امي عندها 80 سنه
المحتويات
الأوراق بسرعة، وهمس لي
استخبي ورا الدولاب، ومهما سمعتي، ماتخرجيش!
دخلت ورا الدولاب، وأنا حابسة نفسي.
الباب اتفتح.
وسمعت صوت راجل غريب بيقول
عرفت إنها جات هنا. فين الملف؟!
رد عليه الراجل صاحب البالطو
مفيش أي ملف هنا.
الغريب ضحك ضحكة قصيرة وقال
ماتكذبش عليّا. البنت لازم تعرف الحقيقة، بس مش قبل ما أعرف هي وصلت لإيه.
وبعد لحظات من الصمت، قال جملة خلتني أحط إيدي على بقي من الرعب
لو عرفت إن الست اللي ربتها هي اللي أنقذتها زمان، مش هيصدقها حد... لأن أمها الحقيقية هي نفسها الست اللي اتهموها بخطفها!
وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز في جيبي.
رسالة جديدة من أمي.
فتحتها وأنا مستخبية، ولقيت فيها صورة حديثة لست عجوزة، وتحتها جملة واحدة
دي الست اللي لازم تقابليها... لكن أوعي تقولي لها إنك بنتي قبل ما تسأليها عن اللي حصل يوم ١٧ مارس.
رفعت عيني ناحية الباب، وسمعت الغريب بيقول
هاتولي الشنطة السودا، قبل ما البنت تكتشف إن اللي جواها مش ملك أمها أصلًا!
يتبع...
فضلت مستخبية ورا الدولاب، حاطة إيدي على بقي، وبحاول أمنع نفسي من العياط.
الراجل الغريب كان بيتكلم بثقة مخيفة، كأنه عارف كل تفصيلة في حياتي، حتى الحاجات اللي أنا نفسي ماعرفهاش!
سمعته بيقول
عندك خمس دقايق تجيبلي الملف، وإلا هضطر أقول للبنت الحقيقة بطريقتي.
صاحب البالطو الرمادي رد عليه بعصبية
إنت مالكش حق تحكي لها أي حاجة! إنت عارف كويس إن اللي حصل زمان كان أكبر مننا كلنا.
الغريب ضحك وقال
أكبر مننا؟ ولا إنت خايف تعترف إنك كنت واحد من الناس اللي سكتوا عن الحقيقة؟
ساد صمت طويل، وبعده سمعت صوت درج بيتفتح، وأوراق بتتقلب بعنف.
في اللحظة دي، موبايلي اهتز مرة تانية.
كانت رسالة جديدة من أمي
لو وصلتي للست اللي بعتلك صورتها، اسأليها عن المفتاح الفضي. ماتسأليهاش عني، وماتقوليلهاش اسمك الحقيقي. هي الوحيدة اللي تعرف ليه اتبدلت الأسماء يوم ولادتك.
اسمك الحقيقي؟!
يعني حتى اسمي ممكن يكون مش اسمي؟!
حسيت إن رأسي هتنفجر من كتر الأسئلة.
وفجأة، سمعت الغريب بيصرخ
الملف اختفى!
رد صاحب البالطو
مستحيل! أنا حطيته هنا بإيدي!
الغريب ضرب بإيده على المكتب وقال
يبقى حد أخده قبل ما نوصل. اسمعني كويس، لو الورق ده وصل للست، كل اللي اتخبّى لمدة تمانية وعشرين سنة هينكشف!
تمانية وعشرين سنة!
أنا فعلًا عندي تمانية وعشرين سنة.
اتسمرت مكاني، وحاولت أفتكر كل حاجة أمي قالتها لي عن يوم ولادتي.
كانت دايمًا تحكي إن ولادتي كانت صعبة، وإنها فضلت في المستشفى أيام طويلة، وإن أبويا ما سابهاش لحظة واحدة.
لكن عمرها ما ورّتني شهادة ميلادي القديمة، ولما كنت بسألها عن أول صورة ليا وأنا رضيعة، كانت بتقول إنها ضاعت في نقلة البيت.
كل الذكريات اللي كنت بعتبرها عادية، بدأت تتحول لعلامات استفهام.
بعد شوية، سمعت الباب بيتقفل، والخطوات بتبعد.
استنيت لحد ما اتأكدت إن محدش موجود، وخرجت من ورا الدولاب.
لقيت صاحب البالطو قاعد على الكرسي، حاطط إيده على وشه.
قربت منه وقلت
أنا سمعت كل حاجة. ومش همشي من هنا غير لما أعرف الحقيقة كاملة.
رفع عينيه ليا، وكان واضح إنه مرهق جدًا.
الحقيقة مش سهلة يا بنتي.
