وانا عندي 13 سنه حكايات زيزي

لمحة نيوز

جواه كانت فيه صور قديمة، وكشوف حسابات بنكية، وعقود عليها أختام رسمية، وورقة مكتوب فوقها بخط كبير:

«إقرار بالتنازل عن الميراث وحقوق الملكية».

قربت من المكتب، وبدأت أقلب الورق.

لحد ما عيني وقعت على اسمي.

اسمي الكامل كان مكتوب في أول صفحة، وتحته تاريخ اليوم اللي أبويا سابني فيه على الطريق!

حسيت ببرودة في جسمي.

— إيه ده؟ إيه علاقة اسمي بالورق ده؟

أمي قربت مني وقالت:

— قبل اليوم ده بشهر تقريبًا، جدك كان تعبان جدًا. وكان قرر يغيّر طريقة توزيع أملاكه بعد ما اكتشف إن فيه أموال اختفت من حسابات العيلة.

بصيت لأبويا.

وشه كان جامد، لكنه مكنش قادر يبص في عيني.

أمي كملت:

— جدك كان عنده مزرعة كبيرة، ومخازن، وأراضي متسجلة باسمه. وكان ناوي يسيب جزء كبير منها ليك ولأخوك، بشرط إن حد منكم يتولى إدارة الممتلكات لما تكبروا.

سألتها:

— وده ليه يخلي أبويا يرميني في الشارع؟!

ردت وهي بتبص للورق:

— لأن جدك اكتشف إن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير علمه، وإن حد من أفراد العيلة كان بيحاول يبيع جزء من الأرض بأوراق مش سليمة.

أبويا ضرب بإيده على المكتب.

— كفاية! إنتِ بتقولي نص الحقيقة وبتخبي النص التاني!

أمي بصتله وقالت:

— يبقى قول إنت النص التاني يا سيفيرو!

ساد الصمت.

وبعد ثواني، أبويا سحب كرسي وقعد، كأنه فجأة بقى أكبر بعشرين سنة.

قال بصوت واطي:

— جدك كان شاكك فيا.

سألته:

— يعني إنت اللي خدت الفلوس؟

رفع عينيه بسرعة وقال:

— لأ! أنا مكنتش اللي سرق الفلوس. لكن كنت عارف إن فيه حاجة غلط، وسكتّ. كنت خايف لو الحقيقة ظهرت، أخسر كل حاجة.

أمي ردت بمرارة:

— وإنت بدل ما تصلح الغلط، قررت تضحي بابنك علشان تحمي نفسك!

أبويا حط إيده على وشه، وبعدها قال:

— يومها، جدك كان باعت محامي البيت علشان ياخد توقيعك على ورقة تثبت إنك موافق إن ممتلكات العيلة تفضل تحت إدارة أبوك لحد ما تكبر. لكن قبل ما المحامي يوصل، اكتشفت إن فيه مستندات تانية ممكن تثبت إن حد من العيلة زوّر توقيع جدك.

سألته:

— وإيه علاقة ده بيا؟

بصلي طويلًا، وبعدين قال:

— لأنك كنت شفت الورق ده بالصدفة قبلها بيوم.

بدأت أفتكر.

كنت فعلًا دخلت مكتب أبويا زمان، وشفت أوراق كتير على المكتب. لكني وقتها مكنتش فاهم أي حاجة، وكل اللي فاكره إني سألته عن سبب وجود اسمي على مستندات تخص المزرعة.

قلت ببطء:

— أنا فاكر اليوم ده… إنت زعقتلي وقلتلي ممنوع أدخل مكتبك تاني.

هز راسه.

— لأنك كنت سألتني سؤال مكنتش مستعد أجاوب عليه.

أمي اتدخلت بسرعة:

— لكنه مكانش عارف إنك بتخفي جريمة يا سيفيرو! كان طفل فضولي، وكل اللي عمله إنه سأل!

أبويا تجاهل كلامها، وبصلي مباشرة.

— يوم ما سبتك على الطريق، مكنتش عايزك تختفي من حياتي لمجرد إني مش بحبك. كنت عايز أخوفك علشان متتكلمش عن الورق اللي شفته.

