وانا عندي 13 سنه حكايات زيزي
— لأن جدك طلب مني قبل ما يموت إني أحافظ على الدفتر، لكني مقدرتش أوصل له. أبوك قالي إن الدفتر اختفى، وإن كل المستندات اتحرقت. وأنا صدقته وقتها، لأني مكنتش أعرف إنه مخبي عني الحقيقة.
سألتها:
— طب ليه اسمك موجود في الدفتر؟
— مش عارفة يا ابني. لكن فيه حاجة عمري ما حكيتها لك، لأني كنت خايفة إنك متصدقنيش.
قربت منها، فمسكت إيدي وقالت:
— ليلة وفاة جدك، أبوك رجع البيت متأخر، وكان هدومه كلها تراب. دخل أوضته وقفّل الباب، وبعدها سمعت خناقة كبيرة بينه وبين عمك إستيبان. تاني يوم الصبح، عرفت إن جدك مات، وإن عمك سافر من غير ما يودعه.
أخويا سألها:
— وإنتِ ليه مقلتيش الكلام ده للشرطة؟
ردت وهي بتعيط:
— لأن أبوكم وراني مستندات بتقول إن عمكم هو اللي سرق الفلوس، وإنه هدد جدكم قبل وفاته. وقاللي لو اتكلمت، هتتفتح قضية كبيرة، وساعتها ممكن إنتوا الاتنين تتسحبوا من حضانتي.
بصيتلها بصدمة.
— يعني إنتِ كنتِ خايفة علينا؟
هزت راسها.
— أيوه. لكن خوفي خلاني أسكت في الوقت اللي كان لازم أتكلم فيه. ودي غلطة عمري اللي مش هقدر أصلحها مهما عملت.
مكنتش عارف أسامحها في اللحظة دي، لكني بدأت أفهم إن الحكاية أكبر من مجرد أب قاسي وأم خافت.
كان فيه حد بيحرك كل الخيوط من ورا الستار، وكل ما كنا نقرب من الحقيقة، كان بيحاول يبعدنا عنها.
رجعنا البيت القديم، وأول حاجة عملتها إني صورت كل صفحات الدفتر الأزرق، وخليت نسخة محفوظة عندي.
بعدها، اتصلت برقم الشرطة المحلي، وشرحت لهم إننا لقينا مستندات قديمة ممكن تكون مرتبطة بتزوير في أوراق ملكية وتحويلات مالية مشبوهة، وإن الشخص اللي كان معانا حبسنا داخل غرفة التخزين.
سجلوا البلاغ، وطلبوا مننا نحتفظ بالمستندات زي ما هي لحد ما يقدروا يفحصوها.
لكن المفاجأة كانت مستنياني على تليفوني.
وصلتني رسالة من رقم مجهول، مكتوب فيها:
«لو عايز تعرف ليه أبوك رماك على الطريق، متدورش على عمك. دور على التسجيل اللي اتعمل في مكتب جدك قبل وفاته بيوم».
وتحت الرسالة، كان فيه عنوان لمخزن قديم في أطراف المدينة.
عرضت الرسالة على أمي، وأول ما شافت العنوان، حطت إيدها على بقها.
— المكان ده!
سألتها:
— إنتِ تعرفيه؟
قالت بسرعة:
— ده كان مخزن الشركة اللي جدك أسسها. بعد وفاته، اتقفل، ومحدش دخله من سنين.
أخويا قال:
— يبقى لازم نروح هناك.
لكن أمي اعترضت:
— مش قبل ما نعرف مين اللي بعت الرسالة. ممكن يكون فخ.
فكرت شوية، وقررت إني مش هتحرك لوحدي. اتفقنا نستنى لحد ما الشرطة تراجع البلاغ، ونتأكد من هوية الشخص اللي بعت العنوان.
وفي نفس الليلة، حصلت حاجة مكنتش متوقعها.
أخويا كان قاعد جنبي، بيقلب في الصور اللي صورناها للدفتر، وفجأة وقف عند صفحة معينة.
قال بصوت واطي:
— بص على التاريخ ده.
كان تاريخ اليوم اللي أبويا سابني فيه على الطريق.
وتحت التاريخ، كان فيه تحويل مالي اتعمل قبلها بساعات، بمبلغ كبير، من حساب الشركة لحساب شخص مجهول.
لكن اللي لفت نظرنا أكتر إن فيه ملاحظة مكتوبة على جنب الصفحة:
«بعد تنفيذ الاتفاق، يتم تسليم المستند الأصلي للطرف الثاني، وإغلاق ملف الابن الأكبر نهائيًا».
حسيت بقلبي بيدق بعنف.
ملف الابن الأكبر!
أنا كنت المقصود.
مش مجرد طفل اتطرد من البيت في لحظة غضب، لكن اسمي كان جزءًا من اتفاق مكتوب قبل ما أتحط في العربية أصلًا.
أخويا بصلي وقال:
— بابا كان مخطط لكل ده من البداية.
لكن أمي هزت راسها وقالت:
— مش بالضرورة. فيه طرف تاني في الاتفاق، وده معناه إن أبوك مكنش لوحده.
قلبنا الصفحة اللي بعدها، فلقينا رقم حساب مكتوب بخط مختلف، وبجانبه اسم مختصر من ثلاثة حروف.
«إ. ك. ر.»
أخويا قال:
— ممكن تكون الأحرف الأولى لاسم شخص؟
أمي قربت من الورقة، وبمجرد ما شافت الحروف، وشها شحب.
سألتها:
— إنتِ تعرفي الاسم ده؟
فضلت ساكتة وقت طويل، وبعدها قالت:
— أيوه… أعرفه كويس. ده اسم الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة حسابات الشركة قبل وفاة جدك.
سألتها:
— مين هو؟
بصتلي وقالت:
— إرنستو كاسترو، شريك جدك القديم. الراجل ده كان بيزور البيت باستمرار، وبعد وفاة جدك اختفى فجأة، وأبوك قال لنا إنه مات من سنين.
أخويا فتح عينيه بدهشة.
— يعني ممكن يكون لسه عايش؟
أمي مردتش، لكن ملامحها كانت كفاية علشان أفهم إن فيه احتمال أكبر بكتير من اللي كنا متخيلينه.
تاني يوم الصبح، اتصل المحامي رامون بأخويا.
أخويا رفض يرد في البداية، لكني طلبت منه يشغل مكبر الصوت لو اتصل تاني.
وبالفعل، بعد دقائق، التليفون رن.
رامون قال بصوت متوتر:
— لازم نتقابل. فيه حاجة لازم أشرحها لكم قبل ما الموضوع يكبر.
سألته:
— ليه حبستنا في المخزن؟
سكت لحظات، وبعدها رد:
— أنا غلطت، لكني مكنتش عايز أأذيكم. كنت بحاول أمنعكم من الوصول لورقة لو ظهرت، هتخليكم تتهموا الشخص الغلط.
قلتله بغضب:
— وإنت شايف إن حبسنا كان الحل؟!
قال:
— لأ. وأنا مستعد أتحمل مسؤولية اللي عملته. بس لازم تسمعوني قبل ما تسلموا الدفتر لأي حد.
أخويا سأله:
— وإيه اللي تعرفه عن إرنستو كاسترو؟
سكت رامون فجأة.
وبعدها قال بصوت منخفض:
— مين اللي قال لكم الاسم ده؟
رديت:
— الاسم موجود في سجلات الشركة. لو عندك معلومة، قولها دلوقتي.
رامون أخد نفس طويل وقال:
— إرنستو مامتش زي ما أبوكم قال. هو سافر فعلًا، لكنه رجع البلد من حوالي ست شهور، ومن وقتها وهو بيدور على مستندات جدكم.
أمي شهقت.
— رجع؟! وليه محدش قالنا؟!
رامون رد:
— لأنه مش عايزكم تعرفوا إنه رجع قبل ما يوصل للدفتر الأزرق.
سألته:
— طب هو اللي بعت الرسالة؟
قال:
— مش عارف. لكن فيه حاجة لازم تعرفوها: إرنستو كان آخر شخص وقّع على تقرير حسابات المزرعة قبل وفاة جدكم، والتقرير ده هو اللي اختفى في نفس اليوم اللي اتاخد فيه قرار إبعادك عن البيت.
سكت شوية، وبعدها أضاف:
— وأنا شفت التقرير بعيني من عشرين سنة، وعارف إن فيه توقيع واحد بس يقدر يثبت مين اللي غيّر الأرقام.
سألته بسرعة:
— توقيع مين؟
رد رامون:
— توقيع جدكم نفسه.
بعد المكالمة، قررنا نراجع كل اللي عندنا من مستندات، ونسيب التحقيق الرسمي يكشف مين المسؤول فعلًا.
لكن قبل ما نقدر نرتب أي خطوة، وصل لأخويا ظرف جديد من غير اسم المرسل.
فتحه بحذر، وطلع منه صورة حديثة لراجل واقف قدام بوابة المزرعة.
كان شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان نفس الرجل اللي ظهر في الصورة القديمة جنب أبويا وجدي.
وعلى ظهر الصورة، مكتوب بخط واضح:
«أنا إرنستو كاسترو. لو عايزين تعرفوا مين اللي باع مستقبل أخوكم علشان ينقذ نفسه، قابلوني بكرة الساعة عشرة صباحًا، في المكان اللي بدأت فيه الحكاية».
وتحت الرسالة، كان فيه سطر أخير خلاني أحس إن كل اللي عرفناه لحد اللحظة دي مجرد بداية:
«ومتصدقوش أبوكم لما يقول لكم إن جدكم مات من غير ما يعرف الحقيقة… لأن جدكم هو اللي طلب منه يسيبك على الطريق!»
بصيت لأمي، ولقيتها حاطة إيديها على بقها وبتهمس:
— لأ… مستحيل! جدك عمره ما كان يعمل كده!
لكن السؤال اللي فضل يطاردني طول الليل كان أصعب من أي سؤال فات:
هل جدي، الشخص الوحيد اللي كنت فاكره بيحبني من غير شروط، كان هو كمان جزءًا من المؤامرة؟
ولا إرنستو بيحاول يوقعنا في فخ جديد، علشان يهرب من مسؤوليته عن اللي حصل؟
بكرة الساعة عشرة، كنا هنقابل الراجل اللي اختفى عشرين سنة كاملة…
واللي معاه، على حسب كلامه، الدليل الأخير اللي ممكن يغيّر كل حاجة عرفناها عن عيلتنا!
يتبع… 😱
تاني يوم، الساعة تسعة ونص الصبح، كنت واقف قدام المراية بلبس جاكيت قديم، وبحاول أجهز نفسي للمقابلة اللي ممكن تغيّر حياتي كلها.
أخويا كان مستنيني تحت، وأمي قاعدة في الصالة، ماسكة صورة جدي وبتبص لها كأنها بتحاول تفتكر حاجة ضاعت منها من سنين.
نزلت وسألتها:
— ماما، إنتِ متأكدة إن جدي عمره ما طلب من بابا إنه يبعدني عن البيت؟
رفعت عينيها ليا وقالت:
— جدك كان بيحبك أكتر من أي حد في العيلة، وكان دايمًا بيقول إنك أذكى حفيد عنده. مستحيل يكون طلب من أبوك يرميك في الطريق بالطريقة دي.
سكتت شوية، وبعدها أضافت:
— بس فيه حاجة أنا عمري ما فهمتها. قبل وفاته بيوم، جدك طلب مني أجيبلك دفتر الرسم بتاعك، وقاللي إنه عايز يشوف آخر حاجة رسمتها. ولما دخلت عليه، لقيته بيعيط.
استغربت.
— جدي كان بيعيط ليه؟
هزت راسها.
— معرفش. ولما سألته، قاللي: «لو حصل أي حاجة، خلي بالك من الولد الكبير. هو الوحيد اللي ممكن يدفع تمن غلطات غيره».
حسيت بقشعريرة في جسمي.
كنت فاكر إن ذكرياتي عن جدي واضحة، لكن كل كلمة جديدة كنت بسمعها كانت بتفتح باب لأسئلة أكتر.
أخويا قطع الصمت وقال:
— لازم نتحرك. إحنا قربنا نتأخر.
ودّعنا أمي، وخرجنا للمكان اللي إرنستو حدده في الرسالة.
كان المكان عبارة عن محطة قطار قديمة على أطراف المدينة، اتقفلت من سنين، ومبقاش بيعدي عليها غير عدد قليل من الناس.
وصلنا قبل الساعة عشرة بدقايق.
وقفنا جنب الرصيف المهجور، وأنا كل شوية أبص في ساعتي وأتساءل إذا كان الراجل ده هيظهر فعلًا ولا لأ.
ولما الساعة بقت عشرة بالظبط، ظهر راجل كبير في السن، لابس معطف بني، وماسك عصاية خشب.
قرب مننا ببطء، ولما وقف قدامي، فضل يبصلي فترة طويلة.
وبعدين قال:
— إنت شبه جدك أكتر ما تتخيل.
رديت بحدة:
— أنا مش جاي أسمع مجاملات. أنا عايز أعرف ليه اسمي اتحط في اتفاق مالي، وليه أبويا رماني على الطريق من عشرين سنة.
إرنستو هز راسه وقال:
— معاك حق. وأنا مش هطلب منك تصدقني من غير دليل.
فتح حقيبته وطلع منها ظرف أبيض، وحطه في إيدي.
— ده خطاب كتبه جدك قبل وفاته بيوم واحد. أنا احتفظت بيه لأن أبوك طلب مني أتخلص منه، لكني مقدرتش.
فتحت الظرف، ولقيت الخطاب مكتوب بخط جدي.
«إلى حفيدي الأكبر،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الحقيقة وصلت لك متأخر، ويمكن تكون خسرت سنين طويلة بعيد عن بيتك.
أنا عارف إن فيه ناس هتحاول تقنعك إنك كنت السبب في المشاكل اللي حصلت في العيلة، لكن متصدقش الكلام ده.
إنت كنت طفل، ومفيش طفل يستحق إنه يتعاقب على أخطاء الكبار.
قبل وفاتي، اكتشفت إن بعض المستندات الخاصة بالمزرعة اتغيّرت، وإن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير إذني.
لكن المشكلة الحقيقية مش الفلوس.
المشكلة إن الشخص اللي اكتشفت تورطه كان مستعد يضحّي بأقرب الناس ليه علشان يحافظ على مكانته.
حاولت أواجهه، لكني اكتشفت إن المواجهة لوحدها مش كفاية.
علشان كده، طلبت من إرنستو يحتفظ بنسخة من التقرير الأصلي، لحد ما ييجي اليوم اللي تقدر فيه تعرف الحقيقة بنفسك».
وقفت عن القراءة، ورفعت عيني لإرنستو.
— مين الشخص اللي جدي بيتكلم عنه؟
إرنستو بص لأخويا، وبعدها رجع بصلي.
وقال:
— الشخص ده هو والدك.
حسيت بغضب شديد.
— إنت عندك دليل على الكلام ده؟
إرنستو أخرج ورقة من حقيبته.
— عندي نسخة من التقرير الأصلي، وعندي كمان خطاب تاني يوضح ليه أبوك قرر يبعدك عن البيت في نفس اليوم اللي اختفت فيه المستندات.
أخويا قرب منه وسأله:
— طب ليه عمك كان موجود في كل الصور؟ وليه اسمه مرتبط بالتحويلات المالية؟
إرنستو رد:
— لأن عمكم إستيبان كان مسؤول عن جزء من الحسابات، لكنه اكتشف إن فيه عمليات مالية اتسجلت بأرقام غير صحيحة. ولما حاول يواجه أخوه، اتهمه أبوكم بسرقة الأموال، وهدده بإنه هيبلغ عنه.
سألته:
— يعني عمي كان بريء؟
إرنستو اتردد قبل ما يجاوب.
