ربطو زميلتهم
إننا نتحقق من دوره، مش أكتر.
أمها قامت من مكانها وهي مصدومة.
بس أخو جوزي بقاله سنين بعيد عننا! ومن ساعة وفاة أبوها، علاقتنا بيه شبه مقطوعة.
البنت بدأت تفتكر آخر مرة شافت فيها عمّها.
كان يوم عزاء والدها، ولما خرج من البيت، وقف عند الباب وقال لأمها جملة غريبة وقتها
خلي بالك من البنت دي، لأنها هتعرف الحقيقة يومًا ما.
وقتها أمها افتكرت إنه بيتكلم عن مستقبلها، لكن دلوقتي الجملة رجعت ترنّ في ودنها بشكل مختلف تمامًا.
البنت بصّت للضابط وسألته
هو عمي فين دلوقتي؟
الضابط ردّ
حاولنا نتواصل معاه، لكن موبايله مقفول. وبعتنا طلبًا للتحقق من عنوانه المسجل.
وبعدين سكت لحظة وأضاف
وفيه حاجة تانية آخر مستند اتقدم في مراجعة المنحة عليه توقيع والدك، مع إنه توفى قبل تاريخ المستند بسنين.
الأم حطت إيدها على بقها، والبنت حسّت إن كل الأسئلة اللي كانت عندها اتضاعفت.
إزاي توقيع أبوها ظهر على ورقة اتكتبت بعد وفاته؟
هل حد استخدم اسمه من غير علم الأسرة؟ وهل ده مرتبط بالخلاف القديم على المنحة؟
وفجأة، تليفون آدم رنّ.
كان بيتصل من الجامعة، وصوته كان متوتر بشكل واضح
لازم تيجوا تشوفوا حاجة إحنا لقينا مستند تاني في الأرشيف، ومكتوب فيه اسم البنت، واسم والدها، واسم شخص تالت.
البنت سألته
مين الشخص التالت يا آدم؟
سكت لحظة، وبعدها قال
الشخص التالت هو والد الشاب اللي كان على اليخت رجل الأعمال نفسه!
وقبل ما البنت تستوعب الصدمة، آدم أضاف
وفيه توقيع تاني على نفس الورقة توقيع عمّك!
لكن ليه رجل الأعمال وعمّها كانوا موجودين في نفس المستند من خمس سنين؟ وإيه علاقة والدها المتوفى بالموضوع؟ وهل الشابين كانوا بيستهدفوها لمجرد التنمر، ولا فيه حد استغل كراهيتهم ليها علشان يحقق هدف تاني؟
النهاية السر اللي اتخبّى خمس سنين!
البنت فضلت ساكتة، مش قادرة تستوعب إن اسم أبوها المتوفى واسم عمها واسم والد الشاب الغني موجودين في نفس المستند!
بصّت لآدم وقالت بصوت بيرتعش
أنا عايزة أعرف الحقيقة، مهما كانت تعبت من إني أفضل خايفة ومش فاهمة ليه كل ده بيحصل معايا!
آدم طمّنها، واتفق معاها إنهم يسيبوا التحقيق الرسمي يكشف التفاصيل، من غير ما يواجهوا أي حد أو يتهموا شخصًا من غير دليل.
وبعد يومين، وصل للضابط تقرير مراجعة الملفات القديمة، ومعاه مستندات أصلية وشهادات موظفين سابقين.
والحقيقة كانت صادمة!
قبل خمس سنين، كان فيه طالب اسمه كريم، من أقارب البنت، قدّم على منحة دراسية في نفس الجامعة. كريم كان متفوقًا، لكن طلبه اترفض بسبب تغيير غير مبرر في تقييم أوراقه.
والد كريم وقتها حاول يعرف سبب الرفض، لكنه اكتشف إن ملف ابنه اتعدل بعد انتهاء موعد التقديم.
ولما اعترض، اتدخل عم البنت، اللي كان وقتها على معرفة برجل الأعمال والد الشاب المتنمر.
لكن المفاجأة إن والد البنت، قبل وفاته، كان قدّم شكوى رسمية بسبب مخالفات في إجراءات المنح، واحتفظ بنسخ من بعض المستندات.
يعني والدها كان أول شخص حاول يكشف المخالفات، قبل ما بنته تدخل الجامعة بسنين!
أما توقيعه الموجود على المستند المتأخر، فبعد الفحص اتضح إنه توقيع منقول من ورقة قديمة، واتستخدم من غير إذن لإظهار إن الإجراءات كانت سليمة.
لكن مين اللي عمل كده بالضبط؟
التحقيق الإداري والجنائي كشف إن موظفًا سابقًا استغل صلاحياته في تعديل بعض السجلات، وإن عم البنت كان قدّم له مستندات قديمة تخص والدها. أما دور رجل الأعمال، فثبت إنه تدخّل وقتها لمصلحة أحد أقاربه، لكن الأدلة لم تثبت إنه هو اللي نفّذ التعديلات بنفسه.
وبكده، بدأت الجامعة إجراءات تصحيح الملفات، وإعادة تقييم الطلبات المتضررة، مع إحالة المخالفات للجهات المختصة.
لكن لسه فيه سؤال مهم إيه علاقة كل ده باللي حصل على اليخت؟
المواجهة الأخيرة
بعد ما استقرت حالة البنت، استدعتها الجامعة لجلسة رسمية لمناقشة استمرار منحتها.
دخلت القاعة وهي متوترة، لكن المرة دي ما كانتش لوحدها. أمها كانت معاها، وآدم حضر كشاهد على بعض الوقائع اللي عرفها.
وكان موجود كمان الشابان، برفقة أسرتهما ومحاميهما، في إطار الإجراءات المتعلقة بالحادث.
مدير الجامعة بدأ كلامه باعتذار واضح
إحنا آسفين إن طالبة عندنا اضطرت تواجه الإهانات دي، وإنها ماحستش بالأمان داخل الجامعة. هنراجع الإجراءات اللي سمحت بتكرار المضايقات، وهنضمن إن تقييم منحتك يفضل قائمًا على تفوقك واستحقاقك، بعيدًا عن أي ضغوط.
البنت بصّت له وقالت بثبات
أنا مش عايزة معاملة خاصة، ومش عايزة حد ينجحني أو يساعدني عشان يشفق عليّا. أنا تعبت علشان أوصل هنا، وكل اللي عايزاه إن حقي يفضل حقي.
ساد الصمت في القاعة.
أما والد الشاب الغني، فوقف وبصّ لابنه وقال
أنا مش هستخدم اسمي ولا فلوسي علشان أخرّجك من نتيجة أفعالك. اللي عملته لازم تتحمل مسؤوليته.
الشاب حاول يتكلم، لكن أبوه أشار له إنه يسكت.
وبعدها بصّ ناحية البنت وقال
أنا مش هطلب منك تسامحي ابني. من حقك تاخدي وقتك، ومن حقك تطالبي بحقك كاملًا.
البنت ردّت بهدوء
أنا مش محتاجة وعود. أنا محتاجة أشوف إن محدش هيقدر يكرر اللي حصل معايا.
الحقيقة اللي كشفت صاحب الرسائل
بعد أسابيع من الفحص، تمكنت الجهات المختصة من تحديد مصدر الرسائل المجهولة.
كان موظفًا سابقًا في الجامعة، احتفظ بنسخ من مستندات قديمة، وبعت التحذيرات بعدما عرف إن الشابين بيخططوا ياخدوا البنت على اليخت.
لكنه أخفى هويته لأنه كان خايف من انكشاف دوره في المخالفات القديمة.
والأهم إن التحقيق أثبت إن الشابين خططوا لإذلال البنت وتصويرها، وإن تصرفاتهم على اليخت عرّضت حياتها للخطر فعلًا. أما الرسائل، فساعدت في توجيه الانتباه إلى الخطر، لكنها لم تكن بديلًا عن الأدلة والشهادات اللي أثبتت ما حدث.
وبعد استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية، واجه الشابان العواقب المترتبة على أفعالهما، واتخذت الجامعة إجراءات تأديبية بحقهما وفقًا للوائحها، بينما استمرت الجهات المختصة في نظر المسؤوليات الجنائية.
أما البنت، فرجعت لدراستها، ومنحتها استمرت بعد مراجعة ملفها والتأكد من استحقاقها.
وفي أول يوم رجعت فيه للجامعة، دخلت المدرج وهي رافعة راسها.
بعض الطلبة وقفوا يرحبوا بيها، وغيرهم اعتذروا عن سكوتهم وقت ما كانت بتتعرض للإهانة.
لكنها ما وقفتش عند اعتذاراتهم.
كان عندها هدف أكبر.
قررت تشارك في تأسيس مبادرة طلابية لمواجهة التنمر، وتوفير طريقة آمنة للطلبة للإبلاغ عن التهديدات والإهانات من غير خوف من خسارة منحهم أو مستقبلهم.
وبعد شهور، وهي بتلقي أول كلمة ليها في المبادرة، شافت أمها قاعدة في آخر القاعة، بتعيط من الفرحة.
قالت للطلبة
أنا كنت فاكرة إن سكوتي هو الطريقة الوحيدة علشان أحافظ على حلمي. لكن اتعلمت إن الكرامة مش ضعف، وإن الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير، لكنها عمرها ما تدي صاحبها الحق إنه يكسر إنسان تاني.
وبعد انتهاء الكلمة، قربت منها أمها وحضنتها.
همست لها
أبوكي كان هيفتخر بيكي أوي.
البنت ابتسمت، وبصّت لصورة والدها اللي كانت محتفظة بيها في محفظتها.
لأول مرة من وقت طويل، حست إن الحقيقة ظهرت، وإنها مش مضطرة تفضل خايفة من الماضي.
لكن أكبر انتصار حققته البنت ماكانش إن الشابين اتعاقبوا، ولا إن سر المنحة اتكشف كان إنها خرجت من كل اللي حصل وهي لسه متمسكة بحلمها، وماسمحتش لحد يحوّل فقرها إلى عار، أو نجاحها إلى جريمة.
النهاية.