بنتي الي عندها 5سنين حكايات زيزي

لمحة نيوز

إن كل حاجة حواليا بقت مشوشة.
يعني إيه بيانات اتبدلت؟ وإيه علاقة إيميلي بالموضوع؟
نادين بصت لدانيال، كأنها بتستأذنه تتكلم.
لكن دانيال هز راسه وقال خلاص يا نادين. لازم سارة تعرف.
فتح الملف مرة تانية، وطلع ورقة كانت مستخبية في جيب داخلي.
كانت شهادة مراجعة قديمة، عليها ختم المستشفى، وفيها رقم الملف الأصلي ورقم الملف البديل.
ولما قارنت الرقمين، اكتشفت إن الرقم الموجود على شهادة إيميلي كان هو الرقم البديل!
حسيت بدوخة شديدة، واضطريت أقعد.
كل السنين دي، وأنا فاكرة إن كل أوراق بنتي سليمة، وإن كل حاجة حصلت وقت ولادتها كانت طبيعية.
لكن دلوقتي، قدامي دليل إن فيه بيانات اتبدلت، وإن أمي كانت بتحاول تكشف الموضوع قبل وفاتها.
وفجأة، موبايل نادين رن.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ووشها اتغير تمامًا.
مدتلي الموبايل من غير ما تتكلم.
كانت الرسالة بتقول
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، متروحوش المستشفى. قابلوا محمود الساعة 8 بالليل في المخزن القديم. وهو هيقولكم ليه اسم سارة موجود في الملف الأصلي من البداية.
بصيت لنادين وقلت عمي محمود؟ هو رجع مصر؟
هزت راسها.
أيوه. وهو اللي بعتلي أول رسالة عن الملف.
لكن قبل ما نقدر نتكلم أكتر، وصلتنا رسالة تانية، فيها صورة للمخزن القديم.
وفي الصورة، كان فيه عربية واقفة قدام الباب، وشخص خارج منها.
كبرت الصورة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
لأن الشخص اللي نازل من العربية كان الدكتور سامح!
وتحت الصورة، كانت فيه جملة واحدة
محمود مش هو اللي مستنيكم جوه المخزن... والشخص اللي معاه هو الوحيد اللي يقدر يثبت مين غيّر تقرير إيميلي.
بصيت لدانيال، ولقيته بيقفل الملف بسرعة.
سألته إنت تعرف الشخص ده؟
رد بعد تردد طويل
أيوه يا سارة... وكنت فاكر إنه مات من سنين.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، جرس الباب رن تاني.
المرة دي، محدش فينا اتحرك.
وبعدين سمعنا صوت راجل من بره بيقول
سارة، أنا عارف إنك جوه. أنا جاي أقولك الحقيقة عن إيميلي، بس لازم تفتحي الباب قبل ما دانيال يمنعني.
دانيال اتراجع خطوة، ووشه بقى أبيض تمامًا.
أما نادين، فبصتلي وهمست
ده صوت محمود... عمك رجع علشان يعترف بحاجة محدش في العيلة كان مستعد يسمعها.
قربت من الباب، وحطيت إيدي على المقبض.
لكن قبل ما أفتحه، سمعت عمي بيقول جملة خلتني أسحب إيدي فورًا
سارة... إيميلي مكنتش أول طفلة يحصل معاها كده، وأنا عندي أسماء الأطفال التانيين، وعندي الدليل اللي يثبت إن اللي حصل لبنتك مكنش مجرد خطأ طبي.
وقفت مكاني، وأنا مش عارفة أفتح الباب ولا أخاف من اللي ممكن أسمعه.
لأن لو كلامه حقيقي، يبقى موت بنتي مش مجرد حادثة غامضة...
وإنما بداية سر أكبر بكتير، والصفحة اللي لسه متفتحتش من الملف رقم 214 ممكن تغيّر كل حاجة! 
يتبع...
فتحت الباب وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني، ولقيت عمي محمود واقف قدامي، وشه شاحب، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
أول ما دخل، بص لدانيال وقاله
كفاية كذب يا دانيال. البنت من حقها تعرف الحقيقة كاملة.
دانيال مردش، ونادين وقفت جنبي وهي بتعيط.
أما أنا، فكنت مش عايزة أسمع مقدمات أكتر.
صرخت في عمي إيميلي ماتت! بنتي راحت مني، وأنا من يومها مش عارفة أنام ولا أعيش! لو عندك أي معلومة، قولها دلوقتي!
عمي حط الشنطة على الترابيزة، وطلع منها ملف كبير مليان أوراق وصور وتقارير طبية.
وبعدين بدأ يحكي.
