لقيت رسالة علي تليفون جوزي حكايات زيزي
العلبة اللي اديتهالها؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدها أخرج من جيبه ورقة مطوية.
العلبة دي كان فيها خاتم قديم لقيناه في البيت. ميا ساعدتني أعرف حكايته، والخاتم ده هو اللي خلانا نوصل لحقيقة مهمة.
فتحت عيني بدهشة.
خاتم؟ يعني إيه حكايته؟
مايكل بص لي طويلًا، وبعدها قال
الخاتم كان عليه نقش باسم والدتي، وتاريخ يرجع لأكتر من خمسين سنة. ولما ميا فحصت الأوراق والصور القديمة، اكتشفنا إن فيه شخص من العيلة كان ليه حق في البيت، لكن اسمه اختفى من المستندات من زمان.
حسيت إن القصة أكبر مما توقعت.
مديت إيدي ناحية الورقة اللي معاه، لكنه ما سلّمهاليش فورًا.
قال
فيه حاجة لازم أوريهالك الأول. بكرة الصبح، هاخدك للمكان اللي في الصورة. هناك هتفهمي ليه كنت مصرّ إني أتأكد من كل حاجة قبل ما أحكيلك.
سألته بقلق
وإيه اللي ممكن نلاقيه هناك؟
بص ناحية الصورة القديمة، وبعدين رجع بص لي.
مش عارف يا كلير. لكن فيه اسم ظهر في الأوراق، ولما شفته، افتكرت حكاية كانت أمي بتحكيهالي وأنا طفل. حكاية كنت فاكرها مجرد ذكرى قديمة، لحد ما لقيت دليل يثبت إنها حصلت فعلًا.
سكت لحظات، وبعدها أضاف
والمشكلة إن الشخص اللي اسمه ظهر في الأوراق ممكن يكون أقرب لينا مما تتخيلي.
في اللحظة دي، حسيت ببرودة تسري في جسمي.
لأن الاسم اللي كان مكتوب في آخر المستند، واللي مايكل كان بيحاول يخبيه عني طول الفترة اللي فاتت، كان نفس اسم عيلتي قبل الجواز!
يتبع...
بصيت لمايكل وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
استنى يا مايكل... إنت بتقول إن اسم عيلتي كان موجود في أوراق بيت والدك؟ إزاي؟ وإنت عمرك ما حكيتلي عن أي علاقة بين عيلتنا وعيلتك قبل الجواز!
مايكل حرّك راسه ببطء وقال
علشان أنا نفسي ما كنتش أعرف يا كلير. أنا اكتشفت الموضوع بالصدفة، ولما بدأت أبحث، لقيت إن فيه حاجات كتير اتنسيت أو اتخبّت مع مرور السنين.
قمت من مكاني، ومشيت ناحية الشباك.
كنت بحاول أرتب أفكاري، لكن كل سؤال كانت إجابته بتفتح قدامه عشرة أسئلة تانية.
بعد 29 سنة جواز، إزاي ممكن نكتشف إن فيه سر قديم بيربط عيلتنا بعيلة مايكل؟
وليه السر ده ظهر دلوقتي بالذات؟
لفيت له وقلت
أنا عايزة أعرف كل حاجة، ومش عايزة أسرار تاني. لو فيه حاجة تخصني، من حقي أعرفها.
مايكل قام من مكانه، ووقف قدامي.
عندك حق. وأنا أوعدك إنك من اللحظة دي مش هتفضلي بره أي حاجة بتحصل.
بصيت له بجدية.
مش عايزة وعود يا مايكل. عايزة الحقيقة.
هز راسه وقال
بكرة هتعرفيها كلها.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري ولبست، وحطيت الصورة والمفتاح في شنطتي.
مايكل كان مستنيني عند باب البيت، ولما شافني، فتح لي باب العربية من غير ما يتكلم.
طول الطريق، كان ساكت، وكل شوية يبص للمراية كأنه بيراجع في دماغه الكلام اللي هيقوله.
بعد حوالي أربعين دقيقة، دخلنا شارع قديم مليان بيوت تاريخية، بعضها اتجدد، وبعضها لسه محتفظ بشكله الأصلي.
وقف مايكل قدام بيت من طابقين.
نفس البيت اللي كان في الصورة بالظبط.
الباب الخشبي الأخضر كان لسه موجود، والحديقة الصغيرة بقت مليانة نباتات برية، لكن لوحة الرقم المعدني كانت زي ما هي.
