امي عندها 80 سنه

لمحة نيوز

وصلتني رسالة من رقم مجهول، فيها صورة حديثة لبيتنا، وأمي واقفة عند الباب جنب راجل عجوز.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين أختك الحقيقية، ارجعي البيت... بس المرة دي، بصّي كويس في وش الست اللي بتناديها ماما!
يتبع... 
رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع والخوف.
طول الطريق، كنت بفكر في الرسالة اللي وصلتني، وفي الجملة اللي أمي قالتها قبل ما الخط يتقفل.
إزاي أختي عاشت في بيتنا سنين طويلة على إنها أنا؟!
ولو ده حقيقي، أنا مين بالظبط؟!
وليه أمي فضلت مخبية عني السر ده تمانية وعشرين سنة؟!
لما وصلت، لقيت باب البيت مفتوح، والنور منور في الصالة، لكن مفيش أي صوت جوا.
دخلت بهدوء، وبدأت أنادي
ماما؟! إنتِ فين؟!
ماحدش رد.
مشيت ناحية أوضة أمي، ولما فتحت الباب، لقيتها قاعدة على السرير، ووشها شاحب، وإيديها بتترعش.
جنبها كان فيه راجل عجوز، أول ما شافني وقف بسرعة.
كان عمي محمود!
نفس الراجل اللي شفت توقيعه في سجل المستشفى.
صرخت فيه
إنت بتعمل إيه هنا؟! وإيه علاقتك بكل اللي بيحصل؟!
عمي بص لأمي، وبعدها رجع بص لي وقال
اقعدي يا بنتي. المرة دي مش هنهرب من الحقيقة.
رديت بعصبية
الحقيقة؟! أنا بقالي يوم كامل بجري وراكم، وكل واحد فيكم بيقولي نص حكاية ويسيبني أغرق في الأسئلة!
أمي مدت إيدها ناحيتي، لكني رجعت لورا.
ماتلمسينيش يا ماما، مش قبل ما أعرف أنا مين!
الكلمة وجعتها، وشفت دموعها بتنزل على خدودها.
قالت بصوت مكسور
حتى لو عرفتي كل حاجة، عمري ما هبطل أكون أمك.
قعدت قدامها، وقلت
طب احكيلي من الأول. من يوم ولادتي.
أمي مسحت دموعها، وبدأت تتكلم.
يوم ١٧ مارس سنة ١٩٩٨، كنت بشتغل في مستشفى صغيرة، وكنت مسؤولة عن رعاية الأطفال حديثي الولادة. في الليلة دي، وصلت ست حامل في حالة صعبة، وبعدها بساعات ولدت بنتين توأم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أمي كملت
الست دي كانت اسمها ليلى... وهي نفس الست اللي قابلتيها النهارده.
شهقت وقلت
يعني هي أمي الحقيقية؟!
هزت راسها.
أيوه. لكنها ماقدرتش تخرج من المستشفى ببنتيها، لأن حصلت مضاعفات خطيرة بعد الولادة، واضطرت تدخل العناية المركزة.
عمي محمود اتدخل وقال
وأنا كنت موجود وقتها، لأن ليلى كانت قريبة لينا من ناحية العيلة، وأبوكي طلب مني أساعده في متابعة حالتها.
بصيت له بشك.
طب إيه اللي خلاك تغيّر السجلات؟
نزل عينيه للأرض، وسكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا ماكنتش لوحدي.
أمي بصت له بحدة.
كفاية يا محمود! قول الحقيقة كلها!
رفع راسه، وبص لي مباشرة.
بعد ولادة التوأم، حصلت مشكلة في المستشفى. واحدة من البنتين احتاجت رعاية طبية عاجلة، واتنقلت لقسم تاني. وفي وسط الفوضى، حصل خطأ في الأساور والأوراق، واتسجلت بيانات الطفلتين بشكل غلط.
قلت بصدمة
يعني اتبدلنا بالغلط؟!
عمي هز راسه ببطء.
في البداية، أيوه. لكن بعد كده اكتشفنا إن فيه خطأ، وحاولنا نصلحه.
حاولتوا تصلحوه إزاي؟!
أمي بدأت تعيط تاني.
أبوكي اكتشف إن البنت اللي رجعت بيها للبيت مش البنت اللي كانت مسجلة باسمه في الأوراق. لكنه كان متعلق بيها، وكان خايف إن لو اتكلم، البنتين يتفرقوا أو يحصل لهم أذى.
وقفت من مكاني وأنا مش مصدقة.
يعني إنتِ كنتِ عارفة إني مش بنتك؟!
أمي ردت بسرعة
لأ! أنا كنت فاكرة إنك بنتي فعلًا، وربيتك على الأساس ده. الحقيقة ماوصلتليش كاملة غير بعد وفاة أبوكي، لما لقيت خطاب بين أوراقه.
بصيت لها، وقلبي مليان وجع.
طب والبنت التانية؟ أختي اللي عاشت في بيتنا على إنها أنا؟!
عمي محمود غمض عينيه، وكأنه بيستعد يقول أصعب اعتراف في حياته.
البنت التانية ماعاشتش في بيتكم على إنها إنتِ... دي كانت عايشة في بيتنا إحنا.
اتسمرت مكاني.
إزاي؟!
قال
بنتي اتولدت قبل التوأم بشهور، وماتت بعد الولادة. وبعد ما اكتشفنا إن فيه خطأ في السجلات، دخلت في الموضوع عشان أحاول أحمي عيلتي من فضيحة كبيرة. لكن أنا ماكنتش أعرف إن فيه حد تاني استغل اللي حصل، وغيّر بيانات الأطفال عمدًا.
أمي صرخت فيه
إنت لسه بتخبي! قول لها مين اللي غيّر البيانات!
عمي بص لي، وبعدها قال بصوت منخفض
الشخص اللي غيّر البيانات كان بيحاول يخفي إن ليلى ولدت توأم، لأنه كان خايف من مطالبة قانونية تتعلق بميراث عيلتها.
حسيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد خطأ في المستشفى.
سألته
مين الشخص ده؟!
عمي فتح فمه عشان يرد، لكن فجأة سمعنا خبط عنيف على باب البيت.
كلنا لفينا ناحية الباب.
أمي وشها اصفر، وعمي وقف بسرعة.
ومن بره، جه صوت ست بتنادي
افتحي يا مريم! أنا عارفة إن بنتي عندك!
بصيت لأمي.
مين دي؟!
أمي ما ردتش.
الست خبطت تاني، وبعدها قالت بصوت مليان غضب
كفاية كدب! البنت لازم تعرف إنك أخدتيها من أمها الحقيقية!
جريت ناحية الباب، لكن أمي مسكت إيدي.
استني يا بنتي، أرجوكي!
بصيت لها بغضب وقلت
لأ! أنا مش هفضل طول عمري مستخبية من الحقيقة!
فتحت الباب.
كانت واقفة قدامي ست في أواخر الخمسينات، وشها مألوف بشكل غريب، وفي إيديها صورة قديمة.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
مدت الصورة ناحيتي وقالت
بصّي كويس يا بنتي... دي صورة أمك الحقيقية يوم ما اتولدتِ.
أخدت الصورة.
كانت صورة لليلى، الست اللي قابلتها في البيت القديم، وهي شايلة طفلة رضيعة.
لكن اللي صدمني فعلًا كان الشخص الواقف جنبها.
كان أبويا!
وتحت الصورة، كان فيه إهداء بخط إيده
لبنتي الغالية، اللي مهما بعدت عني، هفضل أدور عليها لحد آخر يوم في عمري.
رفعت عيني للست الغريبة، وسألتها
إنتِ مين؟!
مسحت دموعها وقالت
أنا خالتك يا بنتي. وأختك التوأم عايشة، وإحنا عارفين مكانها من سنين.
قلبي دق بعنف.
فين؟! أختي فين؟!
الست بصت ناحية أمي، وقالت
قبل ما تعرفي مكانها، لازم تعرفي مين اللي كان بيبعت لأمك رسائل كل سنة، ويطلب منها فلوس مقابل إنه يفضل ساكت عن الحقيقة.
عمي محمود رجع لورا، ووشه اتغير.
وأمي غطت وشها بإيديها.
أما أنا، فبصيت للست وقلت
مين؟!
قربت مني وهمست
الشخص ده مش غريب عنك... ده واحد من الناس اللي دخلوا بيتكم النهارده، وأمك كانت بتعتبره أقرب شخص ليها بعد وفاة أبوكي.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت الخلفي.
حد كان داخل علينا...
والست الغريبة همست بسرعة
ماتلفتيش وراكي. الشخص اللي جايلك دلوقتي هو اللي يعرف مكان أختك، ولو عرف إنك قابلتيني، ممكن تختفي هي كمان!
يتبع... 
أول ما سمعت صوت المفتاح في الباب الخلفي، حسيت إن قلبي هيقف.
بصيت لخالتي، وسألتها بصوت واطي
مين اللي داخل؟!