وأنا مش طفلة! أنا عايزة أعرف مين أمي الحقيقية، وليه أبويا وقّع في المكان ده، وليه أمي رجعت من الرحلة وهي بالشكل ده!
فضل ساكت لحظات، وبعدين فتح درج صغير في المكتب، وطلع منه مفتاح فضي قديم.
أول ما شفته، افتكرت رسالة أمي.
المفتاح الفضي.
مديت إيدي آخده، لكنه سحبه بعيد عني.
المفتاح ده مش بتاعي، وأنا ماينفعش أسلمهولك إلا لما تتأكدي إنك فعلًا صاحبة الحق فيه.
صرخت فيه
أتأكد إزاي؟!
قال
روحي للعنوان اللي في الرسالة، وقابلي الست اللي في الصورة. لو هي فعلًا الست اللي بدوري عليها، هتعرف المفتاح ده من أول نظرة.
أخدت العنوان منه، وخرجت من المبنى وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن حياتي القديمة، وبتقربني من حقيقة كنت عايشة جنبها طول عمري من غير ما أعرف.
ركبت عربيتي، واتجهت للعنوان.
كان بيت صغير في شارع هادي، قدامه شجرة ياسمين كبيرة، وعلى الباب جرس قديم.
خبطت مرة.
ماحدش رد.
خبطت تاني، وسمعت صوت خطوات بطيئة جاية من جوه.
الباب اتفتح، وظهرت الست اللي شفت صورتها في رسالة أمي.
كانت عجوزة، شعرها أبيض بالكامل، وعينيها فيها حزن عميق.
بصت لي من فوق لتحت، وبعدها قالت
إنتِ مين يا بنتي؟
كنت هقول اسمي، لكن افتكرت تحذير أمي.
فقلت
أنا جاية أسأل حضرتك عن المفتاح الفضي.
في اللحظة دي، وش الست اتغير تمامًا.
بصت ورايا في الشارع، وبعدها مسكت دراعي ودخلتني البيت بسرعة، وقفلت الباب بالمفتاح.
قالت بصوت مرتعش
مين اللي بعتك؟ أمك؟ ولا الراجل اللي كان بيدور عليّا من يومين؟
قلت بسرعة
أمي بعتتلي صورتك، وقالتلي أسألك عن المفتاح. أنا مش فاهمة أي حاجة، وكل اللي أعرفه إن فيه سر متعلق بيوم ١٧ مارس ١٩٩٨.
أول ما سمعت التاريخ، قعدت على أقرب كرسي، وغطت وشها بإيديها.
فضلت تعيط لدقايق، من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
وبعدين رفعت وشها وقالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي، بس ماكنتش متخيلة إنك إنتِ اللي هتيجي بنفسك.
قربت منها، وقلت
حضرتك تعرفيني؟
بصت لي بعينين مليانين دموع، ومدت إيدها ولمست خدي، وكأنها بتحاول تتأكد من ملامحي.
وبصوت مبحوح قالت
أنا شفتك آخر مرة وإنتِ عندك ساعات قليلة... وكنت فاكرة إني عمري ما هشوفك تاني.
حسيت بدوخة شديدة.
يعني إيه؟! إنتِ كنتِ تعرفيني وأنا رضيعة؟!
هزت راسها، وبعدها قامت بصعوبة، وراحت ناحية دولاب خشبي قديم.
فتحت الدرج السفلي، وطلعت صندوق صغير ملفوف بقطعة قماش زرقاء.
حطته قدامي، وقالت
قبل ما أفتح الصندوق، لازم تعرفي إن أمك اللي ربتك ما سرقتكيش، ولا خطفتك، زي ما الناس اتهموها زمان.
سألتها وأنا على وشك الانهيار
أمال إيه اللي حصل؟!
فتحت الصندوق.
كان جواه سوار فضي تاني، شبه اللي معايا بالظبط، لكن محفور عليه رقم مختلف ٢٨.
وتحته كانت فيه ورقة قديمة عليها اسمين، وتاريخ واحد، وتوقيع أبويا.
الست أشارت للاسم الأول وقالت
دي الست اللي ولدتِك.
وبعدين أشارت للاسم التاني.
ودي الست اللي كان المفروض تاخدك من المستشفى.
بصيت للاسمين، وقلبي بيدق بسرعة.
الاسم الأول كان اسم الست اللي قدامي.
أما الاسم التاني...
فكان اسم أمي اللي ربتني طول عمري!
صرخت
يعني حضرتك أمي الحقيقية؟!
لكن الست ما لحقتش ترد.
لأن جرس الباب رن فجأة.
مرة.
واتنين.
وبعدين سمعنا صوت راجل من بره بيقول
افتحي يا مدام. أنا عارف إن البنت عندك، وجاي آخد الحاجة اللي معاها.
الست اتجمدت مكانها، وبصت لي برعب.
همست
ده نفس الراجل اللي كان موجود يوم اختفائك... ولو دخل البيت، لازم تخبي السوار التاني.
جريت ناحية الشباك أدور على مخرج، لكن قبل ما أتحرك، الست مسكت إيدي بقوة وقالت
استني! فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تخرجي من هنا.
بصت في عيني مباشرة، وقالت
إنتِ مش الطفلة الوحيدة اللي اتولدت في الليلة دي... كان فيه طفلة تانية، واتكتب في الأوراق الرسمية إنها ماتت بعد الولادة. لكن أنا شفتها بعيني بعد سنين، وكانت عايشة وسط عيلتك!
وفي اللحظة نفسها، صوت الباب بدأ يتكسر...
والست همست باسم الشخص اللي كانت بتتكلم عنه.
اسم خلاني أفتكر صورة قديمة موجودة في بيتنا من سنين، صورة لشخص كنت فاكرة إنه مجرد قريب بعيد للعيلة!
يتبع...
صرير الباب وهو بيتكسر خلاني أرجع لورا بخوف، لكن الست العجوز مسكت إيدي وجرت بيا ناحية أوضة صغيرة في آخر البيت.
قفلت الباب بالمفتاح، وراحت ناحية دولاب خشب قديم، زقته بصعوبة، فظهر وراه باب ضيق مستخبي في الحيطة!
بصيت لها بصدمة وقلت
إيه ده؟! هو البيت ده فيه مخرج سري؟!
ردت وهي بتنهج
أبوكي هو اللي عمله من سنين، وقال لي لو جه اليوم اللي حد يدور فيه على البنت، لازم أخرجها من هنا قبل ما يعرفوا الحقيقة كلها.
وقفت مكاني.
أبويا؟! بس إنتِ قلتي إن أبويا كان عارف اللي حصل يوم ولادتي!
الست بصت لي بحزن وقالت
أبوكي كان عارف جزء من الحقيقة، لكنه ماكانش يعرف كل حاجة. ولما اكتشف إن فيه حد بيغيّر الأوراق، حاول يصلّح الغلط، لكن الوقت ما أسعفوش.
قبل ما أقدر أسألها سؤال تاني، سمعنا صوت الباب الخارجي وهو بيتفتح بعنف.
الراجل دخل البيت!
سمعناه بينادي
أنا عارف إنك هنا! بلاش تصعّبي الموضوع على نفسك!
الست فتحت الباب السري، وأشارت لي أدخل.
لكن قبل ما أتحرك، مسكت إيدي وقالت
اسمعيني كويس. لو حصل لي أي حاجة، روحي لعنوان المستشفى المكتوب في الورقة اللي جوه الصندوق، واطلبي السجل الأصلي ليوم ١٧ مارس ١٩٩٨. ماتصدقيش أي نسخة موجودة في البيت عند أمك.
سألتها وأنا بعيط
طب وإنتِ؟! هسيبك لوحدك إزاي؟!
ابتسمت ابتسامة حزينة، ومسحت دمعة من على خدي.
أنا استنيت اللحظة دي تمانية وعشرين سنة. مش هسيبك تمشي من هنا من غير ما تعرفي إنتِ مين.
وفجأة، خبط الراجل على باب الأوضة بعنف.
افتحي حالًا!
الست دفعتني ناحية الممر السري، وحطت الصندوق في إيدي.
اجري يا بنتي!
دخلت الممر وقفلت الباب ورايا، وبدأت أمشي في الضلمة وأنا حاضنة الصندوق لصدري.
بعد دقائق، وصلت لباب صغير بيطل على شارع جانبي.
خرجت، وجريت ناحية عربيتي، وفضلت أبص ورايا لحد ما وصلت للطريق الرئيسي.
كان عندي عنوان المستشفى، لكن عقلي كان متعلق بالجملة اللي قالتها الست
كان فيه طفلة تانية، واتكتب إنها ماتت، لكنها كانت عايشة وسط عيلتك!
مين الطفلة دي؟ وليه حد يخفي وجودها؟
وفجأة افتكرت صورة قديمة عندنا في البيت.
صورة لأخو أبويا، عمي محمود، وهو شايل بنت صغيرة، وأمي واقفة جنبه وبتبتسم.
طول عمري كنت فاكرة إن البنت دي بنت عمي، وإنها سافرت مع أمها وهي صغيرة، وبعدها انقطعت أخبارها عن العيلة.
لكن دلوقتي بدأت أشك في كل حاجة.
وصلت المستشفى بعد حوالي ساعة، وطلبت أشوف سجلات الولادة القديمة.
الموظف رفض في البداية، لكن لما وريته صورة الورقة اللي في الصندوق، اتغيرت ملامحه.
