في الصورة حكايات زيزي
في الصورة دي، أبويا وأمي كانوا بيحتفلوا بمرور 53 سنة على جوازهم. أمي كانت بتضحك ومبسوطة، ومكانتش تعرف أي حاجة عن السر اللي أبويا مخبيه عنها. لكن بعد ما صورتهم بدقايق، أبويا أخدني على جنب وقالّي بكرة أمك هتعرف حاجة مخبيها عنها طول فترة جوازنا كلها
أنا اللي صورت الصورة دي في ليلة الاحتفال بعيد جواز أبويا وأمي ال.
أمي ليندا عندها 76 سنة، وأبويا روبرت عنده 80 سنة.
لما تبصوا على الصورة دي، غالبًا هتفتكروا إنهم مجرد زوجين كبار في السن، عايشين حياة سعيدة مع بعض.
أمي كانت لابسة البلوزة السودا المفضلة عندها، اللي عليها ورد، وأبويا كان لابس قميص أزرق فاتح.
طول السهرة كانوا قاعدين جنب بعض، بيبتسموا للضيوف وبيحكوا ذكرياتهم عن أيام الشباب.
لكن بعد ما الصورة اتاخدت بدقايق، كل حاجة اتغيرت.
أبويا هو اللي طلب مني أصورهم.
قالّي يا سارة، هاتي موبايلك وصورينا صورة حلوة.
ضحكت وقلتله يا بابا، إنتوا عندكم يمكن ألف صورة مع بعض!
بصلي بطريقة غريبة وقال أنا عايز الصورة دي تفضل معانا.
مش عارفة ليه، بس كلمته دي خلتني أحس بالقلق.
رفعت الموبايل وصورتهم.
أمي كانت بتبتسم من قلبها، وأبويا حاطط دراعه حوالين كتفها وبيبتسم هو كمان.
لكن دلوقتي، كل ما ببص على الصورة دي، باخد بالي من حاجة ماخدتش بالي منها وقتها
عينيه مكانتش بتضحك!
أبويا طول السهرة كان بيتصرف بطريقة غريبة.
كل ما يسمع صوت عربية بتقف قريب من البيت، كان يلف بسرعة ويبص ناحية الباب.
وكان كل شوية يبص في ساعته.
موبايله رن مرتين، لكنه مردش على أي مكالمة.
أمي هزارَت معاه وقالت إيه يا روبرت، إنت مخبي عني حاجة النهارده ولا إيه؟
أبويا سكت كام ثانية، وبعدها ابتسم وقال هو أنا عمري عرفت أخبي عنك حاجة؟
كلنا ضحكنا
ما عدا أنا.
كنت شايفة إيده وهي بتترعش رعشة خفيفة.
ولما آخر الضيوف بدأوا يمشوا، أبويا عدى من جنبي وقال بصوت واطي جدًا يا سارة، تعالي المطبخ.
كان وشه جاد بطريقة خلتني حتى ما أسألوش في إيه.
أول ما دخلنا المطبخ، قفل الباب ورانا.
بصلي وقال بكرة لازم تكوني هنا الساعة عشرة الصبح.
سألته باستغراب ليه يا بابا؟
فضل باصص للأرض لعدة ثواني، وبعدها قال
عشان بكرة أمك هتعرف سر عن جوازنا.
حسيت إن قلبي وقف مكانه!
قلتله وأنا مش مستوعبة كلامه إيه؟!
رفع عينيه وبصلي وقال في حاجة كان المفروض أحكيلها لأمك قبل ما نتجوز أصلًا.
بصيتله بصدمة وسألته يا بابا إنت عملت إيه؟!
هز راسه ببطء وقال الموضوع مش متعلق باللي أنا عملته وبس.
وبعدين بص ناحية الصالة، ناحية أمي اللي كانت لسه بتضحك وبتتكلم مع آخر الضيوف، وهي مش متخيلة إن حياتها كلها ممكن تتغير في لحظة.
وبعدها قال الجملة اللي خلتني أفضل صاحية طول الليل، مش عارفة أنام ولا أبطل تفكير
بكرة ست هتخبط على الباب ده ست أمك فاكرة إنها عمرها ما هتشوفها تاني!
مين الست دي؟ وإيه السر اللي أبويا مخبيه عن أمي طول ال سنة جواز؟ وليه قرر يكشفه دلوقتي، بعد كل السنين دي؟
حكايات_زيزي
الساعة كانت عشرة إلا خمس دقايق الصبح، وأنا قاعدة في الصالة جنب أمي، ببص كل شوية على الساعة وعلى باب الشقة، وقلبي مقبوض من غير ما أعرف إيه اللي مستنينا.
أمي كانت قاعدة على كرسيها المفضل، لابسة روب بيتي نبيتي، وبتشرب قهوتها وهي بتتكلم معايا عن حفلة عيد جوازها اللي فاتت.
قالتلي وهي بتضحك أبوكي كان غريب أوي امبارح، كل شوية يبص في الساعة، ولما أسأله مالك يا روبرت، يقولي مفيش! تفتكري بيحضّرلي مفاجأة؟
حاولت أبتسم وقلت يمكن يا ماما، مين عارف؟
لكن جوايا كنت مرعوبة.
أبويا من الصبح وهو ساكت، قاعد في أوضته، وكل شوية يطلع يبص من الشباك ويرجع تاني.
الساعة بقت عشرة بالظبط...
وفجأة، سمعنا خبط على الباب.
أمي حطت فنجان القهوة على الترابيزة وقالتلي مين اللي جاي بدري كده؟
قمت أنا أفتح، لكن قبل ما أوصل للباب، سمعت صوت أبويا من ورايا
استني يا سارة... أنا اللي هفتح.
بصيتله باستغراب. كان واقف في نص الطرقة، وشه شاحب، وإيده بتترعش بشكل أوضح من امبارح.
مشي ناحية الباب ببطء، ولما فتحه، لقيت ست كبيرة في السن واقفة قدامه، يمكن عندها حوالي 75 سنة.
كانت لابسة معطف رمادي، وفي إيدها شنطة جلد قديمة، وشعرها الأبيض متسرّح بعناية.
أول ما شافت أبويا، عينيها اتمَلوا بالدموع.
وقالت بصوت مبحوح صباح الخير يا روبرت... أنا جيت زي ما وعدتني.
أبويا نزل عينيه للأرض، وبعد لحظات وسّع لها الطريق وقال اتفضلي يا ماريان.
ماريان!
الاسم ده خلاني أبص لأبويا بصدمة، لأنه عمره ما ذكر قدامي ست بالاسم ده.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما أمي سمعت الاسم من جوه الصالة.
فنجان القهوة وقع من إيدها واتكسر على الأرض.
قامت واقفة بسرعة، وبصت ناحية الباب، ووشها اتغيّر تمامًا.
همست بصوت بالكاد سمعته لأ... مستحيل!
الست دخلت خطوتين ووقفت مكانها لما عينيها جت في عين أمي.
فضلوا الاتنين باصين لبعض من غير ولا كلمة.
وبعدين أمي قربت منها خطوة، وصوتها بدأ يعلى وهي بتقول
إنتِ؟! إنتِ إزاي لسه عايشة؟!
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا.
لسه عايشة؟!
يعني أمي كانت تعرف الست دي؟ وكانت فاكرة إنها ماتت؟!
ماريان حطت الشنطة اللي في إيدها على الأرض، وقالت بصوت مرتعش ليندا، أنا عارفة إنك عندك أسئلة كتير... وعارفة إنك ممكن متسامحنيش أبدًا.
أمي بصت لأبويا، وكانت نظرتها مليانة وجع وغضب.
روبرت... إنت كنت عارف إنها عايشة طول السنين دي؟!
أبويا ما ردش.
أمي كررت السؤال وهي بتترعش رُد عليّا! إنت كنت عارف؟!
أبويا رفع عينيه أخيرًا وقال أيوه يا ليندا... كنت عارف.
أمي حطت إيدها على صدرها، كأنها بتحاول تستوعب اللي سمعته.