نزلت من العربية، وبصيت للمكان.
هو ده؟
مايكل أخرج المفتاح من إيدي، وقرّبه من القفل.
لفّه مرة، لكن الباب ما اتفتحش.
جرّب مرة تانية، وبعدها سمعنا صوت حركة من جوه.
الباب اتفتح ببطء، وظهرت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض، وملامحها متعبة، لكنها أول ما شافت مايكل، عينيها اتملت بالدموع.
قالت بصوت مرتعش
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي... بس ما كنتش متخيلة إني هكون لسه عايشة لحد ما أشوفه.
مايكل وقف مكانه، وكأنه اتفاجئ بوجودها.
إنتِ عارفة أنا مين؟
الست بصت له طويلًا، وبعدها قالت
طبعًا عارفة. إنت ابن إدوارد... وأنا مستنياك من سنين.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما الست نقلت نظرها من مايكل ليا.
فضلت تبص في وشي، وكأنها بتحاول تتأكد من حاجة.
وبعدين رفعت إيدها ناحية صدرها وهمست
يا إلهي... إنتِ كلير؟
هزيت راسي ببطء.
أيوه، أنا كلير. حضرتك تعرفيني؟
الست حطت إيدها على بُقها، وبدأت دموعها تنزل.
كنت صغيرة جدًا لما شوفت صورتك أول مرة... لكن ملامحك هي هي. نفس العيون، ونفس الابتسامة اللي كانت عند أمك.
اتجمدت مكاني.
أمي؟ إنتِ تعرفي أمي؟
الست فتحت الباب على آخره، وأشارت لنا ندخل.
ادخلوا. فيه حكاية لازم تعرفوها، وحان الوقت إن السر ده يخلص.
دخلنا الصالة، وكانت مليانة صور قديمة وأثاث خشبي عتيق.
على الحيطة، كانت فيه صورة كبيرة لأسرة مكوّنة من رجل وست وطفلتين صغيرتين.
قربت من الصورة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
الست وقفت جنبي وسألتني
تعرفي مين دول؟
بصيت للصورة، وبعدها أشرت للست اللي فيها.
دي أمي... أنا متأكدة إن دي أمي، رغم إن الصورة قديمة جدًا!
الست أغمضت عينيها للحظة، وقالت
أيوه يا بنتي. دي أمك، ودي أختها الصغيرة، اللي اختفت من حياتها من أكتر من خمسين سنة.
لفيت ناحيتها بسرعة.
أختها؟ أمي ما كانش عندها أخت! طول عمرها كانت بتقول إنها وحيدة!
الست سحبت كرسي وقعدت، وبعدها أشارت لنا نقعد قدامها.
أمك ما كانتش وحيدة. كان عندها أخت اسمها إليانور، وكانوا بيحبوا بعض جدًا. لكن حصلت مشكلة كبيرة بين الكبار في العيلة، واتفرّقوا وهما لسه أطفال.
مايكل بص لها بدهشة.
وإيه علاقة بيتنا القديم بالقصة دي؟
الست راحت ناحية درج خشبي، وطلعت منه صندوق صغير.
فتحته بمفتاح مختلف، وأخرجت منه مجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
حطتهم على الترابيزة وقالت
البيت ده كان ملك جدكم من الناحيتين، وكان المفروض يفضل مكان يجمع العيلة كلها. لكن بعد خلاف قديم، اتقسمت الممتلكات، وكل فرع من العيلة عاش بعيد عن التاني.
وبعدين بصت لي مباشرة.
أمك فضلت طول عمرها فاكرة إن أختها ماتت، لكن الحقيقة إن إليانور عاشت في مدينة تانية، وحاولت توصل لها أكتر من مرة.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
طب ليه ما وصلتلهاش؟
الست مدت إيدها ناحية الخطابات، وطلعت جوابًا أصفر قديمًا.
علشان فيه حد كان بيمنع الرسايل توصل. والجواب ده هو الدليل.
فتحت الخطاب بحذر، وبدأت أقرأ أول سطر.
كان مكتوب
إلى أختي الحبيبة... لو وصل لكِ خطابي ده يومًا، اعرفي إني عمري ما نسيتك، وإن البيت اللي اتربينا فيه لسه مستني اليوم اللي نرجع فيه لبعض.
لكن قبل ما أكمل، لاحظت إن الخطاب فيه صفحة ناقصة.
رفعت عيني للست وسألتها
فين باقي الجواب؟
وشها اتغيّر، وبصت لمايكل، وبعدها رجعت بصت لي.