دخل مكتبه، وبعد شوية رجع ومعاه ست كبيرة في السن، عرّفت نفسها إنها كانت مشرفة التمريض في المستشفى وقتها.
أول ما شافتني، فضلت تبص لوشي وكأنها شافت شبح.
قالت بصوت واطي
إنتِ شبهها بشكل يخوّف!
سألتها
شبه مين؟
ما ردتش، لكنها طلبت مني أقعد معاها في أوضة جانبية.
وبعد ما قفلت الباب، قالت
اللي حصل يوم ولادتك كان فيه خطأ كبير، والناس اللي كانوا موجودين وقتها اتفقوا إنهم مايتكلموش أبدًا.
حطيت الصندوق على المكتب وقلت
أنا مش عايزة كلام عام. أنا عايزة أعرف الحقيقة. مين اللي ولدتني؟ وإيه علاقة أبويا بكل ده؟
فتحت دفترًا قديمًا، وبدأت تقلب صفحاته لحد ما وصلت لصفحة عليها التاريخ نفسه.
كانت فيه خانتان متجاورتان، لكل واحدة رقم وبيانات طفلة.
الأولى مكتوب جنبها الطفلة رقم ٢٧.
والتانية الطفلة رقم ٢٨.
لكن الغريب إن اسم الأم في الخانتين كان واحدًا!
صرخت
إزاي؟! يعني إحنا أختين؟!
المشرفة رفعت عينيها ليا وقالت
ده اللي مكتوب في السجل الأصلي. لكن بعد يومين، حد رجع وعدّل البيانات، وشال اسم الأم من ملف الطفلة رقم ٢٨.
قربت من الدفتر، وقلبي بيدق بعنف.
مين اللي عدّلها؟!
المشرفة قلبت الصفحة، وأشارت لتوقيع موجود أسفل التعديل.
التوقيع كان باسم عمي محمود!
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
عمي محمود اللي كنت فاكرة إنه مجرد قريب بعيد، واللي اختفى من حياتنا من سنين، كان اسمه موجود في قلب السر!
سألتها
هو كان بيعمل إيه هنا أصلًا؟!
ردت
كان جاي مع والدك يوم الولادة. لكن بعد التعديل، والدك رجع لوحده، وطلب مننا نحتفظ بالنسخة الأصلية في مكان آمن.
فتحت الصندوق بسرعة، وبدأت أفتش بين الأوراق.
لقيت ظرف صغير مخفي تحت البطانة، عليه خط أبويا.
فتحته، ولقيت رسالة قصيرة مكتوبة بخط إيده
لو بنتي وصلت للحقيقة، لازم تعرف إن محمود ماكانش الشخص الوحيد اللي غيّر الأوراق. الشخص التاني كان أقرب إنسان لينا، والوحيد اللي كنا بنأتمنه على بيتنا وأولادنا.
قرأت الرسالة مرة واتنين.
أقرب إنسان لينا؟
مين ممكن يكون؟
أمي؟
ولا حد تاني من العيلة؟
قبل ما أقدر أستوعب، موبايلي رن.
كانت أمي.
رديت، وقلت بصوت مخنوق
ماما، أنا عرفت موضوع الطفلتين، وعرفت إن عمي محمود كان موجود في المستشفى!
أمي سكتت تمامًا.
وبعد ثواني، سمعتها بتقول
إنتِ فتحتي الصندوق؟!
أيوه! وعرفت إن فيه حد غيّر السجلات. عايزة أعرف مين!
أمي بدأت تعيط، وبعدها قالت
أنا كنت مستنية اليوم اللي هتسأليني فيه السؤال ده. بس قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن الست اللي قابلتيها مش قالت لك كل الحقيقة.
اتجمدت مكاني.
تقصدي إيه؟!
ردت بصوت مرتعش
لأنها مش أمك الحقيقية الوحيدة اللي كانت موجودة يوم ولادتك... ولأن واحدة من الطفلتين ماكانش المفروض تخرج من المستشفى أصلًا.
حسيت بصداع شديد.
ماما، كفاية ألغاز! قوليلي مين أنا!
سمعت أمي بتاخد نفسًا عميقًا، وبعدها قالت
إنتِ البنت اللي خرجت من المستشفى باسم أختك... وأختك هي اللي عاشت في بيتنا سنين طويلة على إنها إنتِ!
وقبل ما أقدر أرد، سمعت صوت جرس بيتنا في الخلفية، وبعده صوت أمي وهي بتهمس برعب
يا نهار أبيض... هو وصل!
الخط اتقفل.
اتصلت بيها مرة، واتنين، وعشرة، لكنها ما ردتش.
وفي اللحظة دي،
متابعة القراءة