بيعيني المزرعة حكايات زيزي

لمحة نيوز

مش هينفعك، وإن الشخص اللي اسمه مكتوب فيه مستعد يشهد إن خالتك كانت عارفة بكل اللي حصل؟
حسيت بقلبي بيهبط.
مين الشخص ده؟
إرنستو فتح الملف، وطلع منه إفادة مكتوبة، وحطها قدامي.
كان فيها اسم شاهد، وتوقيع، وتاريخ حديث جدًا.
لكن قبل ما أقدر أقرا باقي التفاصيل، ظهر ميجيل من ورايا، وخطف نظرة سريعة على الورقة.
وشه اتغير، وقال بصوت مصدوم
مستحيل! الراجل ده مات من خمس سنين!
إرنستو اتجمد مكانه.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
ميجيل مد إيده ناحية الإفادة وقال
إنت جبت توقيع شاهد متوفى إزاي؟ ومين اللي كتب الإفادة دي أصلًا؟
إرنستو حاول ياخد الورقة من إيده، لكني كنت سبقتهم، وصورتها بالموبايل.
بصيت للتاريخ، ولقيته مكتوب قبل يومين بس.
يعني حد استخدم اسم شخص ميت عشان يثبت رواية ممكن تضرني!
لكن وأنا بدقق في أسفل الورقة، لاحظت حاجة أخطر.
كان فيه ختم مكتب تسجيل الأراضي، وتحته رقم معاملة جديد.
نفس الرقم اللي ظهر في إخطار النزاع اللي استلمته من الموظف قبل أيام.
بصيت لميجيل، وقلت
إنت قلتلي إن الموظف ده ممكن يكون متورط. هل الختم ده يثبت إنه شارك في التزوير؟
هز راسه وقال
مش لوحده. لكنه يخلينا نطالب بفحص الملف الأصلي وسجل المعاملات، ونعرف مين قدّم الإفادة ومين اعتمدها.
إرنستو حاول يرجع لثباته، وقال
إنتوا فاكرين إنكم كده كسبتوا؟ عندكم دفتر قديم وورقة مش هتثبت حاجة!
لكن قبل ما يمشي، سمعنا صوت عربية تانية بتقف عند البوابة.
نزل منها رجل مسن، ماسك عصاية، ومعاه سيدة في منتصف العمر شايلة ملفًا بنيًا.
الرجل بص لإرنستو، وبعدها وجّه نظره ليا.
وقال بصوت هادي
أنا جاي أتكلم عن مانويل أورتيجا، وعن الوصية اللي اتخبّت كل السنين دي.
إرنستو اتراجع خطوة.
والرجل كمل
أنا آخر شاهد حي على الاتفاق الأصلي، ومعايا نسخة من المستند اللي بيحدد مين له الحق الحقيقي في الأرض.
مد إيده وطلع ظرفًا مختومًا.
لكن قبل ما يفتحه، بصلي وقال
قبل ما تشوفي الورقة دي، لازم تعرفي إن مانويل ما سابش الأرض لأبوكي ولا لخالتك... هو سابها لشخص تالت، والشخص ده لسه عايش، وموجود في البلدة دي لحد النهارده!
اتجمدت مكاني.
مين الشخص ده؟ وليه ما ظهرش طول السنين دي؟ وهل إرنستو كان عارف إنه لسه عايش؟ 
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي أنقذت المزرعة وفضحت إرنستو! 
وقفت قدام الراجل المسن، وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
مانويل أورتيجا ساب الأرض لشخص تالت، والشخص ده لسه عايش في نفس البلدة!
بصيت لإرنستو، فلقيت وشه اتغير تمامًا، وكأنه شاف شبحًا من الماضي.
سألته وأنا قلبي بيدق بسرعة
إنت عارف مين الشخص ده، صح؟
ما ردش.
الراجل المسن حط الظرف على الترابيزة، وفتحه قدامنا، وطلع منه وصية قديمة عليها ختم رسمي.
قال
اسمي دون رافائيل. كنت المحامي المسؤول عن توثيق الاتفاق بين مانويل أورتيجا ووالد إيلينا. والوصية دي اتكتبت قبل اختفاء مانويل بفترة قصيرة، واتحفظت عندي بناءً على طلبه.
بدأ يقرا
أوصي بحقوقي في القناة القديمة والطريق الشرقي لابنتي الوحيدة، ماريا أورتيجا، على أن تظل حقوق المزارعين الآخرين محفوظة، وألا تُستخدم الأرض للإضرار بأصحاب الأراضي المجاورة.
شهقت أمبارو.
ماريا؟! بنت مانويل كانت لسه طفلة وقتها!