طول ال سنة يا روبرت؟! طول جوازنا كله؟!
هز راسه ببطء.
في اللحظة دي، أمي رجعت خطوتين لورا، وقعدت على أقرب كرسي، وفضلت تبصله كأنها شايفة شخص غريب لأول مرة في حياتها.
أما أنا، فكنت عايزة أفهم أي حاجة.
بصيت لماريان وسألتها حضرتك مين بالنسبة لماما؟ وإيه اللي حصل زمان؟
ماريان فتحت شنطتها بإيد بتترعش، وطلعت منها ظرف أصفر قديم، أطرافه كانت متآكلة من كتر السنين.
حطته قدام أمي وقالت أنا مجيتش النهارده عشان أبرر اللي حصل زمان... أنا جيت عشان أقولك الحقيقة اللي كان المفروض تعرفيها من 53 سنة.
أمي ما مدتش إيدها للظرف.
بصت لأبويا وقالت إنت قلتلي وقتها إنها سافرت ومش هترجع تاني... قلتلي إنها اختارت تبعد عننا بإرادتها!
أبويا غمّض عينيه، ودمعة نزلت على خده.
أنا عارف إني كدبت عليكي يا ليندا... بس لو كنت حكيتلك الحقيقة وقتها، كنتِ ممكن تخسري أكتر بكتير من اللي خسرته.
أمي صرخت فيه أنا اللي أحدد كنت هخسر إيه! إنت حرمتني من حقي إني أعرف الحقيقة!
ماريان بدأت تعيط، لكنها مسحت دموعها بسرعة وقالت ليندا، في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تحكمي على روبرت... لأن السر ده مش سرّه لوحده.
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
وبعدين طلعت من الظرف صورة قديمة بالأبيض والأسود، وحطتها على الترابيزة.
الصورة كانت لثلاثة أشخاص شباب واقفين قدام مستشفى قديم.
أبويا كان واحد منهم.
وأمي كانت التانية.
أما الشخص التالت...
فكان شاب صغير، ملامحه مألوفة بشكل غريب جدًا.
قربت من الصورة، وأول ما شفت وشه، حسيت ببرودة تسري
في جسمي.
لأن الشاب ده كان شبه أخويا الراحل، أحمد، اللي مات من سنين طويلة!
بصيت لأبويا وقلت بابا... مين الشاب ده؟!
أبويا فتح بقه عشان يتكلم، لكن ماريان سبقته وقالت جملة قلبت كل حاجة
الشاب ده هو السبب اللي خلاني أختفي من حياتكم... وهو كمان السبب اللي خلّى روبرت يوعدني إنه مش هيحكي لليندا الحقيقة أبدًا.
أمي مسكت الصورة بإيد مرتعشة، وفضلت تدقق في ملامح الشاب.
وفجأة، رفعت عينيها لماريان وقالت استني... أنا أعرف الصورة دي! دي اتصورت يوم ما...
لكنها سكتت فجأة، وكأن ذكرى قديمة رجعت لها بكل تفاصيلها.
وبعدين بصت لأبويا، وقالت بصوت مكسور
يا روبرت... إنت كمان كنت موجود يومها؟! يعني إنت كنت عارف اللي حصل لأحمد من البداية؟!
أبويا نزل راسه، وما نطقش بكلمة.
وماريان مدت إيدها ناحية الظرف الأصفر وقالت
لسه فيه ورقة واحدة، لو ليندا قرتها هتفهم ليه أنا رجعت بعد كل السنين دي... وليه لازم تعرف الحقيقة دلوقتي، قبل ما يفوت الأوان.
لكن أول ما أمي فتحت الظرف وقرأت أول سطر، وشها اصفرّ، ورفعت عينيها لأبويا وهي بتسأله سؤال خلّانا كلنا نتجمد في مكاننا...
أمي كانت ماسكة الورقة بإيد بتترعش، وعينيها بتتحرك بين السطور، وكل ما تقرأ كلمة، وشها كان بيشحب أكتر.
وفجأة رفعت عينيها لأبويا وقالت بصوت مخنوق
يا روبرت... إنت قلتلي إن ابني أحمد مات من غير ما يسيب وراه أي حاجة! إيه معنى الكلام المكتوب هنا؟!
أنا اتصدمت.
أحمد كان أخويا الكبير، ومات وأنا لسه صغيرة. طول عمري أعرف إنه مات بعد حادثة حصلت له وهو شاب، وأهلي كانوا بيرفضوا يتكلموا عن التفاصيل. كل ما أسأل أمي، كانت عينيها تتملي دموع وتقول لي ربنا يرحمه يا بنتي، ده كان أغلى حاجة عندي.
لكن الورقة اللي في إيدها كانت بتقول حاجة تانية خالص.
مديت إيدي وقلت ماما، ممكن أشوف الورقة؟
أمي ما ردتش. فضلت باصة لأبويا، مستنية منه كلمة واحدة تفسر اللي بيحصل.
أبويا أخيرًا اتكلم ليندا، أنا عارف إنك حاسة إني خذلتك... بس اسمعيني للآخر، أرجوكي.
أمي ردت عليه بوجع أسمعك إيه يا روبرت؟ أنا عشت معاك 53 سنة، كنت فاكرة إني عارفة كل حاجة عنك! دلوقتي اكتشفت إن فيه جزء من حياتك مخبيه عني، ويمكن يكون أهم جزء!
ماريان قعدت على الكرسي المقابل ليها، وفتحت شنطتها مرة تانية.
طلعت منها صورة أصغر، كانت متنية من النص، وناولتها لأمي.
قالت الصورة دي اتصورت قبل وفاة أحمد بشهر واحد.
أمي بصت للصورة، وفجأة شهقت وحطت إيدها على بقها.
الصورة كانت لأحمد وهو واقف قدام بيت قديم، وجنبه ماريان، وفي إيدها ورقة مطوية.
لكن اللي خلّى أمي تنهار فعلًا، كان التاريخ المكتوب على ظهر الصورة.
نفس اليوم اللي أبويا قال فيه إن أحمد سافر بعيد عن البيت لأول مرة!
بصيت لأبويا وسألته بابا، إيه علاقة ماريان بأحمد؟ وليه كل السنين دي محدش فيكم قال لنا إنها موجودة؟
أبويا مسح وشه بإيده، وبعدها بص لماريان وقال احكي إنتِ يا ماريان... أنا مش قادر أبدأ من الأول.
ماريان أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي.
من 53 سنة، قبل ما ليندا وروبرت يتجوزوا بفترة قصيرة، كنت أنا وروبرت عارفين بعض من أيام المدرسة. كنا جيران، وعيلتينا كانوا قريبين من بعض جدًا. وفي يوم، حصلت مشكلة كبيرة بين العيلتين بسبب ورث قديم، وكل طرف اتهم التاني إنه أخد حقه.
أمي قاطعتها بحدة أنا فاكرة الخلاف ده. أبويا وقتها كان بيقول إن عيلة ماريان ظلمتهم، وإنهم عمرهم ما هيكلموهم تاني.
ماريان هزت راسها.
بالظبط. بس اللي ليندا ما تعرفوش إن الخلاف ده ماكانش مجرد خلاف على فلوس. كان فيه مستند قديم ممكن يغيّر نصيب كل عيلة في الميراث، والمستند ده اختفى فجأة.
أبويا دخل في الكلام وأنا كنت آخر واحد شاف المستند قبل ما يختفي، وعشان كده كل الاتهامات اتوجهت ليا.
أمي بصتله بذهول وإنت عمرك ما قلتلي الكلام ده!
كنت خايف أخسرك قبل ما نبدأ حياتنا سوا. وبعد ما اتجوزنا، كل سنة كانت بتعدي، كان الاعتراف بيبقى أصعب من اللي قبله.
ماريان هزت راسها بحزن وقالت لكن أحمد هو اللي اكتشف الحقيقة بعد سنين طويلة، لما كان بيساعدني أرتب أوراق بيت العيلة القديم.
أنا حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
يعني أحمد