من سنين طويلة، كان فيه خلل خطير في نظام حفظ الملفات في المستشفى اللي اتولدت فيها إيميلي. بعض السجلات اتنقلت من مكانها، وبيانات أطفال اتسجلت بطريقة غلط، ولما أمي اكتشفت المشكلة، حاولت تبلغ الإدارة.
لكن قبل ما تقدر تكشف كل التفاصيل، توفيت.
بعد وفاتها، الملف الأصلي اختفى، والموضوع اتقفل من غير تحقيق كامل.
ولما إيميلي دخلت المستشفى قبل وفاتها، الدكتور سامح لاحظ إن فيه اختلافات بين بياناتها الطبية القديمة والبيانات الموجودة في النظام الجديد.
بدل ما يوقف الإجراءات ويطلب مراجعة رسمية كاملة، حاول يعالج المشكلة بعيد عن الإدارة، وده خلّى سلسلة من الأخطاء والتصرفات الغلط تحصل.
بصيت لعمي وسألته طب ودانيال؟ إيه علاقته بكل ده؟
عمي سكت لحظة، وبعدها قال
دانيال عرف بوجود اختلاف في الملف قبل وفاة إيميلي، لكنه خاف من الفضيحة، ووافق على إنه يسيب مراجعة الملف لحد ما الأزمة تعدي.
لفيت ناحية جوزي.
يعني إنت كنت عارف إن فيه مشكلة، وسايب بنتنا في المستشفى من غير ما تقولي؟!
دانيال نزل راسه، ودموعه نزلت لأول مرة قدامي.
أنا مكنتش أعرف إن ده ممكن يأثر على علاجها يا سارة. أنا كنت فاكر إنهم بيصلحوا أخطاء إدارية، ولما حالة إيميلي اتدهورت، اكتشفت إن الموضوع أكبر بكتير. خفت أعترفلك إني سكت، وخفت أواجه الحقيقة.
صرخت فيه خفت على نفسك، وأنا كنت بفقد بنتي!
مردش.
لكن عمي طلع ورقة من الملف، وحطها قدامي.
كانت تقريرًا طبيًا من يوم وفاة إيميلي، وعليه ملاحظات بخط الدكتور سامح.
الورقة أثبتت إن فيه معلومات اتغيرت في التقرير النهائي، وإن توقيت بعض الإجراءات الطبية لم يكن متطابقًا مع السجلات الأصلية.
لكن الأهم إن التقرير لوحده مكنش كفاية يحدد سبب الوفاة، ولا يثبت إن شخصًا بعينه تسبب فيها.
سألت عمي طب ليه الممرضة بعتتلي الفلاشة؟
رد لأنها اكتشفت إن التسجيلات بتوضح إن الدكتور سامح دخل أوضة إيميلي في وقت مختلف عن الوقت اللي كتبه في التقرير. ولما واجهته، طلب منها تسكت. هي خافت، لكنها في الآخر قررت تساعدك تعرفي إن فيه حاجة محتاجة تحقيق.
وفجأة، موبايل دانيال رن.
كان الدكتور سامح.
دانيال رد، وشغّل مكبر الصوت.
جالنا صوت الدكتور وهو بيقول بعصبية
محمود عندكم، صح؟ اسمعوا، أنا مستعد أشرح كل حاجة، بس لازم تسلموني النسخ الأصلية من التسجيلات والملفات.
عمي رد بهدوء مش هنسلمك أي حاجة. كل المستندات هتروح للجهات المختصة.
الدكتور سكت ثواني، وبعدها قال
إنتوا مش فاهمين! أنا مغيرتش التقرير علشان أخفي جريمة. أنا كنت بحاول أغطي على أخطاء حصلت في النظام، وخفت إن المستشفى كلها تنهار لو الموضوع اتكشف.
قلت له بصوت مليان غضب وبنتي؟ كانت مجرد رقم في ملف بالنسبة لك؟!
مردش.
وبعد لحظات، قفل المكالمة.
تاني يوم الصبح، رحت أنا ونادين مع محامي إلى الجهات المختصة، وقدمنا نسخة من تسجيلات الكاميرات، والملف رقم 214، والتقارير الطبية، والرسائل اللي وصلتني.
بدأ التحقيق، واتطلبت مراجعة مستقلة للسجلات الطبية، وسماع أقوال العاملين اللي ظهروا في التسجيلات.
الممرضة اللي سلمتني الفلاشة ظهرت بعد يومين، وكانت بخير، لكنها كانت مرعوبة من إنها تفقد شغلها بسبب اللي كشفته.
أكدت إن الدكتور سامح طلب منها ما تتكلمش عن الاختلافات اللي لاحظتها في السجلات، وإنها قررت تبعتلي التسجيلات بعد ما عرفت إن الملف الأصلي اختفى.
