في الصورة حكايات زيزي
المحتويات
قبل ما تقري الرسالة دي، لازم تعرفي إن ابنك ماكانش بيحاول يفضح حد أو ينتقم من حد. بالعكس، هو كان بيحاول يحمي العيلة كلها من قرار كان ممكن يفرقكم للأبد.
أمي ردت بغضب أنا مش عايزة حد يحميني من الحقيقة! أنا عايزة أعرف ابني كان مخبي عني إيه، وليه جوزي سابني كل السنين دي من غير ما أعرف!
المحامي هز راسه، وناولها المظروف.
أمي فتحته وبدأت تقرأ.
وأنا كنت واقفة جنبها، براقب ملامحها وهي بتتغير من الغضب للحيرة، ومن الحيرة لصدمة كبيرة.
بعد لحظات، رفعت عينيها لأبويا وقالت
يعني إنت كنت بتحاول تصلّح اللي حصل... لكنك خبيت عني إنك كنت السبب في إن أحمد مايعرفش الحقيقة كاملة؟!
أبويا غمض عينيه، ودموعه نزلت.
أيوه يا ليندا. أنا غلطت، وكل يوم عدى وأنا ساكت كان بيزود غلطتي.
قعد جنبها، لكنه ما حاولش يبرر لنفسه.
وقال قبل وفاة أحمد بشهر، جه لي ومعاه مستندات تثبت إن عمك كان هو اللي أخد الورق القديم الخاص بالميراث. لكن المستندات دي كشفت كمان إن أبوكي زمان كان وقّع على تنازل عن جزء من حقه عشان ينقذ عيلة تانية من الإفلاس.
أمي رفعت عينيها بدهشة.
عيلة مين؟
أبويا بص لماريان.
ماريان هي اللي ردت عيلتي يا ليندا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أبوكي ساعد عيلتنا في وقت صعب، لكنه طلب إن الموضوع يفضل سر بين العيلتين. ولما عمك اكتشف المستندات، حاول يخفيها عشان مايضطرش يعترف إنه أخد نصيب مش من حقه.
أنا بدأت أفهم جزء من الحكاية، لكن السؤال الأهم كان لسه موجود.
سألت المحامي طيب إيه علاقة ده بوفاة أخويا؟ هو مات في حادثة، مش كده؟
المحامي حط الورقة الرسمية على الترابيزة وقال
أيوه، أحمد مات في حادثة. لكن قبل وفاته، كان بيحاول يوصل للمستندات الأصلية، وكان مقتنع إن فيه شخص من العيلة لسه محتفظ بيها.
أمي شهقت وقالت يعني الحادثة كانت بسبب الورق ده؟!
المحامي رفع إيده بسرعة.
لأ، أنا مش بقول إن الحادثة كانت مدبرة. مافيش عندي دليل على كده. لكن اللي أقدر أؤكده إن أحمد كان خايف إن الحقيقة تضيع، وعشان كده سلّمني الملف ده.
فتح المحامي الملف، وطلع منه ورقة عليها توقيع قديم.
أبويا بص للتوقيع، وفجأة قال الورقة دي مش هي الأصلية!
المحامي رد صح. دي نسخة، لكن الأصل موجود في مكان آمن، ومعاه خطاب اعتراف كتبه عم ليندا قبل وفاته.
أمي حطت إيدها على بقها.
عمها، اللي مات من أكتر من عشرين سنة، كان طول عمرها فاكرة إنه رجل محترم، وإن الخلاف القديم مجرد سوء تفاهم بين العيلتين.
لكن دلوقتي ظهر إنه كان مخبي سر كبير.
وفجأة، المحامي بص لأمي وقال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أحمد ما سابش الملف ده عندي عشان الميراث بس. هو طلب مني أبحث عن شخص كان بيحاول يساعده قبل الحادثة، شخص اختفى بعدها بفترة قصيرة.
ماريان نزلت عينيها للأرض.
أمي لاحظت حركتها، فبصت لها مباشرة وقالت
إنتِ تعرفي الشخص ده، صح يا ماريان؟
ماريان فضلت ساكتة.
أمي كررت السؤال ماريان، إنتِ كنتِ تعرفي مين كان بيساعد أحمد؟
ماريان أخدت نفس عميق، وبعدها فتحت شنطتها للمرة التالتة، وطلعت منها صورة تانية.
الصورة كانت لشاب واقف جنب أحمد قدام محطة قطار قديمة.
ناولتها لأمي.
أمي أول ما شافت الصورة، إيديها ارتخت، والصورة وقعت على الأرض.
لأن الشاب اللي كان واقف جنب أحمد...
كان روبرت نفسه، لكن أصغر بحوالي ثلاثين سنة!
أمي بصت لجوزها بذهول وقالت
إنت قلتلي إنك ما شوفتش أحمد في الأسبوع الأخير قبل وفاته! أمال إيه الصورة دي؟!
أبويا فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدين قال
لأن اليوم ده كان آخر يوم شفته فيه... واليوم ده بالذات هو اليوم اللي أحمد طلب مني فيه أختار بين حاجتين.
أمي قربت منه وسألته بصوت مرتعش
تختار بين إيه وإيه يا روبرت؟!
أبويا بص للصورة، وبعدها رفع عينيه وقال
أحمد طلب مني إني أقولك الحقيقة كلها... أو إني أحافظ على وعد قديم قطعته لأبوكي قبل ما يموت.
وساعتها المحامي فتح الملف على آخر صفحة، وقرأ بصوت واضح جملة واحدة بس، خلت أمي تحط إيدها على بوقها من الصدمة
إذا تم الكشف عن المستند الأصلي، يجب إبلاغ ليندا أن لها حقًا قانونيًا لم تحصل عليه طوال حياتها.
أمي بصت للمحامي وسألته بسرعة
حق إيه؟! حق في إيه بالظبط؟!
المحامي قفل الملف بهدوء، وقال
الإجابة موجودة في المستند الأصلي، لكن قبل ما أقدر أسلمه لحضرتك، لازم نروح للمكان اللي أحمد حدده بنفسه في رسالته الأخيرة.
أبويا قام من مكانه وقال أنا هروح معاكم.
لكن ماريان وقفته، وبصتله بجدية وقالت
لأ يا روبرت... المرة دي ليندا لازم تروح بنفسها، لأن فيه شخص تاني مستنيها هناك من سنين، وشخص ده عنده معلومة ممكن تغيّر كل اللي فهمناه عن أحمد.
أمي بصت لها وسألتها
مين الشخص ده؟!
ماريان قربت منها، وقالت بصوت منخفض
الشخص الوحيد اللي كان مع أحمد قبل الحادثة بساعات... واللي رجع بعد كل السنين دي عشان يسلّمك آخر رسالة من ابنك.
وفي اللحظة دي، المحامي طلع من جيبه ورقة صغيرة عليها عنوان، ولما أمي قرأت اسم المكان، عرفت فورًا إنه نفس المكان اللي أبويا منعها تزوره من يوم وفاة أحمد...
أمي فضلت باصة للعنوان المكتوب على الورقة، وشفايفها بتترعش.
وبعدين رفعت عينيها لأبويا وقالت
إنت منعتني أروح المكان ده ليه يا روبرت؟! ده المكان اللي ابني اتشاف فيه آخر مرة!
أبويا قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه، وقال بصوت مكسور
لأني كنت خايف يا ليندا... خايف تكتشفي إن فيه حاجات حصلت يومها أنا ماقدرتش أصلحها.
أمي ردت عليه بوجع وإنت فاكر إنك لما تخبي عني الحقيقة، كده بتحميني؟!
أنا أم أحمد! أنا اللي عشت سنين طويلة كل ليلة أسأل نفسي إذا كان ابني خاف قبل ما يموت، وإذا كان فيه حد جنبه، وإذا كان نادى عليّا في آخر لحظة!
الكلام ده خلاني أحس بغصة في حلقي.
أنا نفسي كنت بقضي سنين أحاول أفهم ليه أبويا كان بيتجنب الكلام عن أحمد، وليه أمي كانت محتفظة بأوضته زي ما هي، رغم مرور كل السنين دي.
لكن دلوقتي، لأول مرة، حسيت إننا قربنا نعرف الحقيقة.
المحامي وقف وقال لو مستعدين، نقدر نروح دلوقتي. الشخص اللي مستنينا مش هيقدر يفضل كتير.
أمي قامت فورًا، ومسحت دموعها، وقالت يلا بينا.
أبويا حاول ياخد مفاتيحه، لكن أمي بصتله وقالت بحزم إنت هتيجي معانا، بس المرة دي مش هتتكلم إلا لما أسألك.
خرجنا من البيت، وركبنا عربية المحامي.
طول الطريق، محدش اتكلم.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلنا لشارع قديم في أطراف المدينة. البيوت كانت قليلة، والمحلات معظمها مقفول، وفي آخر الشارع كان فيه مبنى صغير، بابه خشب قديم، وفوقه لافتة باهتة مكتوب عليها اسم مكتب محاماة.
أمي نزلت من العربية، وفضلت تبص للمكان.
همست هنا... أحمد جه هنا قبل ما يموت.
المحامي هز راسه وقال أيوه، هنا كان آخر لقاء موثّق بين أحمد والشخص اللي مستنينا.
دخلنا المبنى، وطلعنا سلم ضيق لحد الدور التاني.
المحامي خبط على باب في آخر الطرقة.
بعد ثواني، الباب اتفتح.
ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه عليه علامات التعب. أول ما شاف أمي، عينيه اتمَلوا بالدموع.
قال مدام ليندا... أخيرًا جيتي.
أمي بصتله باستغراب وسألته حضرتك مين؟
الراجل فتح الباب أكتر، وقال أنا يوسف. كنت زميل أحمد في الشغل، وآخر واحد اتكلم معاه قبل الحادثة.
أمي قربت منه بسرعة إنت كنت مع ابني؟! طب ليه ماجتش عزّيتني؟ وليه اختفيت بعد موته؟!
يوسف نزل عينيه وقال حاولت أوصلك، لكن روبرت طلب مني أستنى. قال لي إنك مش مستعدة تسمعي الحقيقة وقتها، وإن كشفها ممكن يسبب مشكلة كبيرة للعيلة.
أمي لفتت ناحية أبويا بغضب.
لكن يوسف رفع إيده وقال أرجوكي، اسمعيني للآخر. أنا مش جاي أدافع عن حد. أنا جاي أسلّمك حاجة أحمد ائتمنني عليها، وفضلت محافظ عليها كل السنين دي.
دخلنا مكتبه.
كان صغير، فيه مكتب خشب قديم ورفوف مليانة ملفات، وعلى الحيطة ساعة بتدق بصوت عالي.
يوسف فتح درج مقفول بمفتاح، وطلع منه صندوق معدني صغير.
حطه قدام أمي وقال أحمد سلّمني الصندوق ده قبل وفاته بيومين. وقال لي لو عدّت سنين طويلة من غير ما أقدر أوصله لأمه، أستنى لحد ما روبرت يوافق على كشف الحقيقة.
أمي بصت لأبويا، لكنه ما رفعش عينيه.
يوسف كمل جوا الصندوق فيه مستندات، ورسالة بخط أحمد، وحاجة تانية لازم تشوفيها بنفسك.
فتح الصندوق.
كان جواه ملف سميك، وصورة عائلية قديمة، ومظروف صغير متقفل بالشمع.
أمي مدت إيدها وأخدت الرسالة الأول.
كانت مكتوبة بخط أحمد، وفي أولها
ماما حبيبتي، لو بتقري كلامي ده، يبقى غالبًا عدى وقت طويل على آخر مرة شفتيني فيها. أنا عارف إن فيه حاجات كتير مش هتفهميها، لكن أوعديني إنك قبل ما تحكمي على بابا، تسمعي منه اللي حصل في اليوم الأخير.
أمي وقفت عن القراءة، ورفعت عينيها لأبويا.
اليوم الأخير؟ إنت لسه مخبي إيه يا روبرت؟
أبويا رد بصوت مبحوح أحمد كان عارف إن فيه مستندات تخص حقك، لكنه اكتشف كمان إن المستندات دي مش هترجعلك غير لما حد من العيلة يعترف بالحقيقة قدام المحامي.
يوسف فتح الملف، وطلع منه مستند عليه أختام قديمة وتوقيعات.
وقال الورق ده بيثبت إن والد ليندا كان سايب لها حق قانوني في جزء من ممتلكات العيلة، لكن التنازل اللي اتقدم بعد وفاته كان فيه بيانات غير صحيحة.
أمي شهقت.
يعني حقي اتاخد مني؟!
يوسف هز راسه.
المستندات بتشير لكده، لكن لازم مراجعة قانونية كاملة عشان نعرف وضع الحق ده دلوقتي، وهل ممكن المطالبة بيه بعد السنين دي.
أمي قعدت وهي مش مصدقة.
طول عمرها كانت بتشتغل وتوفّر وتخاف من بكرة، وماكانتش تعرف إن فيه حق ممكن يكون ضاع منها من غير ما تعرف.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياها.
يوسف طلع المظروف الصغير، وناولها إياه.
أحمد قال لي إن المظروف ده أهم من كل الورق اللي في الصندوق.
أمي فتحته ببطء.
جواه كانت فيه ورقة واحدة، مكتوب عليها
ماما، الشخص اللي غيّر المستندات مش هو الشخص الوحيد اللي كان يعرف الحقيقة. فيه حد تاني من العيلة عرف اللي حصل، وسكت، ولما حاولت أواجهه، طلب مني ما أقولكيش أي حاجة لحد ما يرجع من سفره.
أمي بصت للورقة، وبعدها رفعت عينيها ليوسف.
مين الشخص ده؟
يوسف اتردد، وبص ناحية أبويا.
أمي ضربت بإيدها على المكتب وقالت كفاية سكوت! أنا استنيت سنين طويلة، ومش هخرج من هنا غير لما أعرف كل حاجة!
يوسف أخد نفس عميق، وقال
الشخص ده كان أخوكي يا ليندا... عماد.
أمي قامت من مكانها، ووشها بقى أبيض تمامًا.
عماد؟! أخويا عماد مات من خمسة وعشرين سنة!
يوسف رد أيوه، لكنه قبل ما يموت، ساب عندي رسالة تانية. وطلب مني ما أفتحهاش غير لما أقدر أوصل لك المستندات الأصلية.
فتح درج تاني، وطلع ظرف عليه اسم أمي.
لكن قبل ما يديهولها، رن موبايل أبويا.
بص للشاشة، واتغيّر لون وشه.
أمي لاحظت، وقالت مين بيتصل بيك؟
أبويا رد بصوت واطي مش عارف... رقم غريب.
المكالمة اتقطعت، وبعدها بثواني وصلت رسالة.
أبويا قرأها، وإيده بدأت تترعش.
أمي مدت إيدها وقالت وريني الرسالة.
حاول أبويا يخبي الموبايل، لكن أمي أخدته منه وقرأت بصوت عالي
لو ليندا عرفت اللي كتبه عماد في رسالته الأخيرة، هتكتشف إن الشخص اللي كانت بتثق فيه طول عمرها أخفى عنها الحقيقة الأهم.
أمي رفعت عينيها ببطء، وبصت لأبويا.
مين اللي بعت الرسالة دي يا روبرت؟!
أبويا ما ردش.
لكن
متابعة القراءة