هز رافائيل راسه وقال
أيوه، لكنها كبرت، ولسه عايشة.
وبعدين أشار للسيدة اللي كانت واقفة جنبه.
دي ماريا أورتيجا.
بصيت للسيدة، ولقيت عينيها مليانة دموع.
قالت بصوت هادي
أنا عشت سنين طويلة بعيد عن البلدة، لأن أبويا اختفى فجأة، وبعدها وصلتني أخبار متضاربة عنه. لكن قبل ما يسافر، كان طلب من المحامي يحافظ على حقوقي وحقوق المزارعين، لحد ما أقدر أرجع وأطالب بيها.
سألتها
طيب، إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟ وليه ما رجعتيش قبل كده؟
ردت بحزن
كنت صغيرة، وماكانش معايا غير نسخة من خطاب أبويا. ولما كبرت، حاولت أوصل للحقيقة، لكن كل مرة كنت ألاقي مستندات ناقصة وحد بيقول إن الأرض اتباعت خلاص. لحد ما عرفت إن إرنستو بيحاول يستولي على الطريق والقناة، فقررت أرجع.
إرنستو حاول يتدخل
الكلام ده كله مالوش قيمة! الوصية قديمة، والأرض عليها نزاع، ومحدش يقدر يثبت حاجة!
لكن دون رافائيل فتح ملفه وطلع منه نسخة موثقة من الوصية، ومعاها إيصالات قديمة وسجل رسمي يوضح حقوق مانويل.
وقال بحزم
كل المستندات دي هتتقدم للجهات المختصة، وهي اللي هتحدد الحقوق القانونية لكل طرف.
في اللحظة دي، فهمت إن المزرعة مش مجرد بيت ورثته عن خالتي.
كانت جزءًا من حكاية طويلة، فيها ناس حاولت تحافظ على حقوقها، وناس تانية حاولت تستغل غياب أصحاب الحق.
لكن كان لسه عندي سؤال واحد.
بصيت لماريا وسألتها
إنتِ تعرفي إيه عن أبويا؟ هو ليه وقّع على المستند اللي خلّى الناس تشك فيه؟
ماريا بصت لدون رافائيل، وبعدها طلعت من شنطتها جوابًا قديمًا.
أبوكي هو اللي ساعدني وأنا صغيرة بعد اختفاء والدي. وكان وعده لوالدي إنه يحافظ على القناة لحد ما أرجع. ولما إرنستو حاول يغيّر حدود الأراضي، أبوكي اضطر يوقّع على مستند مؤقت عشان يمنع إغلاق القناة فورًا، لكنه رفض التنازل عن الملكية أو حقوق المزارعين.
مدّتلي الجواب.
كان مكتوبًا بخط أبويا، وفيه شرح لتفاصيل الاتفاق، ومعاه نسخة من إيصال يثبت إن التعديل اللي حاول إرنستو يعتمده ما اكتملش قانونيًا.
دموعي نزلت وأنا بقرأ.
طول السنين كنت فاكرة إن أبويا مات وسايب وراه أسئلة ملهاش إجابات.
لكن أخيرًا فهمت إنه كان بيحاول يحمي الناس، حتى لو اضطر يتحمل سوء الفهم لوحده.
المواجهة الأخيرة
بعد أيام، اتقدمنا بالمستندات للمراجعة الرسمية.
قدّمنا الخريطة الأصلية، ودفتر الحسابات الأزرق، والوصية، والإيصالات القديمة، وطلبنا فحص التوقيعات وسجلات المعاملات.
وخلال التحقيق، اتضح إن الإفادة اللي إرنستو استخدمها كانت منسوبة لشخص متوفى فعلًا، وإن فيه مخالفات في إجراءات تسجيل بعض المستندات.
وبعد مراجعة الأوراق وسماع الشهود، اتوقفت الإجراءات المبنية على الإفادة المشكوك فيها، واتفتح تحقيق في التلاعب بالمستندات.
أما إرنستو، فاضطر يواجه الأسئلة اللي فضل سنين يهرب منها.
والأهم إن الجهات المختصة أكدت إن نزاعه على الطريق مش بيديله الحق يقفله من نفسه، وإن حقوق المرور والمياه لازم تتحدد وفق المستندات والقانون.
في نفس الوقت، حصلت على مهلة إضافية لتسوية الضرائب المتأخرة، بعد ما قدمت طلبًا رسميًا وشرحت ظروفي وقدمت المستندات المطلوبة.
ماكانش الطريق سهل، لكن للمرة الأولى، بقيت عندي فرصة حقيقية أنقذ بيها المزرعة.
بعد أسابيع، وقفت وسط البستان، وببص لأشجار الجوافة اللي بدأت تطرح من جديد.