— مش هقدر أقول إنه بريء تمامًا. إستيبان كان عنده أخطاء هو كمان، لكنه مكنش الشخص اللي زور توقيع جدكم على المستندات الرئيسية.
وبعدين أشار للورقة اللي في إيدي.
— ركز على التاريخ المكتوب تحت التوقيع. ده اليوم اللي جدك اكتشف فيه إن فيه مستندات مزورة، وده نفس اليوم اللي أبوك بدأ فيه يحاول يسيطر على كل الأوراق.
أخدت الورقة وراجعت التاريخ.
كان فعلًا نفس تاريخ اليوم اللي أبويا رماني فيه على الطريق.
لكن لسه فيه سؤال واحد مكنتش قادر أتجاوزه.
— ليه أنا بالذات؟ ليه اختارني أنا علشان يبعدني؟!
إرنستو تنهد وقال:
— لأنك دخلت مكتبه بالصدفة، وشفت مستند كان المفروض محدش يشوفه. المستند ده كان فيه توقيع مزور، وإنت سألت أبوك عن سبب وجود اسمك عليه.
افتكرت اللحظة دي بوضوح.
كنت دخلت المكتب أدور على كتاب الرسم بتاعي، ولقيت ورقة عليها اسمي وتوقيع مش فاهم معناه.
ساعتها سألت أبويا إذا كان بيكتب اسمي على الورق ليه، لكنه اتعصب وطردني من المكتب.
إرنستو كمل:
— أبوك خاف إنك تكون حفظت تفاصيل الورقة أو حكيت عنها لجدك. فقرر يبعدك عن البيت، ويقول لباقي العيلة إنك عملت مشكلة كبيرة وإنك مش عايز تعيش معاهم.
أخويا بصلي بحزن.
— علشان كده كان بيقول لنا إنك مشيت بإرادتك!
إرنستو هز راسه.
— بالضبط. لكنه ارتكب غلطة واحدة. افتكر إن إبعادك هيخلي كل الأدلة تختفي، لكنه نسي إن جدك كان محتفظ بنسخة من كل مستند مهم.
سألته:
— طيب النسخة الأصلية فين؟
إرنستو بص في ساعته، وبعدها قال:
— مش معايا. أنا سلمتها لشخص موثوق من سنين، واتفقت معاه إنه ميسلمهاش لأي حد غير لما تظهر رسالة معينة.
— رسالة إيه؟
إرنستو طلع موبايله ووراني صورة لخطاب قصير.
كان مكتوب فيه:
«لو رجع الابن الأكبر يسأل عن الحقيقة، سلّموه التقرير الأصلي، ومعاه المستند اللي يثبت إن قرار إبعاده عن البيت اتاخد لحماية مصالح مالية، مش بسبب أي خطأ ارتكبه».
وتحت الخطاب كان فيه توقيع جدي.
لكن المفاجأة إن التوقيع كان مختلف شوية عن التوقيع اللي على الورق الموجود في الدفتر الأزرق.
إرنستو لاحظ إني مركز في التوقيع، فقال:
— خد بالك من الفرق ده. التقرير الأصلي فيه توقيع جدك الحقيقي، أما المستندات اللي اتستخدمت ضد عمك، فالتوقيع اللي عليها مش مطابق.
أخويا سأله:
— وإيه اللي حصل بعد كده؟ ليه سكت كل السنين دي؟
إرنستو نزل عينيه وقال:
— لأن أبوكم هددني وقتها إنه هيورطني في قضية تزوير لو اتكلمت. وأنا كنت خايف على عيلتي، فاخترت الصمت. وده كان أكبر غلط عملته في حياتي.
وبعدين مد إيده وصافحني.
— أنا مش بطلب منك تسامحني، لكن أتمنى إنك تكمل اللي جدك بدأه.
قبل ما أقدر أرد، موبايل أخويا رن.
كان رقم أمي.
رد بسرعة، وسمعنا صوتها وهي بتتكلم بانفعال:
— ارجعوا البيت فورًا! أبوكم هنا، ومعاه اتنين من المحامين، وبيقول إنكم سرقتوا مستندات من المزرعة!
بصيت لإرنستو بصدمة.
