خطيب بنتي حكايات زيزي
للسخرية، مكنش بيضحك مع المجموعة، وكان أحيانًا بيتدخل بهدوء أو يطلب مساعدة المدرّس لو الموضوع زاد عن حده.
لكن التغيير الأهم كان في تعامله مع إيما نفسها.
بطل يعلّق على شكلها، وبطل يقارنها بغيرها، وبقى لما يختلف معاها في حاجة، يتكلم من غير ما يحاول يفرض رأيه عليها.
وفي يوم، وهما راجعين من المدرسة مع مجموعة من زملائهم، واحدة من البنات لاحظت شعر إيديها وقالت تعليقًا ساخرًا.
إيما اتضايقت للحظة، لكنها المرة دي مغطتش إيديها ولا حاولت تخبيهم.
بصت للبنت وقالت بهدوء
دي حاجة طبيعية، وأنا مرتاحة كده. مش محتاجة أغيّرها عشان تعجبك.
تايلر كان واقف قريب وسمع كلامها، لكنه مسابهاش تتكلمش عن نفسها، ولا حاول يتدخل بدلًا منها. اكتفى إنه احترم موقفها.
ولما رجعوا البيت، إيما حكت لأبوها اللي حصل.
دانيال ابتسم وقال
شايفة؟ إنتِ اللي بقيتي عارفة قيمتك، ومش محتاجة حد يدافع عنك عشان تصدقي إنك تستحقي الاحترام.
إيما قالت
أيوه يا بابا. وأهم حاجة إني فهمت إن حتى لو حد اتغير للأحسن، أنا لسه من حقي أقرر إذا كنت مرتاحة أكمل معاه ولا لأ.
في الليلة دي، دانيال رجع لمكتبه، وفتح الدرج اللي كان محتفظ فيه بنسخة من وعد تايلر القديم.
قرأه مرة أخيرة، وبعدها حطه في ظرف جديد وكتب عليه
مش المهم إنك توعد نفسك إنك مش هتغلط، المهم لما تغلط تعرف تعترف وتصلح.
لكن قبل ما يقفل الدرج، لقى ورقة صغيرة مدسوسة تحت الظرف، مكتوب فيها بخط مختلف
أستاذ دانيال، شكرًا لأنك عزمتني على العشا في اليوم ده. أنا كنت فاكر إنك عايز تعاقبني، لكنك خلتني أواجه نفسي من غير ما تهيني.
دانيال ابتسم، وبعدها نادى إيما وقال لها
تعالي يا حبيبتي، فيه حاجة عايز أوريهالك.
ولما قرأت الرسالة، ابتسمت هي كمان، لكنها قالت جملة خلت أبوها يبصلها بفخر
بابا، أنا مش عايزة تايلر يبقى شخص كويس عشان يفضل خطيبي. أنا عايزاه يبقى شخص كويس لأنه مقتنع إن ده الصح، سواء كملنا مع بعض أو لأ.
دانيال رد
وده معناه إنك فهمتي الدرس الأهم في الحكاية كلها.
إن احترام النفس مش معناه إننا نرفض الناس لما يغلطوا، ولا إننا نسامحهم مهما عملوا؛ معناه إننا ندي كل موقف حجمه، ونحافظ على كرامتنا، ونختار بعقلنا وقلبنا من غير خوف.
بعد كلام إيما، كنت فاكرة إن الحكاية أخيرًا وصلت لنهايتها، وإن بنتي وتايلر بدأوا صفحة جديدة مبنية على الاحترام بدل الخوف من كلام الناس.
لكن بعد 3 أيام، حصل موقف خلّى كل اللي فات يرجع من جديد والمرة دي، إيما هي اللي اكتشفت السر بنفسها!
كانت إيما راجعة من المدرسة، ولما دخلت البيت، لقيتها بتدور على موبايلها بتوتر.
سألتها مالك يا حبيبتي؟ بتدوري على إيه؟
قالت وهي بتقلب في شنطتها ماما، تايلر بعتلي رسالة غريبة، وبعدها مسحها بسرعة قبل ما أقدر أقراها كلها.
استغربت وسألتها كانت بتقول إيه؟
ردت لحقت أشوف أول سطر بس. كان بيقول إيما، لازم تعرفي الحقيقة عن العشا اللي حصل عندكم
قلبي اتقبض.
حقيقة إيه؟ هو فيه حاجة إحنا منعرفهاش؟
إيما هزت راسها مش عارفة، ولما سألته، قال لي إنه محتاج يتكلم معايا، بس مش على الموبايل.
في اللحظة دي، دخل دانيال البيت، ولما سمع كلامنا، طلب من إيما إنها تتصل بتايلر وتحدد معاه ميعاد يتكلموا فيه قدامنا.
وبالفعل، بعد ساعة، تايلر وصل.
لكن المرة دي، مكنش جاي لوحده.
كان معاه أستاذ روبرت، المدرّس القديم اللي حضر العشا الأول.
دانيال استقبلهم، وبعد ما قعدوا، سأل تايلر مباشرة إيه الحقيقة اللي عايز تحكيها لإيما؟
تايلر بص لأستاذ روبرت، وكأنه مستني منه إشارة إنه يبدأ.
روبرت قال اتكلم يا تايلر. المرة دي لازم تحكي كل حاجة بنفسك.
تايلر أخد نفس عميق، وبص لإيما وقال فاكرة لما حكيتلك إن ابن عمي جاك كان بيسخر مني بسبب شعر دراعي؟
إيما ردت أيوه، فاكرة.
قال أنا حكيتلك جزء من الحقيقة، لكن فيه جزء تاني كنت مكسوف أعترف بيه.
إيما اتوترت وسألته إيه هو؟
تايلر حط إيديه على ركبته، وقال بعد اللي حصل من سنتين، أنا مكنتش بس خايف من سخرية الناس. أنا كمان بدأت أراقب شكل كل اللي حواليا، وكنت بحاول أكتشف إيه الحاجة اللي ممكن الناس تنتقدهم بسببها، عشان أقدر أتجنبها في نفسي.
إيما بصت له باستغراب يعني إيه؟
رد يعني بقيت أقارن نفسي بالناس طول الوقت. ولما شوفت شعر إيديكي، بدل ما أفتكر إن ده شيء طبيعي، افتكرت كل التعليقات اللي اتقالت عليّا، وخفت إن زمايلي يسخروا مني بسببك.
إيما قالت بوجع يعني إنت خليتني أنا أدفع تمن خوفك؟
تايلر وطّى راسه أيوه. وده أكبر غلط عملته.
لكن دانيال لاحظ إن أستاذ روبرت لسه ساكت، فسأله حضرتك عارف حاجة تانية؟
روبرت بص لتايلر، وبعدها قال فيه سبب خلاني أصر إنه ييجي ويحكي بنفسه. من يومين، تايلر رجع المدرسة القديمة عشان يعتذر عن تصرفاته اللي حصلت زمان، وهناك اكتشف إن فيه طالب تاني بيمر بنفس التجربة اللي مر بيها هو.
إيما سألت طالب مين؟
روبرت رد طالب جديد، عنده مشكلة مختلفة في شكله، وبعض زملائه بدأوا يسخروا منه. وتايلر شاف إن الولد بدأ ينعزل عن باقي الفصل، فقرر يساعده.
تايلر كمل لما اتكلمت مع الولد، اكتشفت إنه بيفكر يسيب النشاط اللي بيحبه عشان محدش يضحك عليه. وقتها افتكرت نفسي، وافتكرت اللي عملته مع إيما.
سكت لحظة، وبعدين قال لكن المفاجأة إني لما حاولت أساعده، اكتشفت إن جاك نفسه كان موجود، وإنه المرة دي وقف قدام زمايله ودافع عن الولد.
إيما اتفاجئت جاك؟ هو كمان اتغير؟
تايلر رد مش عارف إذا كان اتغير تمامًا، لكن اللي شفته إنه حاول يصلح جزء من غلطه.
كنت بسمع الكلام وأنا بدأت أحس إن الموضوع فعلًا أكبر من مجرد تعليق على شعر الإيدين.
لكن فجأة، أستاذ روبرت طلع من ملف كان معاه ورقة قديمة، وحطها قدام دانيال.