الصفحة الأخيرة اختفت من سنين. لكن من أسبوعين، ميا اتصلت بيا وقالت إنها لقت مستندًا ممكن يكشف مين اللي أخفى الخطابات، وليه البيت اتنقل من اسم صاحبه الأصلي.
مايكل اتقدم ناحية الترابيزة.
وإيه المستند ده؟
الست فتحت الصندوق مرة تانية، وأخرجت ورقة عليها ختم رسمي قديم.
ولما حطتها قدامنا، شفت اسمي مكتوبًا في منتصف الصفحة، وتحته جملة واحدة قلبت كل اللي فهمته لحد اللحظة دي
المستفيدة الشرعية من ملكية المنزل هي كلير... بشرط العثور على الرسالة الأصلية المفقودة.
بصيت لمايكل بصدمة.
لكن الست الكبيرة قالت بسرعة
استنوا، دي مش المفاجأة كلها. لأن الرسالة الأصلية مش عندي، ومش عند ميا... الرسالة دي اتسلّمت من سنين لشخص واحد بس، والشخص ده لسه عايش!
وبعدين مدت إيدها للصورة القديمة، وقلبتها على ضهرها.
كان فيه اسم مكتوب بخط إيد أمي.
اسم عمري ما سمعته منها قبل كده.
ولما قرأته بصوت عالي، الست الكبيرة وقفت فجأة وقالت مستحيل... إنتِ لازم تعرفي مين الشخص ده قبل ما يفوت الأوان!
يتبع...
بصيت للاسم المكتوب على ضهر الصورة، وفضلت أكرره في سري كذا مرة.
كان الاسم توماس ريد.
رفعت عيني للست الكبيرة وسألتها
مين توماس ريد؟ أنا عمري ما سمعت الاسم ده من أمي!
الست قعدت ببطء، وإيديها كانت بتترعش وهي بتمسك طرف الطرحة اللي على كتفها.
توماس كان محامي العيلة من سنين طويلة. هو اللي أشرف على تقسيم الممتلكات بعد الخلاف اللي حصل بين جدك وجدتك. وكان آخر شخص استلم الخطاب الأصلي قبل ما يختفي.
مايكل قرب من الترابيزة وسألها
تعرفي إذا كان لسه عايش؟
ردت الست
أيوه، هو عايش. لكنه ساب شغله من سنين، وانتقل لبلدة صغيرة بعيد عن هنا. وآخر مرة سمعت عنه كانت من حوالي خمس سنين.
بصيت لمايكل وقلت
يعني إحنا محتاجين نلاقي راجل عنده دلوقتي غالبًا أكتر من تمانين سنة، علشان نفهم إيه اللي حصل لعيلتي؟
مايكل هز راسه.
مش هنرجع من غير ما نعرف الحقيقة يا كلير.
لكن قبل ما نتحرك، الست الكبيرة طلبت مننا نستنى شوية.
دخلت أوضة جانبية، ورجعت بعد دقائق ومعاها دفتر جلدي قديم.
حطته قدامي وقالت
ده دفتر إليانور، أخت أمك. كانت بتكتب فيه كل حاجة بتحصل معاها. لو قريتيه، هتفهمي ليه كانت مصممة ترجع لأختها مهما حصل.
فتحت الدفتر بحذر.
أول الصفحات كانت فيها ذكريات عادية عن طفولتها، وعن الحديقة اللي كانوا بيلعبوا فيها، وعن أمهم اللي كانت بتعمل لهم الكعك كل يوم جمعة.
لكن بعد كام صفحة، بدأت نبرة الكلام تتغير.
كان فيه سطر مكتوب بحبر باهت
اليوم عرفت إن أختي مش هتقدر ترجع البيت. قالوا لي إنها سافرت، وإنها مش عايزة تشوفني تاني. لكني مش مصدقة. أنا عارفة كلير الصغيرة... مستحيل تنساني بإرادتها.
وقفت عند الجملة دي.
كلير الصغيرة؟
أنا اسمي كلير، لكن الكلام ده كان مكتوب قبل ما أتولد بسنين طويلة!
قلبت الصفحة بسرعة، ولقيت توضيحًا مكتوبًا تحتها
كلير الصغيرة هي أختي، اللي كانت أمي بتناديها بالاسم ده علشان كانت أصغر واحدة في البيت.
شهقت من المفاجأة.
الست الكبيرة قربت مني وقالت
أيوه، أمك كان اسمها كلير برضه. وإنتِ اتسميتي على اسمها.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أمي كانت نادرًا ما تحكي عن طفولتها، وكل ما أسألها عن عيلتها، كانت تغيّر الموضوع وتقول إن الماضي خلص.
دلوقتي بس بدأت أفهم إن سكوتها يمكن ما كانش لأنها نسيت، لكن لأنها كانت موجوعة من حاجة عمرها ما قدرت تتكلم عنها.
في اليوم التالي، بدأنا ندور على عنوان توماس ريد.
ميا ساعدتنا من خلال المستندات اللي كانت جمعتها، وبعد ساعات من البحث، وصلنا لعنوان في بلدة هادية على بُعد ساعتين من بيتنا.
طول الطريق، كنت بفكر في أمي.
توفيت من ست سنين، ومن يومها وأنا حاسة إن فيه أسئلة كتير ما لحقتش أسألها إياها.
كنت أتمنى لو كانت معايا دلوقتي، علشان أسألها بنفسى ليه أخفت عني الحكاية دي.
لما وصلنا، لقينا بيتًا صغيرًا وسط حديقة مليانة أشجار.
خبط مايكل على الباب.
بعد لحظات، فتح لنا راجل كبير في السن، شعره أبيض، وكان مستندًا على عصا.
سألنا بحذر
أقدر أساعدكم؟
مايكل قدّم نفسه، وبعدها قلت أنا اسمي واسم أمي بالكامل.
أول ما سمع اسمها، الراجل ساب الباب بإيده، وبص لي وكأنه شاف شبحًا.
إنتِ بنت كلير؟
هزيت راسي.
دخلنا، وقعدنا في غرفة صغيرة مليانة كتب وملفات قديمة.
ما طولش في الكلام.
راح ناحية مكتبه، وفتح درجًا مقفولًا، وطلع منه ملفًا بنيًا سميكًا.
حطه قدامي وقال
أنا مستني اليوم اللي حد من عيلتكم ييجي يسأل عن الملف ده. كنت فاكر إن محدش هيهتم يعرف الحقيقة بعد كل السنين دي.
فتحت الملف، ولقيت نسخًا من مستندات ملكية البيت، وصورًا قديمة، وخطابات متبادلة بين أمي وأختها.
لكن مفيش الخطاب الأصلي.
سألته
فين الرسالة اللي كانت معاك؟ الرسالة اللي عليها الحقيقة كاملة؟
تنهد وقال
الرسالة كانت موجودة عندي فعلًا، لكن قبل ما أقدر أسلّمها لصاحبتها، حصلت مشكلة كبيرة. واحد من أقارب العيلة اعترض على تقسيم الملكية، وطلب مني أوقف الإجراءات لحد ما يتم التحقق من المستندات.
مايكل سأله
مين الشخص اللي اعترض؟
توماس فتح صفحة في الملف، وأشار لاسم مكتوب في أسفلها.
ولما قرأت الاسم، حسيت إن قلبي وقف للحظة.
كان اسم شخص من عيلتنا، شخص كنت أعرفه من طفولتي، وكنت فاكرة إنه بعيد تمامًا عن كل الحكايات القديمة دي.
رفعت عيني لتوماس وسألته
إنت متأكد إن الشخص ده كان عارف بكل اللي حصل؟
رد بحزن
عندي خطاب بخط إيده يثبت إنه كان عارف إن أخت أمك عايشة، وإن فيه مراسلات كانت بتحاول توصل لها.
سكت شوية، وبعدها فتح درجًا تاني، وطلع منه ظرفًا صغيرًا.
قال
لكن قبل ما تقري الخطاب، لازم تعرفي حاجة. الشخص ده ما أخفاش الرسالة علشان يستولي على البيت لنفسه، على الأقل ده اللي بتقوله المستندات اللي عندي.
بصيت له باستغراب.
أمال ليه عمل كده؟
توماس قرب الظرف مني، وقال بصوت منخفض
لأنه كان بيحاول يحمي شخصًا من العيلة من سر قديم، وكان فاكر إن كشف الحقيقة هيؤذيه.
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ أول سطر.
لكن قبل ما أكمل، مايكل لاحظ تاريخ الخطاب، ووشه اتغيّر.
قال بصوت متوتر
كلير... التاريخ ده هو نفس اليوم اللي والدك اختفى فيه لمدة أسبوع، وإنتِ كنتِ عندك سبع سنين!
بصيت له، وبعدها رجعت للخطاب.
وفجأة،