لكنه مظهرش عليه أي استغراب.
قال بهدوء:
— كنت متوقع إنه هيتحرك بسرعة لما يعرف إنكم وصلتوا لي.
سألته:
— إنت عارف هو رايح يعمل إيه؟
رد:
— هو عايز يستعيد الدفتر الأزرق قبل ما حد يقدر يثبت إن المستندات اللي فيه اتزوّرت. لكن فيه حاجة هو لسه ميعرفهاش.
— إيه هي؟
إرنستو ابتسم ابتسامة صغيرة، وطلع من جيبه مفتاح نحاسي قديم.
— الدفتر الأزرق مش هو الدليل الأخير. جدك كان عامل نسخة تانية من السجلات، وخباها في مكان محدش فكر يدور فيه.
أخويا سأله:
— فين المكان ده؟
إرنستو بصلي وقال:
— في بيت جدك القديم، جوه الساعة الكبيرة اللي كانت واقفة في الصالة.
افتكرت الساعة فورًا.
كانت ساعة خشب ضخمة، واقفة في ركن الصالة، وجدّي كان دايمًا يمنعنا نلمسها.
لكن إرنستو كمل كلامه، والجملة اللي قالها بعد كده خلتني أحس إننا لسه في بداية الطريق:
— بس لما تفتح الساعة، هتلاقي معاها رسالة مكتوبة بخط أبوك نفسه… رسالة تثبت إنه كان عارف مين زور التوقيع من البداية، وإنه خبّى الحقيقة عنكم علشان يحمي شخص تاني، مش علشان يحمي نفسه بس!
بصيت لأخويا، وهو بصلي بنفس الذهول.
مين الشخص التاني اللي أبويا كان بيحميه؟
وليه مستعد يسيب ابنه يتحرم من عيلته عشرين سنة كاملة علشان يحافظ على سره؟
رجعنا ناحية العربية، لكن قبل ما نركب، إرنستو ناداني.
— استنى! فيه حاجة لازم أقولها لك قبل ما تمشي.
لفيت ناحيته.
قرب مني وقال بصوت منخفض:
— أمك مش عارفة كل الحقيقة. فيه قرار اتاخد في المستشفى ليلة وفاة جدك، والقرار ده مرتبط بالسبب اللي خلا أبوك يبعدك عن البيت. ولو عرفت مين اللي اتخذ القرار، هتفهم ليه أمك فضلت ساكتة كل السنين دي.
وبعدين حط المفتاح النحاسي في إيدي، وقال:
— روح بيت جدك، وافتح الساعة… لكن مهما لقيت جواها، متواجهش أبوك قبل ما تقرأ الرسالة للآخر.
ركبنا العربية وانطلقنا ناحية بيت جدي القديم.
مكنتش أعرف إن الساعات اللي جاية هتكشف سر أكبر بكتير من حكاية الأموال والتزوير.
لأن الرسالة اللي كانت مستخبية جوه الساعة، كان فيها اعتراف بخط إيد أبويا… اعتراف لوحده كفيل إنه يقلب تاريخ عيلتنا كلها!
يتبع… 😱
وصلنا بيت جدي قبل المغرب بشوية، وكان المكان هادي بشكل غريب. البوابة القديمة كانت مفتوحة، والحديقة اللي كنت بلعب فيها وأنا صغير بقت مليانة حشائش طويلة.
أخويا بصلي وقال:
— عمري ما تخيلت إننا هنرجع هنا علشان نفتش عن أسرار عيلتنا.
رديت عليه وأنا بفتح الباب:
— وأنا عمري ما تخيلت إن البيت اللي اتربيت فيه هيكون فيه إجابات عن عشرين سنة من عمري ضاعوا مني.
دخلنا الصالة، وأول حاجة وقعت عليها عيني كانت الساعة الخشبية الكبيرة.
كانت واقفة في مكانها، زي ما افتكرتها بالظبط، وعقاربها متوقفة عند الساعة الحداشر وعشر دقايق.
قربت منها، ومسحت التراب عن وشها، وفتحت الغطاء الأمامي.