وقال الورقة دي هي السبب الحقيقي اللي خلاني أوافق أجي النهارده.
دانيال مسك الورقة، وبدأ يقراها. وبعد ثواني، رفع عينيه لأستاذ روبرت بصدمة.
سألته إنت متأكد إن تايلر كتب الكلام ده بنفسه؟
روبرت رد أيوه. وده كان قبل ما يقابل إيما بوقت طويل.
إيما قربت من أبوها وسألته بابا، إيه المكتوب في الورقة؟
دانيال بص لها، وبعدها بص لتايلر.
وقال الورقة دي بتقول إن تايلر كان واخد قرار من سنتين إنه يواجه الشخص اللي كان سبب خوفه، لكنه عمره ما قدر ينفذ القرار ده.
تايلر رفع عينيه وقال وأنا دلوقتي مستعد أواجهه، حتى لو المواجهة دي هتخليني أسمع كلام مش هحب أسمعه.
إيما سألته مين الشخص اللي عايز تواجهه؟
تايلر سكت لحظات، وبعدها قال اسمًا واحدًا.
اسم خلّى دانيال يقوم من مكانه فجأة، ويبص لأستاذ روبرت كأنه مش مصدق اللي سمعه!
لأن الشخص اللي تايلر كان ناوي يواجهه مكنش جاك المرة دي.
كان شخصًا من عيلته، وشخصًا إيما قابلته قبل كده، وكانت فاكرة إنه آخر واحد ممكن يكون له علاقة بالسر ده!
والأغرب إن دانيال كان يعرفه من قبل، لكن عمره ما تخيّل إن اسمه هيظهر في الحكاية دي.
يا ترى مين الشخص ده؟ وإيه علاقته باللي حصل لتايلر من سنتين؟
الحقيقة اللي قلبت حياة تايلر وإيما والنهاية اللي محدش كان يتوقعها!
دانيال فضل واقف مكانه، وبص لتايلر وسأله
إنت تقصد والدك؟!
تايلر هز راسه ببطء، وعينيه بدأت تدمع.
إيما بصت له بصدمة، لأنها كانت تعرف والد تايلر كويس، وكان دايمًا بيظهر قدام الناس كرجل محترم وهادئ.
تايلر بدأ يحكي الحقيقة اللي مخبيها من سنتين.
قال إن والده كان بينتقد شكله باستمرار، وخصوصًا شعر جسمه، وكان دايمًا يقارنه بأولاد تانيين، ويقوله إن لازم يهتم بمظهره عشان الناس تحترمه.
وفي مرة، أثناء تجمع عائلي، والده علّق على شعر دراعه قدام الموجودين، فضحك بعض الحاضرين، وكان جاك واحد منهم.
تايلر وقتها حس بإحراج شديد، لكنه مقدرش يعترض على كلام والده.
ومن يومها، بدأ يربط بين شكله وبين قبول الناس ليه، وبقى مقتنع إن الشخص لازم يغيّر أي حاجة ممكن تخلي الآخرين ينتقدوه.
ولما شاف شعر إيدي إيما، كرر معاها نفس الكلام اللي اتقال له زمان، من غير ما يدرك إنه بيجرحها بنفس الطريقة اللي اتجرح بيها.
إيما فضلت ساكتة، وبعدها قالت له
أنا متفهمة إنك اتأذيت، لكن ليه محاولتش تحميني من الإحساس ده بدل ما تخليني أعيشه أنا كمان؟
تايلر رد بصوت مكسور
لأني كنت فاكر إن الحل إني أمنع أي حاجة ممكن تخلي الناس تنتقدني، حتى لو ده معناه إني أطلب من أقرب الناس ليا يغيّروا نفسهم.
دانيال تدخل وقال
يا تايلر، إحنا مش بنختار أهلنا، ومش دايمًا بنقدر نغيّر طريقة تفكيرهم. لكن إحنا مسؤولين عن الطريقة اللي بنتعامل بيها مع الناس، ومينفعش نحول وجعنا لسلاح نجرح بيه غيرنا.
تايلر هز راسه، واعترف إنه محتاج يتعلم يواجه خوفه بدل ما يفرضه على الآخرين.
وبعد أيام، قرر يتكلم مع والده بصراحة، بحضور شخص كبير من العيلة، ويحكيله قد إيه التعليقات اللي كان بيسمعها أثرت عليه.
في البداية، والده دافع عن نفسه، وقال إنه كان بيحاول يعلمه الاهتمام بمظهره، وإنه مكنش يقصد يجرحه.
لكن تايلر رد عليه
يا بابا، ممكن تكون مكنتش تقصد تأذيني، لكن ده مش معناه إني متأذيتش. أنا مش عايز أفضل أخاف من كلام الناس طول عمري، ومش عايز أكرر نفس الغلط مع أي حد.
والده سكت طويلًا، وبعدها اعترف إنه مكنش واخد باله من تأثير كلامه، ووعده إنه يحاول يغيّر طريقته في التعامل معاه.
مكنش اعتذار والده كفاية عشان يمسح كل اللي حصل، لكنه كان بداية حقيقية لمواجهة المشكلة بدل ما تفضل مستخبية.
أما إيما، فخدت وقتها في التفكير في مستقبل خطوبتها.
وبعد فترة، قابلت تايلر وقالت له
أنا شايفة إنك بتحاول تتغير، وأنا مقدرة ده. لكن لازم تعرف إن ثقتي فيك مش هترجع في يوم وليلة.
تايلر رد
أنا فاهم، ومش هضغط عليكي. إنتِ من حقك تاخدي القرار اللي يريحك.
إيما قررت إنها تدي علاقتهم فرصة جديدة، لكن بشروط واضحة الاحترام المتبادل، وعدم الضغط على أي طرف عشان يغيّر شكله أو شخصيته لإرضاء الآخرين، وإن أي مشكلة بينهم تتحل بالكلام الصريح.
ومع مرور الوقت، بدأت تلاحظ إن تايلر بقى بيسمعها أكتر، وبيحترم رأيها حتى لما يختلف معاها.
وفي يوم، كانوا قاعدين مع العيلة، ولاحظت إن تايلر رفع كم قميصه بشكل طبيعي، من غير ما يحاول يخبي شعر دراعه.
ابتسمت له، فقال
عارفة؟ زمان كنت فاكر إن القوة معناها إن محدش يقدر يعيب عليّا في حاجة. دلوقتي فهمت إن القوة الحقيقية إني مفضلش خايف من رأي الناس، ومحولش خوفي لوجع لغيري.
إيما ردت
وأنا كمان اتعلمت إن مش لازم أغيّر نفسي عشان أحافظ على وجود حد في حياتي.
دانيال كان بيسمع كلامهم من بعيد، وابتسم لمراته وقال
فاكرة لما استغربتي إني عزمت تايلر على العشا بدل ما أواجهه بعصبية؟
ضحكت وقلت له
أيوه، وكنت فاكرة إنك ناوي تحرجه!
رد
لو كنت أحرجته، كان ممكن يدافع عن نفسه وينسى الدرس. لكن لما واجه نفسه، بقى عنده فرصة حقيقية يتغير.
وبعد شهور، بقت إيما أكتر ثقة في نفسها، وتايلر بدأ يتعلم إن احترام الآخرين مش معناه إننا نتفق معاهم في كل حاجة، لكنه معناه إننا منجرحهمش عشان نرضي غرورنا أو نخبي خوفنا.
وفي النهاية، اتعلموا كلهم درس واحد
مش كل شخص بيجرح غيره بيكون شرير، أحيانًا بيكون شخص اتجرح قبل كده ومتعلمش يتعامل مع وجعه. لكن ده عمره ما يبرر إنه يكرر الأذى.
والأهم من كده، إن الاعتذار ممكن يفتح باب للتغيير، لكن الثقة لازم تتبني بالأفعال، وإن حب أي شخص لينا عمره ما المفروض يكون ثمنه إننا نتخلى عن ثقتنا بنفسنا.
أما إيما، ففضلت محتفظة بالدرس اللي أبوها علمهولها في العشا ده قيمتك مش بتتحدد برأي الناس في شكلك، ولا بخوفهم من اختلافك قيمتك في إنك تعرف نفسك وتحترمها.