لكنها ما ردتش. مسكت إيدي بقوة، وخلتني أقف جنب الحيطة بعيد عن مدخل الصالة.
بعد ثواني، ظهر راجل طويل لابس قميص كحلي، وفي إيده ملف جلدي بني.
أول ما شفته، اتصدمت!
ده كان عماد، ابن عمي محمود، اللي اتربى معانا من وإحنا صغيرين، واللي كان بيزور أمي كل أسبوع تقريبًا، ويساعدها في مشاوير المستشفى والصيدلية.
عماد ابتسم أول ما شافني، وكأنه مش واخد باله من التوتر اللي مالي البيت.
إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كده ليه؟ حصل إيه؟
خالتي ردت بحدة
إنت اللي المفروض تجاوب على السؤال ده يا عماد. لحد إمتى هتفضل مخبي الحقيقة؟
ابتسامته اختفت بالتدريج.
بص لعمي محمود، وبعدها لأمي، وبعدين ثبت عيني عليّا.
هي عرفت؟
صرخت فيه
عرفت إيه؟! إنت كنت بتاخد فلوس من أمي مقابل إنك تسكت؟!
عماد حط الملف على الترابيزة، وقعد بهدوء غريب.
أيوه، كنت باخد فلوس. بس مش علشان أسكت عن جريمة زي ما إنتِ متخيلة.
قلت له بعصبية
أمال ليه؟!
فتح الملف وطلع منه مجموعة إيصالات قديمة، وشهادات طبية، وصورة لطفلتين رضيعتين نايمين جنب بعض في سرير مستشفى.
قال
لأن جدك قبل ما يموت، ساب وصية فيها شرط مهم. كان عايز يتأكد إن بنت ليلى التوأم تفضل بعيدة عن صراع الميراث اللي كان حاصل بين أفراد العيلة. ولما حصل الخطأ في المستشفى، ناس استغلت الموضوع علشان تغيّر بيانات البنتين وتستفيد من اللي حصل.
خالتي هزت راسها بغضب.
ماتصدقهوش! الوصية عمرها ما قالت إن الأطفال يتفصلوا عن أمهم!
عماد رد بسرعة
أنا ما قلتش إن ده كان صح. أنا بقول إن ده اللي حصل، وإن أبويا حاول يصلح الموضوع بعد فوات الأوان.
بصيت لعمي محمود.
يعني إنت كنت عارف إن فيه بنت تانية عايشة؟!
عمي حط إيده على وشه، وبعدها قال
أيوه. لكن ماكنتش أعرف مكانها الحقيقي.
إزاي؟! وإنت توقيعك موجود في السجلات!
رفع عيني ليا وقال
لأن التوقيع ده كان على طلب نقل طبي، مش على تغيير هوية. فيه حد استخدم اسمي بعد كده، وزوّر توقيعي على أوراق تانية.
عماد فتح الملف على صفحة معينة، ومدها ناحيتي.
دي نسخة من التقرير الأصلي. شوفي بنفسك.
مسكت الورقة، وبدأت أقرا.
كان مكتوب إن الطفلة رقم ٢٧ اتنقلت لقسم الأطفال تحت اسم مريم، والطفلة رقم ٢٨ اتنقلت لقسم تاني تحت اسم ليلى.
لكن في آخر الصفحة، كان فيه تعديل مكتوب بخط مختلف، بيقول إن الطفلة رقم ٢٨ توفيت بعد الولادة.
وتحت التعديل، كان فيه توقيع.
المرة دي، ماكانش توقيع عمي محمود.
كان توقيع أمي!
رفعت عيني ليها، وأنا مش قادرة أتكلم.
ماما... إنتِ اللي كتبتي إن أختي ماتت؟!
أمي بدأت تعيط، لكنها ما حاولتش تنكر.
أنا ماكتبتش الكلام ده بإيدي يا بنتي. وقّعت على ورقة قالولي إنها بتخص نقل الطفلة للعلاج، وماعرفتش إنهم ضافوا عليها الكلام ده غير بعد سنين.
عماد اتدخل وقال
وعشان كده كنت بطلب منها فلوس كل سنة. كنت بحاول أجمع الأوراق اللي تثبت إن التعديل مزوّر، وأوصل للبنت التانية.
خالتي بصت له بصدمة.
ولو ده حقيقي، ليه ماقلتلناش؟!
رد عليها
لأن الشخص اللي كان بيغيّر الأوراق لسه موجود، وكان بيهدد أي حد يحاول يفتح الموضوع.
سألته بسرعة
طب أختي فين دلوقتي؟!
عماد سكت.
وبعدين طلع من الملف صورة حديثة لست شابة، واقفة قدام محل صغير، وشعرها مربوط للخلف.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
الست دي كانت شبهّي بشكل مش طبيعي.
نفس شكل العينين، ونفس الابتسامة، وحتى نفس العلامة الصغيرة اللي عندي جنب الحاجب الأيسر!
قلّبت الصورة، ولقيت عنوان مكتوب على ضهرها.
سألته وأنا بترعش
دي أختي؟!
هز راسه.
أيوه. اسمها الحالي نادين، وهي عايشة في مدينة تانية، ومش عارفة لحد دلوقتي إنها عندها أخت توأم.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
طول عمري كنت بتمنى يكون عندي أخت قريبة مني، حد يفهمني من غير ما أتكلم، وماكنتش أتخيل إن أختي موجودة فعلًا، وإن بينا تمانية وعشرين سنة من الأسرار.
لكن قبل ما آخد العنوان، خالتي مسكت الصورة من إيدي، وبصت لعماد بحدة.
استنى. فيه حاجة مش مظبوطة.
عماد اتوتر.
إيه تاني يا خالتي؟!
قالت وهي بتقرب الصورة من النور
الصورة دي حديثة، لكن مكتوب على ضهرها تاريخ من ست شهور. إنت بتقول إنك كنت بتحاول توصل لها من سنين، طب ليه ماورّيتش مريم الصورة دي قبل كده؟
عماد ما ردش.
خالتي كملت
والأهم من ده كله... مين اللي كتب العنوان؟!
في اللحظة دي، أخدت الصورة من إيديها، وبصيت للتوقيع الصغير في الركن.
كان مكتوب اسم شخص أعرفه كويس جدًا.
شخص كان بيزور أمي باستمرار، وكان دايمًا بيقول إنه بيخاف عليها وبيعتبرها أمه التانية.
دكتور سامح، الطبيب اللي كان بيتابع حالة أمي الصحية!
بصيت لعماد وقلت
إيه علاقة دكتور سامح بأختي؟!
عماد وقف فجأة، ولمّ الأوراق من على الترابيزة.
لازم أمشي دلوقتي.
جريت وراه ومسكته من دراعه.
مش هتمشي قبل ما تجاوبني!
بص لي بعينين مليانين خوف، وقال بصوت واطي
دكتور سامح مش مجرد طبيب بيتابع حالة أمك. هو الشخص اللي كان بيبعت لها رسائل من سنين، وكان بيطلب منها تروح تقابل حد في السر.
أمي رفعت راسها بسرعة.
عماد! إوعى تكمل!
لكنه كمل كلامه
والست اللي أمك سافرت تزورها الأسبوع اللي فات... ماكانتش ليلى بس. أمك كانت بتحاول تقابل دكتور سامح علشان تسترد آخر ورقة ناقصة من ملف التوأم.
اتجمدت مكاني.
يعني أمي ماخسّتش بسبب المرض بس؟!
عماد بص لأمي، وبعدها رد
أمك كانت بتعاني من مشكلة صحية فعلًا، لكن اللي حصل في الأسبوع ده خلّاها تعرف إن فيه حد بيحاول يسبقها ويوصل لأختك قبلك.
قربت من أمي، وركعت قدامها.
ماما، أرجوكي، قوليلي الحقيقة. إنتِ كنتِ رايحة تقابلي مين؟!
أمي مسكت وشي بين إيديها، ودموعها بتنزل.
كنت رايحة أجيب الورقة اللي تثبت إنك إنتِ وأختك اتفصلتوا بالغلط، وإن مفيش حد مننا كان ليه حق يغيّر هويتكم.
وبعدين فتحت درج الكومود، وطلعت ظرف أبيض صغير.
لكن قبل ما أرجع، لقيت الظرف ده محطوط قدام باب الأوضة اللي كنت قاعدة فيها.
فتحته بسرعة.
كان جواه مستند واحد، مكتوب في آخره إن الطفلة رقم ٢٨ اتسلمت لشخص من العيلة بعد خروجها من المستشفى.
وتحت المستند، كان فيه اسم الشخص اللي استلمها.
قريت الاسم مرة.
وبعدين مرة تانية.
وإيدي بدأت ترتعش لدرجة إن الورقة وقعت مني.
لأن الاسم المكتوب ماكانش اسم عمي محمود، ولا اسم عماد، ولا اسم أي حد كنت متوقعة أشوفه.
كان اسم أبويا نفسه!
رفعت عيني لأمي وقلت
إزاي يا
تم نسخ الرابط