جواها كانت التروس القديمة متوقفة، لكن مفيش أي حاجة واضحة تدل على وجود درج سري.
أخويا قال:
— يمكن إرنستو غلطان. مفيش حاجة هنا.
لكن أنا افتكرت المفتاح النحاسي اللي ادّاهولي.
بصيت خلف الساعة، ولقيت فتحة صغيرة في الخشب، مستخبية تحت قطعة زخرفة.
دخلت المفتاح ولفيته.
سمعنا صوت طقطقة، وبعدها جزء صغير من قاعدة الساعة اتحرك.
ظهر درج ضيق، جواه ظرف أسود ومفتاح تاني أصغر منه.
أخدت الظرف وفتحته بحذر.
كان جواه خطاب مكتوب بخط أبويا، وتاريخه راجع لليلة وفاة جدي.
بدأت أقرأ بصوت مسموع:
«أنا عارف إن اللي بعمله غلط، لكن مفيش قدامي اختيار تاني.
لو المستندات دي ظهرت، مش هخسر المزرعة بس، ده كمان شخص بريء هيتحاسب على جريمة معملهاش.
حاولت أقنع أبي إنه يغير قراره، لكنه رفض يسمعني. وقال إن الحقيقة لازم تظهر مهما كانت العواقب.
أنا مش قادر أسمح بده يحصل.
علشان كده، قررت أتصرف قبل ما المحامي يوصل».
وقفت عن القراءة.
أخويا بصلي بصدمة.
— هو يقصد إيه بشخص بريء؟ ومين المحامي اللي كان جاي؟
قلبت الورقة، ولقيت تكملة الخطاب.
«الولد الكبير شاف المستندات، وممكن يكون فاكر تفاصيل منها. لو اتكلم مع جده، كل حاجة هتنهار.
هضطر أبعده عن البيت، ولو لفترة قصيرة، لحد ما أقدر أسيطر على الوضع».
حسيت بغضب شديد.
أبويا كان كاتب الكلام ده قبل ما يرميّني على الطريق!
يعني اللي حصل مكنش لحظة غضب، ولا عقاب اتاخد فجأة.
كان قرار متخطط له من قبلها.
لكن في آخر الخطاب، كانت فيه جملة مكتوبة بقلم مختلف، وكأن أبويا رجع وأضافها بعد فترة:
«أنا ماكنتش أعرف إنهم هيسيبوه في الرعاية البديلة، ولا إن السنين هتعدي بالشكل ده».
بصيت لأخويا وقلت:
— هو بيحاول يقول إنه مكنش متوقع إني أبعد عنه كل السنين دي.
أخويا رد بحزن:
— حتى لو ده صحيح، هو اللي بدأ كل حاجة. كان يقدر يرجعك، لكنه مارجعكش.
مكنتش قادر أختلف معاه.
في اللحظة دي، لاحظت إن الظرف لسه فيه ورقة تانية مطوية في قاعه.
فتحتها، ولقيت نسخة من مستند رسمي عليه توقيع جدي.
كان المستند عبارة عن قرار بتجميد إدارة المزرعة مؤقتًا، لحد ما يتم التحقيق في الحسابات المالية.
لكن المفاجأة كانت في تاريخ القرار.
كان متسجل قبل وفاة جدي بيوم واحد.
وتحت القرار، كان فيه توقيع شخصين: جدي، وشخص تاني بصفته شاهدًا.
الشاهد كان أمي!
أخويا قرب من الورقة، وقال:
— يعني ماما كانت عارفة إن جدي قرر يوقف إدارة المزرعة قبل ما يموت؟
قلتله:
— لازم نسألها. واضح إن فيه حاجات كتير لسه مخبياها.
حطيت الأوراق في الظرف، وأخدت المفتاح الصغير، وبدأت أدور في قاعدة الساعة.
لقيت فتحة تانية، لكنها كانت مختلفة عن الأولى.
دخلت المفتاح ولفيته، فانفتح جزء من الخشب، وظهر تجويف صغير جواه شريط تسجيل قديم.
أخويا رفع الشريط وقال: