امي عندها 80 سنه

لمحة نيوز

ماما؟! إنتِ قلتي إن أبويا ماكانش يعرف كل الحقيقة!
أمي سكتت طويلًا، وبعدها قالت
أبوكي كان عارف إن فيه طفلتين، لكنه ماكانش عارف إن واحدة منهم هي بنت ليلى... غير بعد ما خرجت الطفلة من المستشفى.
وفي اللحظة دي، موبايل عماد رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد بسرعة، وسمعنا صوت شخص بيتكلم من الناحية التانية.
ماسمعناش غير جملة واحدة قالها عماد قبل ما يقفل
لأ... محدش يعرف إنها لسه عايشة!
بصيت له بصدمة.
مين اللي لسه عايشة يا عماد؟!
عماد حط الموبايل في جيبه، وبص لي وكأنه ندم إنه جه البيت أصلًا.
وبعدين قال
مش أختك اللي بندور عليها... فيه ست تالتة مرتبطة بالقصة، وكلنا كنا فاكرين إنها ماتت من تمانية وعشرين سنة!
وقبل ما أقدر أسأله عن اسمها، أمي مسكت إيدي بقوة وقالت
يا بنتي، لو عايزة تعرفي مين الست دي، لازم نروح المقبرة قبل طلوع الشمس... لأن تحت اسمها المكتوب على شاهد القبر، فيه سر أبوكي دفنه بإيده!
يتبع... 
النهاية الأخيرة سر المقبرة اللي غيّر حياة عيلة كاملة 
فضلت باصة لأمي وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
مقبرة إيه يا ماما؟! ومين الست اللي بتقولوا إنها ماتت من تمانية وعشرين سنة؟! أنا تعبت من الأسرار دي، وعايزة أعرف الحقيقة مرة واحدة!
أمي مسكت إيدي وقالت بصوت مكسور
الست دي اسمها سعاد، وكانت الممرضة المسؤولة عن رعاية التوأم يوم ولادتكم. هي الوحيدة اللي شافت بعينيها مين خرج من المستشفى مع مين، وعرفت إن فيه حد بدّل الأساور وغيّر الأوراق عمدًا.
عمي محمود نزل راسه، واعترف أخيرًا
أنا كنت شاكك في اللي حصل، لكن سعاد اختفت فجأة، وبعدها وصلنا خبر إنها ماتت. أبوكي رفض يصدق الخبر، وفضل يدور عليها لحد ما مات.
سألته بقلق
طب ليه دفن سرها في المقبرة؟!
رد عماد
لأن أبوكي اكتشف إن شهادة وفاتها مزوّرة، وإن فيه حد بيستخدم اسمها علشان يخفي الحقيقة. قبل وفاته، ساب رسالة وقال إن الدليل الأخير موجود عند قبرها.
ما استنتش الصبح. أخدت أمي وعماد، وروحنا المقبرة.
وصلنا قبل الشروق بشوية، وكان الجو هادي بشكل غريب.
وقفنا قدام قبر قديم، مكتوب عليه اسم سعاد وتاريخ وفاتها.
أمي ركعت قدام القبر، وبدأت تعيط.
سامحيني يا سعاد... أنا فضلت ساكتة سنين، وكنت فاكرة إن سكوتي هيحمي البنتين.
عماد قرب من شاهد القبر، ورفع حجر صغير كان مثبت وراه. تحته لقينا علبة معدنية قديمة، جواها خطاب وشريط تسجيل صغير.
فتحت الخطاب، ولقيت خط أبويا.
كان مكتوب فيه
إلى بنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحكيلك الحقيقة وأنا عايش. يوم ولادتك، حصل خطأ في المستشفى، لكن اللي حوّل الخطأ لكذبة كبيرة كان خوفنا من الفضيحة والطمع في الميراث. أنا عرفت متأخر إن بنتين اتفصلوا عن أمهم، وإن واحدة منهم عاشت باسم مش اسمها. حاولت أصلح اللي حصل، لكن ناس من عيلتنا منعتني.
وفي آخر الخطاب، كتب اسم الشخص اللي غيّر السجلات.
كان عماد!
لفيت ناحيته بصدمة.
إنت؟! إنت اللي غيّرت الأوراق؟!
عماد انهار وقعد على الأرض، وبدأ يعترف.
قال إنه وهو شاب، كان خايف يخسر ميراث العيلة، وإنه ساعد في إخفاء بعض الأوراق بناءً على أوامر شخص أكبر منه، لكنه ماكانش يعرف إن الموضوع هيفصل طفلتين عن أمهم طول العمر.
وبعد سنين، لما فهم حجم اللي عمله، بدأ يجمع الأدلة ويحاول يوصل للحقيقة، لكنه خاف يعترف.
بصيت له بدموع وغضب.
إنتوا كلكم كنتوا بتفكروا في نفسكم، ومحدش فكر فينا إحنا!
ماقدرش يرد.
أخدت شريط التسجيل وروحنا لبيت خالتي، وهناك شغّلناه على جهاز قديم كان عندها.
طلع صوت سعاد، الممرضة، وهي بتحكي اللي حصل ليلة الولادة.
أكدت إن ليلى ولدت بنتين توأم، وإن واحدة اتنقلت لقسم تاني بسبب احتياجها لرعاية طبية. أثناء النقل، حصل تبديل في الأساور، وبعدها اتغيّرت بيانات إحدى الطفلتين في السجلات.
لكن سعاد رفضت تسكت، واحتفظت بنسخة من السجل الأصلي، وحاولت ترجع كل طفلة لأمها.
وقبل ما التسجيل ينتهي، قالت جملة قلبت كل حاجة
مريم، اللي ربت واحدة من البنتين، ماكانتش عارفة الحقيقة وقت ما أخدتها. هي حبت الطفلة بصدق، ولما عرفت إنها مش بنتها بالولادة، خافت تخسرها، لكنها في النهاية حاولت تصلح الغلط.
بصيت لأمي.
لأول مرة، فهمت إنها ماكانتش بتخطط لخطف طفلة، ولا كانت بتعيش كذبة بإرادتها من البداية. هي كانت إنسانة أخطأت لما خافت وسكتت، لكنها فضلت أمي اللي ربتني وحبتني.
ومع ذلك، كان ليا حق أعرف الحقيقة وأقابل أمي البيولوجية وأختي التوأم.
بعد أسبوع، سافرت مع خالتي للمدينة اللي عايشة فيها أختي.
وقفت قدام محل صغير، وبصيت من الزجاج.
كانت واقفة جوه، بتتكلم مع زبونة، ولما رفعت وشها، حسيت إني ببص في المراية.
دخلت المحل.
أول ما شافتني، اتجمدت مكانها.
حضرتك محتاجة حاجة؟
دموعي نزلت وأنا بقول
أنا مش جاية أشتري حاجة... أنا جاية أقولك إن ليكي أخت توأم.
فضلت باصة لي وقت طويل، وبعدها ضحكت ضحكة مرتبكة.
أخت توأم؟! إنتِ بتهزري؟
طلعت الصورة القديمة، والسوار الفضي، ونسخة من السجل الأصلي.
قعدنا ساعات نتكلم، ونقارن تواريخ ميلادنا، وذكرياتنا، والحاجات اللي ماكانش ليها تفسير.
وفي النهاية، عملنا تحليل الحمض النووي.
بعد أسبوعين، ظهرت النتيجة.
إحنا فعلًا أختين توأم، من نفس الأم والأب.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن أختي ماكانتش عايشة وسط عيلتنا زي ما كنا فاكرين. هي اتربت مع أسرة تانية بعد ما استلموها من المستشفى، وكانت الأسرة دي فاكرة إن الأوراق سليمة، وماكانش عندها أي فكرة عن اللي حصل.
أما ليلى، أمنا البيولوجية، فاجتمعت بينا أخيرًا.
أول ما شافتنا واقفين جنب بعض، فضلت تبص لنا وتعيط، وبعدها حضنتنا الاتنين وقالت
أنا خسرت تمانية وعشرين سنة من عمري وأنا بدوّر عليكم... بس الحمد لله إني شوفتكم قبل ما أموت.
رجعت بصيت لأمي مريم، اللي ربتني، وكانت واقفة بعيد وبتعيط.
جريت عليها وحضنتها.
قلت لها
إنتِ أمي اللي ربتيني، ومفيش سر هيقدر يمسح كل السنين دي. لكن كان لازم أعرف الحقيقة، وكان لازم أدي أختي حقها تعرفنا.
مريم حضنتني وقالت
أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل. كل اللي بطلبه إنك ماتنسيش إني حبيتك طول عمري، حتى وأنا خايفة من الحقيقة.
سامحتها، لكني ما نسيتش إن السكوت أخّر اجتماعنا سنين طويلة.
أما عماد، فسلّم كل الأوراق للجهات المختصة، واتفتح تحقيق في التزوير والتلاعب بالسجلات. وماسابناش نستخدم القرابة أو الندم علشان نتجاهل المسؤولية عن اللي حصل.
وبعد شهور، اجتمعت العيلة كلها على سفرة واحدة لأول مرة من سنين.
ليلى كانت قاعدة في النص، وعلى يمينها مريم، وعلى شمالها أنا وأختي التوأم.
كان فيه كيك بالشوكولاتة على السفرة، وأمي مريم أصرت إنها تعمله بنفسها، زي ما كانت بتعمل كل يوم أحد طول حياتي.
بصيت لأختي، وابتسمنا لبعض.
أخيرًا، عرفنا إحنا مين، وعرفنا ليه اتفرقنا، وبدأنا نبني علاقتنا من جديد.
وقبل ما نمشي، ليلى طلعت من شنطتها السودة القديمة صورة أخيرة.
كانت صورة ليا ولأختي وإحنا رضيعتين، نايمين جنب بعض، وعلى كل واحدة فينا سوار فضي.
قالت وهي بتبكي
الشنطة دي فضلت معايا سنين، وكل ما كنت بفقد الأمل، كنت بفتحها وأبص على صورتكم. الأسبوع اللي رجعت فيه مريم من عندي، كنت أخيرًا قدرت أسلّمها الأدلة اللي تثبت الحقيقة.
وهنا فهمت سبب الشنطة السودا، وسبب رحلة الأيام السبعة، وسبب خوف أمي من المستشفى.
أمي ماكانتش خسّت لأنها اكتشفت إن حياتها كلها كذبة... كانت خسّت لأنها كانت مريضة فعلًا، وكانت بتحاول تصلح أكبر خطأ في حياتها قبل ما يفوت الأوان.
ومن اليوم ده، اتعلمت إن الحقيقة مهما كانت موجعة، تفضل أرحم من كذبة بتعيش جوا العيلة سنين.
وإن الأمومة مش مجرد دم، لكنها كمان حب وتربية وتضحية... من غير ما ده يلغي حق أي إنسان إنه يعرف أصله وحكايته.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط