جوزي رفض حكايات زيزي

لمحة نيوز

اسمي يتقال.
وبعدين بصّت لترافيس ومدّت إيدها التانية.
وإنت كمان. بس عندي شرط.
ترافيس ابتسم وقال
قولي يا بنتي.
قالت له
لما أرجع البيت، عايزاك تقعد معايا ونحكي عن اللي حصل. مش عايزة نتصرف كأن مفيش حاجة وجعتني.
ابتسامته اختفت للحظة، لكنه هزّ راسه باحترام.
حقك عليّا. وأنا هسمعك للآخر.
ومشوا التلاتة ناحية الملعب، وسط تصفيق الجمهور.
ولما المذيع أعلن اسم كايلي، حصلت مفاجأة خلتها تنسى للحظة إنها كانت بتعيط من شوية.
لأن جدّها، اللي كان طول الطريق بيحاول يخفي تعبه، قرر يعمل حاجة بنفسه من غير ما يقول لحد.
وفجأة، طلب الميكروفون من المسؤول عن الحفل.
المسؤول بصّ له باستغراب، لكن لما عرف إنه جدّ واحدة من الخريجات، وافق.
الجدّ مسك الميكروفون بإيد بتترعش، وبصّ للجمهور كله، ثم قال
أنا عندي تمانين سنة، وعشت عمري كله تقريبًا وأنا بشتغل بإيدي. واتعلمت إن الإنسان ممكن يفتكر إنه بيعبّر عن حبه بالكلام، لكن الحقيقة إن الحب بيتقاس بالحاجات اللي بنعملها، خصوصًا لما تكون صعبة علينا.
وقف لحظة، وبصّ لكايلي.
والنهارده، حفيدتي علّمتني درس عمري ما هنساه
وبعدين لفّ ناحية ترافيس وقال جملة خلت ترافيس يحط إيده على صدره من شدة التأثر
الراجل اللي بيختار يربي طفل مش محتاج يثبت إنه أب حقيقي هو محتاج بس يفضل فاكر إن الطفل ده اختاره بقلبه، حتى في الأيام اللي هو نفسه بينسى فيها ده.
القاعة كلها سكتت.
وبعدين الجدّ مدّ الميكروفون لكايلي، وقال
دلوقتي، عايز أسمع منك إنتِ. النهارده يومك، ومن حقك تقولي اللي في قلبك.
كايلي أخدت الميكروفون، وبصّت للجمهور، ثم لجدّها، ثم لترافيس.
وأول ما بدأت تتكلم، ترافيس عرف إن الكلام اللي جاي هيغيّر علاقتهم للأبد
يتبع 
كايلي مسكت الميكروفون بإيديها الاتنين، وكانت بتحاول تمنع صوتها من الارتعاش.
بصّت للجمهور وقالت
لما كنت صغيرة، كنت فاكرة إن العيلة معناها إن الناس اللي بنحبهم عمرهم ما هيمشوا من حياتنا. لكن لما كبرت شوية، فهمت إن الموضوع مش بالبساطة دي.
سكتت لحظة، وبصّت لجدّها.
جدو علّمني إن الحب معناه إنك تفضل موجود حتى لما الطريق يبقى صعب. وإنك ممكن تكون تعبان ومش قادر تمشي، ومع ذلك تحاول علشان خاطر حد بتحبه.
الجمهور بدأ يصفق، لكن كايلي رفعت إيدها بلطف، وكمّلت كلامها.
وترافيس علّمني حاجة تانية. علّمني إن الأبوة مش مجرد اسم، ولا مجرد إنك تكون موجود في صورة عائلية. الأبوة هي إنك تصحى بدري علشان تجهزلي الفطار، وتستنانى أرجع من المدرسة، وتساعدني في واجباتي، وتفضل تشجعني حتى لما أكون فاقدة الثقة في نفسي.
ترافيس غطّى وشه بإيده، وبدأ يبكي.
كايلي بصّت له مباشرة وقالت
بس امبارح، لما قلتلي إن مكانك مش جنبي في حفل التخرج، حسيت إن كل الحاجات دي ممكن تختفي في لحظة واحدة. حسيت إني مهما كبرت، لسه ممكن أخسر الشخص اللي كنت فاكرة إنه اختار يكون أبويا.
القاعة كلها بقت ساكتة.
حتى الجدّ كان بيمسح دموعه بمنديل صغير.
كايلي أخدت نفسًا عميقًا، وبعدين قالت
أنا مش واقفة هنا علشان أقول إن اللي حصل ماوجعنيش. أنا واقفة علشان أقول إنّي بحبكم إنتوا الاتنين، وإنّي مش عايزة حب واحد فيكم يبقى سبب في إني أخسر التاني.
وبصّت ناحية ترافيس وأضافت
وأنا مش محتاجة منك تكون أبويا البيولوجي. أنا محتاجة منك تكون الشخص اللي وعدني إنه هيفضل جنبي، حتى لما الحياة تحطنا قدام مواقف صعبة.
ترافيس ماقدرش يستحمل أكتر من كده.
قام من مكانه، وراح ناحيتها، لكنه وقف قبل ما يوصل، كأنه بيسألها بعينيه إذا كان مسموح له يقرب.
كايلي ابتسمت ومدّت إيدها له.
جرى عليها ، وسط تصفيق الجمهور كله.
والجدّ وقف جنبهم، وحط إيده على كتف كل واحد فيهم.
في اللحظة دي، حسيت إن كل الوجع اللي بدأ على ترابيزة العشا امبارح، بدأ أخيرًا يتحول لحاجة تانية.
لكن المفاجأة ما انتهتش هنا.
بعد الحفل، وإحنا راكبين العربية في طريقنا للبيت، ترافيس فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال لكايلي
فيه حاجة عايز أقولها لك، وكنت ناوي أستنى لما ترجعي البيت، لكن أعتقد إنك تستحقي تعرفي دلوقتي.
كايلي بصّت له من المقعد الخلفي.
إيه هي؟
ترافيس طلع من جيبه صورة قديمة، وناولها لها.
كانت صورة ليها وهي عندها خمس سنين، قاعدة على كتفه، وبتضحك، وهو واقف جنب شجرة عيد الميلاد.
كايلي ابتسمت أول ما شافتها.
أنا فاكرة الصورة دي!
ترافيس هزّ راسه وقال
يومها، بعد ما روحنا البيت، سألتيني إذا كنت هفضل أحبك لما تكبري وتبقي كبيرة ومش محتاجة حد يساعدك في لبسك أو يوصلك المدرسة.
كايلي ضحكت وسط دموعها.
وقلتلي إيه؟
ردّ عليها
قلتلك إنك هتفضلي بنتي حتى لو بقيتي أطول مني، وحتى لو بقيتي مشهورة، وحتى لو في يوم من الأيام بقيتي مش محتاجة مساعدتي في أي حاجة.
وبعدين صوته اتغير وهو بيكمّل
أنا فاكر الوعد ده، يا كايلي. بس النهارده فهمت إنّي لازم أفتكر كمان إنك مش طفلة صغيرة أقدر أقرر عنها إيه اللي يناسبها. إنتِ كبرتي، ومن حقك تختاري مين يكون جنبك في اللحظات المهمة.
كايلي فضلت تبص للصورة، وبعدها قربت منه  من ورا المقعد.
وقالت له
أنا مسامحاك يا ترافيس، بس عايزاك تفتكر الكلام ده المرة الجاية.
ردّ عليها فورًا
أوعدك إني هحاول.
ولما وصلنا البيت، كنت فاكرة إن اليوم الصعب ده انتهى أخيرًا.
لكن في نفس الليلة، بعد ما كايلي دخلت أوضتها، لقيت ترافيس قاعد لوحده في المطبخ، وقدامه الورقة القديمة اللي كتبها لجدّها من سنين.
قعدت جنبه وسألته
لسه بتفكر في اللي حصل؟
بصّ لي وقال
أيوه يا جودي. عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟
هزّيت راسي.
قال
إني كنت فاكر إن السنين اللي قضيتها معاها كفاية علشان تثبتلها إني أبوها. لكن لما جت لحظة مهمة، تصرفت كأني أنا اللي محتاج إذن علشان أكون جنبها.
مسكت إيده وقلت له
المهم إنك فهمت غلطتك.
هزّ راسه، وبعدين طلع من جيبه ورقة تانية، مختلفة عن الورقة القديمة.
قال لي
أنا كتبت دي النهارده، وعايز أديها لكايلي بكرة الصبح.
سألته
كتبت فيها إيه؟
بصّ لي بابتسامة حزينة وقال
كتبت لها إني مش هطلب منها أبدًا تختار بيني وبين جدّها، وإنّي هفضل أتعلم إزاي أكون الأب اللي هي محتاجاه، مش الأب اللي أنا متخيل إني لازم أكونه.
لكن قبل ما يحط الورقة في الظرف، سمعنا صوت خطوات كايلي في الممر.
ظهرت عند باب المطبخ، وشكلها كان متردد.
بصّت لترافيس وقالت
ممكن أسألك سؤال أخير قبل ما أنام؟
ترافيس قام فورًا.
طبعًا يا حبيبتي.
كايلي فضلت باصة له ثواني، وبعدين سألته سؤال خلّاه يبصّ لي في صدمة
لو كنت عرفت من البداية إن أبويا البيولوجي هيظهر في حياتي يوم من الأيام، كنت برضه هتختار تتجوز ماما وتربّيني؟
ترافيس فتح بقه علشان يرد، لكنه سكت.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، ماكانش عنده إجابة جاهزة.
لأن السؤال ده ماكانش عن حفل التخرج
كان عن التسع سنين كلها.
يتبع 
ترافيس فضل باصص لكايلي، وعينيه مليانة دموع، وبعد لحظات من الصمت، قرب منها وقعد قدامها.
مسك إيديها وقال
أيوه يا كايلي. كنت هاختار أتجوز ماما وأربّيكي، حتى لو كنت عارف من البداية إن أبوكي البيولوجي هيرجع يظهر في حياتك يومًا ما.
كايلي بصّت له
تم نسخ الرابط