حسيت إن قلبي اتعصر.

يعني أبويا اعترف بنفسه إنه عاقبني علشان أحافظ على سره!

لكن قبل ما أقدر أرد، أمي فتحت درج المكتب وطلعت ورقة صغيرة، حوافها مصفرة من الزمن.

قالت:

— فيه حاجة أهم من كل ده. الورقة دي هي السبب الحقيقي اللي خلاني أستنى عشرين سنة قبل ما أتكلم.

أخدت الورقة منها.

كانت مكتوبة بخط جدي، ومؤرخة قبل وفاته بأسبوعين.

قريت أول سطر، وبعده التاني، ولما وصلت للسطر الثالث، إيدي بدأت تترعش.

جدي كان كاتب:

«لو حصل لي أي مكروه، أو اختفت أموال المزرعة، ما تثقوش في التقارير اللي هتوصلكم من المحاسب. الشخص الوحيد اللي معاه النسخة الأصلية من حسابات المزرعة هو…»

والاسم اللي كان مكتوب بعد كلمة «هو» اتشطب عليه بحبر أسود كثيف.

رفعت عيني لأمي وسألتها:

— مين اللي شطب الاسم؟

قبل ما ترد، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت.

وبعد لحظات، دخل أخويا الصغير، اللي كان المفروض يتجوز بعد أيام قليلة.

أول ما شافنا واقفين حوالين المكتب، وقف مكانه.

بص لأبويا، وبعدين لأمي، وبعدها عينيه وقعت على الورقة اللي في إيدي.

وشه شحب فجأة.

قال بصوت متوتر:

— إنتوا فتحتوا الملف؟!

استغربت سؤاله.

— إنت عارف الملف ده؟!

أخويا ما ردش، لكنه قرب من المكتب وطلع من جيبه صورة قديمة، وحطها جنب الورقة اللي كنت ماسكها.

كانت صورة لجدي، واقف قدام المزرعة، وبجانبه أبويا ورجل غريب مكنتش شفته قبل كده.

وعلى ضهر الصورة، كان فيه تاريخ مكتوب بخط جدي… نفس تاريخ اليوم اللي أبويا رماني فيه على الطريق!

أخويا بصلي وقال:

— فيه حاجة لازم تعرفها قبل فرحي. أنا اكتشفت السر ده من شهر، ولما واجهت بابا، طلب مني أوعده إني مش هقولك أي حاجة أبدًا.

سألته بصدمة:

— وإنت وافقت؟!

نزل عينيه وقال:

— وافقت، لأني كنت فاكر إنك إنت اللي اتسببت في موت جدنا…

اتجمدت مكاني!

جدّي مات بعد اللي حصل بفترة قصيرة، لكن طول عمري كنت فاكر إن وفاته كانت بسبب مرضه.

بصيت لأخويا وقلت:

— إنت بتقول إيه؟ جدي مات بمرضه! إيه علاقتي أنا بموته؟!

أخويا حط الصورة على المكتب، وفتح موبايله على رسالة قديمة محفوظة عنده.

وقال:

— الرسالة دي وصلتلي من رقم مجهول، ومعاها نسخة من مستند. ومن يوم ما قريتها، وأنا مش عارف أنام.

مد الموبايل ناحيتي.

فتحت الرسالة، ولقيت مكتوب فيها:

«أخوك الكبير مش هو اللي سرق أموال المزرعة، لكنه الشخص الوحيد اللي يقدر يكشف اسم اللي عمل كده. ولو عايز تعرف الحقيقة كاملة، اسأل أمك عن اللي حصل في المستشفى ليلة وفاة جدك».

رفعت عيني ناحية أمي.

لقيتها بتعيط من جديد، لكن المرة دي مكنش بكاء ندم وبس.

كان فيه خوف واضح في عينيها.

قربت منها وسألتها:

— ماما… إيه اللي حصل في المستشفى ليلة وفاة جدي؟

أمي فتحت بقها علشان ترد، لكن أبويا وقف فجأة وصرخ:

— محدش هيتكلم عن الليلة دي!

