جوزي رفض حكايات زيزي
وجدّها، والدموع بتنزل على خدودها من غير ما تحاول تمسحها.
وبعدين فجأة، مدت إيدها لترافيس وقالت
ممكن تيجي تقف جنبي؟
ترافيس بصّ لها وكأنه مش مصدق اللي سمعه.
إنتِ متأكدة يا كايلي؟
هزّت راسها وقالت
أيوه، بس مش علشان إنت اعتذرت. علشان أنا مش عايزة اليوم ده يخلص وإحنا زعلانين من بعض.
ترافيس ماقدرش يتمالك نفسه،وهو بيهمس لها
أنا آسف يا بنتي والله آسف.
لكن قبل ما يبعدوا عن بعض، مسكت إيده وقالت
بس عندي طلب.
أي حاجة يا حبيبتي.
بصّت ناحية جدّها وقالت
أنا عايزة أمشي في حفل التخرج بينكم إنتوا الاتنين.
ترافيس رفع راسه بسرعة، وبصّ للجدّ اللي كان واقف ساكت، متأثر بالمشهد.
كايلي كمّلت
جدو هو اللي علّمني معنى العيلة، وإنت يا ترافيس كنت معايا كل يوم وأنا بكبر. أنا مش عايزة أختار واحد فيكم وأزعل التاني. إنتوا الاتنين ليكم مكان في قلبي، ومحدش فيكم لازم ياخد مكان التاني.
في اللحظة دي، جدّها مسح دمعة من عينه وقال
يا بنتي، أنا كبير في السن، ومش عارف أقدر أمشي معاكي قد إيه لكن لو دي أمنيتك، هحاول أعملها مهما كان صعب عليّا.
كايلي ابتسمت، وسندت دراعها على دراعه.
أما ترافيس، فوقف على الناحية التانية، ولسه مش قادر يصدق إن البنت اللي هو جرحها امبارح بتدّيله فرصة جديدة النهارده.
وبعد لحظات، أعلن المسؤول عن الحفل إن وقت دخول الخريجين قرب.
الموسيقى بدأت تشتغل، والطلاب اصطفّوا عند مدخل الملعب.
كايلي وقفت في النص، جدّها على يمينها وترافيس على شمالها.
ولما بدأت تتحرك، لاحظت إن جدّها بيتعب مع كل خطوة.
وقفت فورًا وسألته
جدو، تعبان؟
ابتسم وقال
شوية يا حبيبتي، بس كمّلي. أنا مش عايز أضيّع عليكي اللحظة دي.
لكن ترافيس اتدخل بسرعة وقال
استنى يا عمّي، إحنا مش مستعجلين.
وبعدين قرّب منه، ومدّ دراعه يسنده من الناحية التانية.
الجدّ بصّ له باستغراب.
ترافيس قال له
طول السنين اللي فاتت، كايلي كانت دايمًا بتحكيلي عنك. وأنا النهارده بس فهمت قد إيه إنت مهم في حياتها. اسمحلي أساعدك نوصلها سوا.
الجدّ فضّل باصص له ثواني، وبعدها حط إيده على كتفه وقال
أهم حاجة عندي إنك ماتجرحش البنت دي تاني يا ترافيس.
ترافيس ردّ من غير تردد
هحاول كل يوم أكون أحسن من اليوم اللي قبله.
وبالفعل، كملوا التلاتة طريقهم ببطء ناحية الملعب.
وفجأة، الجمهور بدأ يصفق من جديد.
لكن المرة دي، كايلي ماكانتش باصة للجمهور.
كانت باصة للراجلين اللي ماشيين جنبها، وابتسامتها بتكبر مع كل خطوة.
وأنا من مكاني، كنت بعيط ومش قادرة أوقف دموعي.
لحد ما لاحظت إن ترافيس وقف لحظة، وطلع من جيبه حاجة صغيرة، واداها لكايلي قدام جدّها.
كايلي فتحت إيدها، ولما شافت اللي جواه، شهقت وحطت إيدها على بقها.
كانت سلسلة فضة صغيرة، متعلّق فيها قلب محفور عليه تاريخ اليوم اللي ترافيس قابلها فيه لأول مرة.
لكن تحت التاريخ، كان فيه نقش تاني خلّى كايلي تنهار من العياط.
بصّت له وقالت
إنت فاكر اليوم ده لحد دلوقتي؟
ترافيس ابتسم بحزن وقال
فاكره بالتفاصيل يا بنتي. فاكر أول مرة مسكتي إيدي، وأول مرة ندهتيلي باسمي، وأول مرة قلتيلي إنك خايفة إني أسيبك زي ما ناس كتير سابوكي قبل كده.
وبعدين بصّ في عينيها وقال
ووعدتك يومها إني هفضل جنبك. والنهارده، أنا اللي محتاج أفكّر نفسي بالوعد ده.
لكن قبل ما يرجعوا يكملوا الحفل، جدّها طلب منها إنه يشوف السلسلة.
ولما قرأ الكلمات المحفورة على ظهر القلب، اتغيّرت ملامحه فجأة.
رفع عينيه لترافيس وسأله بصوت مبحوح
إنت لسه محتفظ بالورقة اللي كتبتها لك يوم ما وافقت تتجوز أمها؟
ترافيس اتجمّد مكانه.
وبصّ للجدّ، ثم لكايلي، وقال
أيوه لسه محتفظ بيها.
الجدّ أخد نفسًا عميقًا، وقال
يبقى فيه حاجة لازم تعرفها يا كايلي عن اليوم اللي ترافيس دخل فيه حياتك حاجة أنا استنيت سنين طويلة علشان أحكيلك عنها.
يتبع
الجدّ طلب من كايلي تقعد معاه على كرسي قريب من الملعب، وترافيس قعد جنبهم، وملامحه كانت بتقول إنه عارف إن الكلام اللي جاي مش سهل.
كايلي بصّت لجدّها بقلق وقالت
جدو، إنت خوفتني! فيه إيه؟ إيه اللي حصل يوم ما ترافيس اتجوز ماما؟
الجدّ مسك إيدها بين إيديه، وقال بهدوء
فاكرة لما كنتِ صغيرة، وكنتِ بتسألي ترافيس كل شوية إذا كان هيكون موجود لما تصحي الصبح؟
كايلي ابتسمت وسط دموعها وهزّت راسها.
أيوه، كنت بخاف يسيبني ويمشي.
الجدّ كمل
في اليوم اللي ترافيس قرر فيه يتجوز أمك، أنا أخدته على جنب وقلت له إن الجواز مش مجرد إنه يحب واحدة ويعيش معاها. الجواز مسؤولية، وخصوصًا لما تكون الست دي عندها بنت صغيرة محتاجة تحس بالأمان.
ترافيس نزل عينيه، وكأنه رجع بذاكرته لليوم ده.
الجدّ تابع
ساعتها، ترافيس بصّلي وقال لي أنا مش عايز كايلي تحس إني داخل حياتها علشان أبقى جوز أمها وبس. أنا عايزها تعرف إن ليها بيت، وإن فيه حد هيستناها لما ترجع من المدرسة، وحد هيفرح بنجاحها، وحد هيفضل جنبها حتى لما تكبر.
كايلي بصّت لترافيس، والدموع بدأت تتجمع في عينيها من جديد.
إنت قلت الكلام ده فعلًا؟
ترافيس هزّ راسه.
أيوه يا حبيبتي. وكنت أقصد كل كلمة.
لكن الجدّ ماكانش خلّص كلامه.
طلع من جيب جاكيته محفظة جلد قديمة، وفتحها بصعوبة، وطلع منها ورقة مطوية بعناية، أطرافها كانت مصفرة من كتر السنين.
قال لكايلي
دي الورقة اللي ترافيس كتبها بإيده يومها، ووعدني فيها بحاجة واحدة. وأنا محتفظ بيها من يومها، لأني كنت عايز أفتكر الوعد ده كل ما أشوفكم سوا.
كايلي أخدت الورقة بحذر وبدأت تقرأ.
كان مكتوب فيها
أنا مش هقدر أغيّر الماضي اللي كايلي عاشته قبل ما أعرفها، ومش هقدر أكون الشخص اللي جابها للدنيا. لكن أقدر أختار كل يوم إني أكون الشخص اللي تقدر تعتمد عليه.
مش بوعد إني هكون أب مثالي، لكن بوعد إني مش هخليها تواجه الدنيا لوحدها، وإنها عمرها ما هتحتاج تكسب حبي بالنجاح أو بالطاعة أو بأنها ترضيني.
هي مش مطالبة تعمل أي حاجة علشان تستحق تكون بنتي أنا اللي لازم أفضل أستحق ثقتها.
كايلي حطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط بصوت مسموع.
أما ترافيس، فكان قاعد ساكت، والدموع بتنزل على وشه.
كايلي بصّت له وقالت
طب ليه نسيت كل ده امبارح؟
ترافيس ماحاولش يبرر موقفه.
قال لها
لأني اتعاملت مع كلمة الأب الحقيقي كأنها مسابقة لازم أعرف أنا فيها مين. ونسيت إنك مش محتاجة تختاري بين الناس اللي بيحبوكي. إنتِ محتاجة تحسي إن كل واحد فينا بيفرحلك من غير ما يطلب منك تتنازلي عن حد تاني.
الجدّ ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
أهو ده الكلام اللي كنت مستنيه منك من سنين يا ابني.
وبعدين بصّ لكايلي وأضاف
بس فيه حاجة تانية عايزك تعرفيها. أنا مش عايزك تفتكري إن حب ترافيس ليكي معناه إنه عمره ما هيغلط. الناس اللي بنحبهم ممكن يغلطوا، والمهم إنهم يتحملوا مسؤولية غلطهم ويحاولوا يصلحوه.
كايلي مسحت دموعها، وبصّت للساعة.
كان باقي دقائق قليلة على إعلان أسماء الخريجين.
قامت من مكانها، ومدّت إيدها لجدّها.
يلا يا جدو، لازم نكمل. أنا عايزاك تكون جنبي لما