كانيلو كبر شوية، وبرومة بقت أقوى، والإسطبل اللي كان على وشك يقع اتصلح.
أما أمبارو، فكانت قاعدة جنبي، بتقشر جوافة وبتضحك.
قالتلي
فاكرة أول يوم جيتي فيه؟ كنتِ واقفة مش عارفة هتنامي فين، ودلوقتي بقيتي صاحبة بستان بيبيع محصوله في السوق!
ضحكت وقلت
لولاكي، أنا ما كنتش عرفت حتى أخلّي برومة ترضع عجلها.
ابتسمت وقالت
أنا ساعدتك في الأول، لكن إنتِ اللي تعبتي وحافظتي على الأرض.
وبعد فترة، رجعت ماريا تعيش في البلدة، واتفقت معايا على تعاون زراعي يحافظ على حقوقنا كلنا.
هي احتفظت بحقوقها اللي أثبتتها المستندات، وأنا حافظت على المزرعة والبستان، واتفقنا إن القناة تفضل متاحة للمزارعين وفق الاتفاقات القانونية.
أما ميجيل، فساعدنا نوصل المستندات للجهات المختصة، وبدأت البلدة كلها تتكلم عن القضية اللي كشفت أسرارًا فضلت مدفونة أكتر من عشرين سنة.
وبالنسبة لإرنستو، فالقضية استمرت في مسارها القانوني، وبقى مضطر يواجه نتائج أفعاله بدل ما يفرض إرادته على أصحاب الأراضي.
بعد ستة شهور... المفاجأة اللي ما كنتش أتخيلها! 
في صباح يوم مشمس، كنت واقفة عند بوابة المزرعة، بسلّم آخر شحنة جوافة للتاجر اللي بقى يتعامل معايا بشكل منتظم.
فتحت كراسة الحسابات، وبصيت للأرقام.
لأول مرة من يوم ما وصلت، قدرت أوفّر مبلغًا كبيرًا من الضرائب المتأخرة، وسددت جزءًا مهمًا منها، وبقي عندي دخل ثابت أقدر أعتمد عليه.
ما بقيتش بخاف من صوت المطر، ولا من السقف لما الهوا يشتد، ولا من فكرة إني ممكن أصحى في يوم ألاقي نفسي من غير بيت.
دخلت البيت، وطلعت ماكينة الخياطة القديمة.
رجعت أخيط شنط من القماش، لكن المرة دي كنت بعملها كهواية وشغل إضافي، مش لأن معنديش أي مصدر رزق تاني.
وبينما كنت برتب حاجتي، لقيت صورة أبويا القديمة.
مسكتها، وابتسمت وسط دموعي.
همست
أنا حافظت على المزرعة يا بابا... زي ما كنت عايز.
في اللحظة دي، خبطت أمبارو على الباب، وكانت معاها برومة وكانيلو.
قالتلي وهي بتضحك
تعالي بسرعة! عندنا مفاجأة في البستان!
جريت وراها، ولما وصلت، لقيت شتلات صغيرة مزروعة على امتداد القناة القديمة، ومجموعة من المزارعين بيشتغلوا مع بعض عشان يرجعوا الأرض أحسن من الأول.
ماريا كانت واقفة وسطهم، وبتوزع عليهم شتلات جديدة.
قالتلي
أبويا كان نفسه يشوف الميّه دي بتخدم الناس بدل ما تبقى سبب خلاف بينهم. يمكن إحنا أخيرًا بنحقق اللي كان بيحلم بيه.
بصيت للبستان، وافتكرت أول يوم دخلته وأنا بجري ورا كانيلو، مش عارفة حتى هأكّله إزاي.
العجل الصغير اللي هرب من السور كان السبب إني أكتشف المكان اللي غيّر حياتي كلها.
وساعتها فهمت إن المزرعة ما أنقذتهاش الفاكهة لوحدها، ولا الخريطة، ولا الوصية.
اللي أنقذها إن ناس قررت أخيرًا تقول الحقيقة، وإن واحدة كانت فاكرة إنها خسرت كل حاجة رفضت تستسلم.
ومن يومها، بقت المزرعة معروفة في البلدة باسم بستان الأمل، وبقى الطريق اللي إرنستو حاول يقفله هو نفسه الطريق اللي بيمر منه المزارعون كل يوم بمحاصيلهم.
أما أنا، فكل ما أشوف كانيلو بيجري وسط الأشجار، بفتكر اليوم اللي جريت وراه فيه، وبضحك وأنا بقول لنفسي
يا ترى لو كنت مسكته من أول مرة، كنت هعرف كل الأسرار دي إمتى؟! 
النهاية.

تم نسخ الرابط