أخويا رجع خطوة لورا، وبص لأبويا وقال:

— ليه يا بابا؟ إنت خايف نعرف إنك كنت آخر واحد شاف جدي قبل ما يموت؟!

وفي اللحظة دي، أبويا قال جملة محدش فينا كان مستعد يسمعها…

— لأن جدكم قبل ما يموت، سلّمني وصية جديدة، والوصية دي لو ظهرت، كل واحد فيكم هيكتشف إن حياته كلها اتبنت على كذبة!

يتبع… 😱
أول ما أبويا قال إن جدي ساب وصية جديدة قبل ما يموت، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

بصيتله وقلت:

— وصية إيه يا بابا؟ وإنت مخبيها ليه كل السنين دي؟

أبويا فضل ساكت، وبعدين قفل الملف البني بسرعة وحاول يحطه تحت دراعه.

لكن أخويا وقف قدامه وقال:

— لأ، المرة دي مش هتخرج من الأوضة قبل ما نعرف الحقيقة. أنا كمان ليا حق أعرف جدي ساب لنا إيه!

أبويا بصله بغضب:

— إنت مالكش دعوة بالموضوع ده!

أخويا رد لأول مرة من غير خوف:

— إزاي ماليش دعوة؟ إنت طول عمرك بتقولي إن أخويا الكبير هو اللي دمّر العيلة، وإنه مشي بإرادته وسابنا. ولما اكتشفت إنك كنت بتكدب، طلبت مني أسكت علشان فرحي ميبوظش!

بصيت لأخويا بذهول.

— إنت عرفت إمتى إني مكنتش ماشي بإرادتي؟

نزل عينيه وقال:

— من شهر، لما لقيت ورقة قديمة في دولاب بابا. كان مكتوب فيها إن الشرطة استلمتك يومها من طريق ريفي، وإنك اتنقلت بعد كده للرعاية البديلة. وقتها فهمت إنك مكنتش هربان من البيت زي ما كان بيقولنا طول السنين دي.

سكت لحظة، وبعدين قرب مني وقال:

— أنا آسف يا أخويا. أنا كنت صغير، وصدقت كلامه. مكنتش أعرف إنك كنت لوحدك كل السنين دي.

مكنتش عارف أرد عليه.

كنت زعلان منه، لكني في نفس الوقت كنت فاهم إنه هو كمان اتربى وسط رواية أبويا، واتحرم من معرفة الحقيقة زيي.

مديت إيدي وربت على كتفه، وقلتله:

— إحنا الاتنين اتظلمنا، بس مش هينفع نفضل ساكتين بعد النهارده.

أمي كانت واقفة جنب الشباك، بتبص للشارع كل شوية، وكأنها مستنية حد يوصل.

سألتها:

— ماما، إنتِ مستنية مين؟

لفت وشها ناحيتي، وبعد تردد طويل قالت:

— المحامي اللي كان مسؤول عن أملاك جدك. أنا طلبت منه ييجي النهارده، لأنه الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن الوصية اللي أبوك بيتكلم عنها موجودة فعلًا.

أبويا اتنفض من مكانه.

— إنتِ كلمتي المحامي؟!

أمي ردت بهدوء غريب:

— أيوه. وكمان طلبت منه يجيب سجل الحسابات الأصلي.

أبويا حط إيده على جبينه، وبدأ يتمشى في الأوضة بعصبية.

— إنتِ مش فاهمة اللي بتعمليه! لو المستندات دي ظهرت، مش أنا لوحدي اللي هتأذى!

سألته:

— مين كمان؟

لكنه مردش.

وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.

أخويا راح يفتح، وبعد دقايق دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادية وماسك حقيبة جلد قديمة.

أمي أول ما شافته، قالت:

— أستاذ رامون، شكرًا إنك جيت.

المحامي سلّم علينا، وبعدها حط الحقيبة على المكتب وفتحها.

طلع منها ملف مختوم، وطلب مننا نقعد.

قال بصوت جاد:

— قبل ما أفتح الملف، لازم أوضح إن المستندات دي فضلت محفوظة عندي بناءً على تعليمات جدكم. وكان المفروض تتفتح في حالة واحدة: لما الابن الأكبر يرجع ويطلب معرفة الحقيقة بنفسه.

بصيتله باستغراب.

— جدي كان عارف إني هرجع؟

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

— جدك كان متوقع إنك في يوم من الأيام هتدور على إجابة. وكان عارف إن اللي حصل لك مش هيتنسي بسهولة.

فتح الملف، وطلع منه ظرف كبير عليه ختم قديم.

كان مكتوب عليه اسمي بخط جدي.

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني من غير ما أقدر أمنعها.

جدي كان الشخص الوحيد في العيلة اللي كنت بحس معاه إني مش مضطر أثبت إني أستحق الحب.

افتكرت إزاي كان بياخدني معاه للمزرعة، ويعلمني أزرع البذور، ويقولي إن الأرض مبتنساش اللي بيهتم بيها.

وكنت فاكر إنه مات من غير ما يعرف اللي حصل لي.

لكن الظرف ده كان معناه إنه يمكن كان عارف أكتر مما تخيلت.

فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه رسالة من صفحتين.

بدأت أقرأ:

«يا ابني العزيز،

لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايف منه، وإنك كبرت بعيد عن البيت اللي كان المفروض يحميك.

أنا عارف إنك هتسأل نفسك ليه محدش وقف جنبك، وليه أبوك اتصرف بالطريقة دي.

لكن قبل ما تحكم على أي حد، لازم تعرف إن فيه سر متعلق بأموال المزرعة، وإن الشخص اللي أخفى الحقيقة استخدم اسمك علشان يحمي نفسه.

أنا حاولت أصلح الغلط قبل ما أموت، لكن الوقت مكنش في صالحي.

علشان كده، سبت لك دليل واحد، لو لقيته، هتعرف مين اللي خان ثقتي، وليه اتاخد القرار بطردك من البيت».

وقفت عن القراءة.

رفعت عيني للمحامي وسألته:

— فين الدليل ده؟

المحامي أشار للصفحة التانية.

كملت القراءة، ولقيت جدي كاتب:

«ابحث عن دفتر المزرعة الأزرق. مش موجود في المكتب، ولا في الخزنة. الشخص اللي أخفاه كان متأكد إن محدش هيفكر يدور عليه في المكان اللي كنت بقضي فيه آخر ساعاتي قبل الوفاة».

أمي شهقت، وحطت إيدها على صدرها.

أما أبويا، فكان وشه بقى شاحب بشكل مخيف.

بصيتله وقلت:

— إنت عارف الدفتر ده، صح؟

رد بسرعة:

— مفيش دفتر! جدك كان تعبان، وكلامه في آخر أيامه مكنش مترتب!

لكن المحامي فتح الحقيبة تاني، وطلع منها صورة قديمة للمزرعة.

وأشار لجزء في الصورة وقال:

— الدفتر الأزرق كان آخر مرة اتشاف فيها هنا، في غرفة التخزين القديمة، قبل وفاة جدكم بيومين.

أخويا قرب من الصورة.

— الغرفة اللي تحت المخزن؟

المحامي هز راسه.

— بالضبط.

أخويا بص لأبويا وقال:

— طب ليه قفلت الغرفة دي من عشرين سنة، ومنعت أي حد يدخلها؟

أبويا سكت، وبدأت إيده تترعش.

وفجأة، مد إيده ناحية الصورة وخطفها من على المكتب.

صرخ:

— محدش هيروح المكان ده!

المحامي وقف وقال بحزم:

— مفيش حاجة تمنعهم من البحث عن مستندات تخصهم، خصوصًا إن فيه شبهة تزوير في أوراق الملكية.

أبويا بصله نظرة غريبة، وبعدها خرج من المكتب بسرعة، من غير ما ينطق بكلمة واحدة.

فضلنا ساكتين لحد ما سمعنا صوت عربيته وهي بتتحرك بعيد عن البيت.

أمي مسكت إيدي وقالت:

— لازم نروح المزرعة قبل ما يوصل هناك.

سألتها:

— ليه؟ إنتِ شاكة إنه هيحاول يخفي الدفتر؟

ردت وهي بتلبس معطفها:

— أنا مش بس شاكّة يا ابني… أنا متأكدة إنه عارف مكانه.

وبعد أقل من ساعة، كنا واقفين قدام بوابة المزرعة القديمة.

المكان كان مهجور تقريبًا، والباب الحديد عليه صدأ، لكن آثار عجلات عربية جديدة كانت واضحة على التراب.

المحامي لاحظها وقال:

— حد وصل هنا قبلنا بدقايق.

دخلنا من البوابة، ومشينا ناحية غرفة التخزين اللي تحت المخزن الرئيسي.

أخويا جرب المفتاح القديم، لكنه ملقاش القفل المناسب.

اضطر المحامي يستعين بحارس المزرعة، وبعد محاولات قدرنا نفتح الباب.

ريحة التراب والرطوبة ملأت المكان.

بدأنا ندور بين الصناديق القديمة، لحد ما أخويا نادى علينا:

— تعالوا بسرعة! لقيت حاجة!

كان واقف قدام صندوق خشبي صغير، عليه نفس العلامة اللي كانت موجودة على ختم رسالة جدي.

فتحنا الصندوق، ولقينا جواه دفتر أزرق قديم، وصورة، ومظروف صغير.

مديت إيدي ناحية الدفتر، لكن أمي مسكت دراعي فجأة.

كانت بتبص للصورة، وعينيها متسعة من الصدمة.

سألتها:

— مالك يا ماما؟

ردت بصوت بالكاد مسموع:

— الصورة دي… أنا شوفتها قبل كده ليلة وفاة جدك.

أخدت الصورة منها.

كانت صورة لأبويا واقف قدام مكتب جدي، وبجانبه رجل غريب هو نفس الرجل اللي ظهر في الصورة اللي جابها أخويا.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في التاريخ المكتوب على ضهرها.

الصورة اتصورت قبل وفاة جدي بساعات قليلة.

قلبت الصورة، ولقيت جملة بخط جدي:

«الشخص اللي واقف جنب ابني هو آخر واحد شاف الدفتر قبل اختفائه… ولو أنكر معرفته بيه، يبقى لازم تسألوه عن الحساب رقم ٤٧».

بصيت للمحامي.

— الحساب رقم ٤٧ ده إيه؟

المحامي فتح الدفتر الأزرق، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة، لحد ما وقف عند صفحة معينة.

وشه اتغير.

قال:

— الحساب ده مش حساب بنكي عادي. ده سجل لتحويلات مالية اتعملت باسم شركة كانت بتدير جزء من أملاك المزرعة.

سألته:

— ومين صاحب الشركة؟

رفع عينيه لينا وقال:

— الشركة كانت مسجلة باسم شخص واحد… عمكم إستيبان، أخو أبوكم!

أمي حطت إيدها على بقها.

أنا كنت أعرف إن ليا عم اسمه إستيبان، لكن أبويا كان بيقولنا إنه سافر من سنين وقطع علاقته بالعيلة بسبب خلاف على الميراث.

المحامي كمل:

— المشكلة إن توقيع جدكم على مستندات تحويل الأموال مش مطابق لتوقيعه الحقيقي. وده معناه إن فيه احتمال كبير إن المستندات اتزوّرت.

أخويا سأل:

— يعني عمي هو اللي سرق الفلوس؟

المحامي رد بحذر:

— لسه منقدرش نتهم حد من غير تحقيق. لكن الدفتر ده ممكن يكشف مين اللي أصدر أوامر التحويل، ومين اللي حاول يغطي عليها.

فتحت الصفحة اللي بعدها، ولقيت ورقة مطوية بعناية، عليها توقيع أبويا.

وتحت التوقيع كان مكتوب:

«أقرّ بأنني استلمت المستندات الأصلية من السيد إستيبان، وأتعهد بعدم الإفصاح عن محتواها لحين تسوية النزاع».

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

أبويا كان عارف إن فيه مستندات مزورة، وكان متورط في إخفائها، حتى لو لسه مش عارفين دوره الحقيقي في الموضوع.

لكن قبل ما نقدر نكمل، موبايل أخويا رن.

كان رقم مجهول.

رد على المكالمة، وسمعنا صوت راجل بيقول:

— لو فتحتوا الدفتر الأزرق، يبقى إنتوا ارتكبتوا أكبر غلطة في حياتكم.

أخويا سأل بعصبية:

— مين معايا؟!

الراجل تجاهل سؤاله وقال:

— اسمعني كويس. لو عايز تعرف الحقيقة عن اللي حصل لجدك، افتح آخر صفحة في الدفتر. لكن لو فتحتها، لازم تكون مستعد تعرف مين اللي دفع فلوس علشان أخوك الكبير يختفي من العيلة.

وبعدها قفل الخط.

بصينا لبعض، وأنا فتحت آخر صفحة في الدفتر بإيدين مرتعشتين.

كان فيه اسم مكتوب بالحبر الأحمر، وتحته مبلغ مالي كبير، وتاريخ التحويل.

الاسم المكتوب كان اسم أمي!

رفعت عيني ناحيتها، مش قادر أصدق اللي شايفه.

— ماما… إنتِ دفعتي فلوس علشان يبعدوني عن البيت؟!

أمي رجعت لورا، وبدأت تهز راسها وهي بتعيط.

— لأ يا ابني… أقسم بالله إني معملتش كده!

المحامي أخد الدفتر مني، وراجع الصفحة بعناية، وبعدها قال:

— استنوا. فيه حاجة غلط هنا.

أشار للتوقيع الموجود تحت اسمها، وقال:

— ده مش توقيع مريم. ده توقيع مزور.

وبعدين قلب الورقة، وظهر ختم صغير كان مستخبي تحت الطية.

المحامي قربه من عينيه، وفجأة رفع رأسه وقال:

— يا إلهي… الختم ده تابع للمكتب اللي كان بيدير حسابات المزرعة زمان.

أخويا سأله:

— ومين كان مسؤول عن المكتب ده؟

المحامي سكت لحظات، وبعدها قال اسم الشخص اللي خلانا كلنا نتجمد في مكاننا:

«رامون… المحامي اللي واقف معانا دلوقتي!»

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت باب غرفة التخزين بيتقفل بعنف من بره.

وبعدها صوت رامون نفسه جالنا من الناحية التانية:

— أنا آسف… بس فيه حاجات لو خرجت من المكان ده، هتدمر ناس كتير.

وبقينا إحنا التلاتة محبوسين جوه الغرفة، والدفتر الأزرق في إيدينا، من غير ما نعرف إذا كان رامون بيحاول يحمينا من خطر أكبر… ولا كان هو العقل المدبر لكل اللي حصل من عشرين سنة!

يتبع… 😱
فضلنا واقفين جوه غرفة التخزين، مش قادرين نستوعب إن رامون، الراجل اللي جه بنفسه علشان يساعدنا نكشف الحقيقة، هو اللي حبسنا بإيده!

أخويا خبط على الباب بكل قوته وصاح:

— أستاذ رامون! افتح الباب! إنت بتعمل إيه؟!

لكن مفيش رد.

سمعنا خطواته بتبعد، وبعدها صوت عربية بتتحرك من قدام المخزن.

أمي كانت بتترعش، وأنا حاولت أتماسك وأدور على أي مخرج تاني. الغرفة كانت قديمة، وفي آخرها شباك صغير مغطى بألواح خشب.

ساعدت أخويا يزيح الصناديق اللي تحته، وبدأنا نحرك الألواح واحدة واحدة، لحد ما قدرنا نفتح الشباك ونخرج منه للباحة الخلفية.

أول ما خرجنا، أمي جريت ناحية البوابة، لكني وقفتها.

— استني يا ماما! قبل ما نمشي، لازم أفهم إنتِ ليه كنتِ عارفة إن فيه سر في المكان ده.

بصتلي بحزن وقالت:

تم نسخ الرابط