسان هو اللي يقدر يواجه الحقيقة، حتى لو الحقيقة وجعته.
وبعدين نادى على ليلى، واداها هدية صغيرة صندوق ألوان كبير وكتاب رسم مليان صور للحيوانات والحشرات.
ليلى فتحت الهدية، وصرخت من الفرحة.
ياااه! أهو ده أحلى من الحشرة الحديد بكتير!
الكل ضحك، حتى آدم.
وفي اللحظة دي، بص لأمه، وبعدها لأخوه، وحس إنه أخيرًا رجع يمتلك حياته من جديد.
أما مروان، فخسر نفوذه وثروته المشبوهة، وبقى مضطر يواجه نتائج أفعاله قدام القانون.
وآدم المنشاوي، اللي كان يومًا أخطر رجل في القاهرة، اتعلم إن أخطر الأسرار مش دايمًا بتكون مستخبية تحت الجلد...
ساعات بتكون مستخبية ورا وشوش الناس اللي بنثق فيهم.
النهاية.