أما الدكتورة ليلى، فاضطرت تقدم سجلات القسم كاملة، واتكشف إن فيه تعديلات غير موثقة حصلت في تقارير أكتر من حالة.
وبعد مراجعة الأدلة وسماع الشهود، اتفتح تحقيق رسمي في وفاة إيميلي، وفي طريقة التعامل مع ملفها، وفي التعديلات اللي حصلت على التقارير.
لكن الحقيقة الأهم ظهرت بعد أسابيع.
التقرير الطبي الأصلي أثبت إن إيميلي كانت محتاجة متابعة عاجلة بسبب تدهور حالتها، وإن السجلات المعدلة أخفت معلومات مهمة عن توقيت بعض الإجراءات.
التحقيق خلص إلى وجود مخالفات جسيمة في التعامل مع الملف، واتخذت إجراءات قانونية وتأديبية بحق المسؤولين عن التلاعب بالسجلات، بينما استمرت مراجعة المسؤولية الطبية عن الوفاة بشكل منفصل.
ومع ذلك، مفيش دليل قاطع أثبت إن دانيال تعمّد التسبب في وفاة بنتنا، ولا إن حد قتلها عمدًا.
وده كان أصعب جزء بالنسبة لي.
لأن الحقيقة اللي كنت بدور عليها مش كلها كانت جريمة واضحة لها شخص واحد أقدر أكرهه وأحمّله كل حاجة.
كان فيه إهمال، وخوف، وتستر، وأشخاص اختاروا يحموا نفسهم بدل ما يقولوا الحقيقة في وقتها.
أما دانيال، فاعترف إنه أخفى عني معرفته بالمشكلة، وإنه سمح للخوف يسيطر عليه بدل ما يواجهني من البداية.
طلب مني أسامحه.
لكن أنا مقدرتش.
قلت له أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك يومًا على سكوتك. اللي أعرفه إنك سبتني أعيش شهور وأنا بلوم نفسي، وإنت كنت عارف إن فيه أسئلة لازم تتسأل.
قررت أبعد عنه فترة، وأخلي أي قرار يخص مستقبلنا يحصل بعد ما أستوعب اللي حصل.
ونادين اعترفت إنها غلطت لما خافت وسكتت، وبدأنا نحاول نصلح علاقتنا، لكن الثقة اللي اتكسرت مكانتش هترجع في يوم وليلة.
بعد شهور، رجعت أوضة إيميلي لأول مرة من غير ما أنهار.
فتحت دولابها، وطلعت البلوزة الوردية اللي كانت لابساها يوم دخولها المستشفى.
قعدت على سريرها، وضمّيت البلوزة لصدري، وعيطت طويلًا.
كنت أتمنى لو الفلاشة دي وصلتني قبل فوات الأوان، أو لو حد اتكلم بدري، أو لو حد قرر إن حياة بنتي أهم من سمعته وشغله.
لكن الزمن مكنش بيرجع.
حطيت صورة إيميلي على الكومودينو، وقلت لها
أنا معرفتش أنقذك يا حبيبتي، لكني مش هسمح إن الحقيقة تتدفن تاني. حقك مش هيتنسي، وأي طفل تاني محتاج حماية، لازم يلاقي حد يتكلم عشانه.
وبعدها قفلت الدولاب بهدوء.
لأول مرة من يوم وفاتها، حسيت إني مش مضطرة أفضل أدور طول الليل على إجابة لكل سؤال.
لسه موجوعة، ولسه بفتقدها كل يوم، لكني عرفت إن اللي حصل مش ذنبي، وإن حبي لبنتي عمره ما كان محتاج دليل.
أما الفلاشة، فاحتفظت بنسخة من محتواها ضمن الأدلة المقدمة للتحقيق، وسلمت النسخة الأصلية للجهات المختصة.
ومن يومها، كل ما أفتكر الورقة الصغيرة اللي كانت ملزوقة فيها، أفتكر الجملة اللي غيرت حياتي
متثقيش في جوزك!
لكن الحقيقة اللي اتعلمتها كانت أعمق من كده بكتير
مش كل شخص بيخبي حاجة بيكون قاتل، ومش كل شخص بيقول إنه بيحميك بيكون فعلًا بيحميك.
أحيانًا، أخطر حاجة مش السر نفسه...
أخطر حاجة إن الخوف من الحقيقة يخلي الناس تسكت، لحد ما حد تاني يدفع الثمن.
وإيميلي، مهما كانت الحقيقة موجعة، هتفضل بنتي اللي حبيتها بكل قلبي، مش مجرد ملف طبي أو قضية انتهت.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط