لقيت رسالة علي تليفون جوزي حكايات زيزي
فهمت إن القصة ما كانتش مجرد بيت قديم أو ميراث ضاع من سنين.
الخطاب كان ممكن يفسّر ليه أبويا اختفى في اليوم ده، وليه أمي رفضت تتكلم عن أختها طول حياتها... لكن الاسم المكتوب في آخر الصفحة كان اسم شخص ما كنتش أتخيل أبدًا إنه له علاقة بكل ده!
يتبع...
فضلت باصة للاسم المكتوب في آخر الخطاب، ومش قادرة أصدق اللي شايفاه.
كان اسم والدي، جورج ميلر.
إيدي بدأت تترعش، وبصيت لمايكل وأنا بحاول أستوعب.
إزاي؟ بابا كان له علاقة بكل ده؟ وليه أمي عمرها ما حكتلي أي حاجة؟
توماس ريد عدّل نظارته، وقال بهدوء
لأن والدك هو الشخص الوحيد اللي حاول يصلّح اللي حصل، لكنه للأسف اتأخر.
قربت منه وقلت
أرجوك، احكيلي كل حاجة من الأول. أنا مش هقدر أستحمل إني أكتشف سر جديد كل خمس دقايق.
هز راسه، وفتح الملف على صفحة قديمة، وبدأ يحكي.
من أكتر من خمسين سنة، كانت عيلة أمي تمتلك البيت القديم اللي شفناه، ومعاه قطعة أرض كبيرة في نفس المنطقة.
أم أمي كانت ست طيبة، لكنها كانت مريضة في آخر سنين حياتها، وكانت بتعتمد على أخوها في إدارة الممتلكات.
بعد وفاتها، حصل خلاف بين أفراد العيلة على ملكية البيت، خصوصًا إن فيه مستندات قديمة ما كانتش واضحة، وكل طرف كان فاكر إن الحق معاه.
أخت أمي، إليانور، كانت وقتها صغيرة، وما كانش عندها حد يدافع عن حقها.
وفي وسط الخلاف، اتنقلت أوراق مهمة من مكانها، واختفت خطابات كانت ممكن تثبت إن إليانور ليها حق في البيت.
أمي كانت فاكرة إن أختها سافرت بإرادتها، وإنها مش عايزة ترجع.
لكن الحقيقة إن إليانور كانت بتحاول تتواصل معاها طول الوقت.
سألت توماس
طب وبابا دخل في الموضوع إزاي؟
قال
والدك كان يعرف إليانور من خلال شغله، ولما اكتشف إن الخطابات ما وصلتش، بدأ يدور على الحقيقة. وقدر يعرف إن فيه مستندات اتخبّت عمدًا، لكنه ما قدرش يثبت مين المسؤول.
وليه ما قالش لماما؟
توماس بص لي بحزن.
لأنه كان بيحاول يوصل لأختها الأول، علشان يرجعها لأمك ويصلح العلاقة بينهم. لكنه خاف إن أي اتهام من غير دليل يسبب مشكلة أكبر للعيلة.
حسيت بدموعي بتنزل.
كنت فاكرة إن والدي كان مجرد رجل هادي بيحب أسرته، وإنه ما كانش بيخبي عننا أي حاجة مهمة.
لكن دلوقتي، اكتشفت إنه قضى جزءًا من حياته بيحاول يصلّح مشكلة ما عرفش يحكي عنها.
مايكل مسك إيدي وقال
كمّلي قراءة الخطاب يا كلير. يمكن نعرف إيه اللي حصل في اليوم اللي اختفى فيه والدك.
رجعت للورقة، وبدأت أقرأ.
إلى من يهمه الأمر...
في اليوم ده، قررت أروح لمكتب المحامي علشان أطلب نسخة من المستندات الأصلية. كنت عارف إن الوقت بيضيع، وإن كل يوم بيعدّي بيخلّي رجوع الأختين لبعض أصعب.
لكن قبل ما أوصل، اكتشفت إن فيه مستندًا جديدًا ظهر، وإن الشخص اللي كان محتفظ بيه رفض يسلّمه.
اضطريت أرجع البيت من غير ما أحقق أي تقدم.
وعدت نفسي إني مش هسيب الموضوع ينتهي قبل ما الحقيقة تظهر.
الخطاب انتهى من غير توقيع واضح.
رفعت عيني لتوماس وسألته
ده كل اللي عندك؟
هز راسه.
لأ. فيه ورقة تانية وصلتني بعد وفاة والدك بسنين، وكانت مرفقة مع مستندات البيت. ما فهمتش أهميتها وقتها، لكن أعتقد إنك لازم تشوفيها.
فتح الملف مرة تانية، وطلع ورقة صغيرة مكتوب فيها عنوان، وتحت العنوان جملة قصيرة
النسخة الأصلية موجودة في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
كررت الجملة بصوت واطي.
المكان اللي بدأت منه الحكاية... تقصد البيت القديم؟
توماس رد
غالبًا. لكن فيه مشكلة.
إيه هي؟
البيت اتقفل من سنين، والمفتاح اللي معاكي ممكن يفتح الباب الرئيسي بس. فيه غرفة في الطابق العلوي كانت مقفولة بمفتاح مختلف، ومحدش قدر يدخلها من وقت ما إليانور سابت البيت.
بصيت لمايكل، وافتكرت الظرف اللي لقيناه في مكتبنا، والمفتاح القديم اللي كان جواه.
طلّعته من شنطتي وحطيته قدام توماس.
هو ده المفتاح اللي لقيته مع الصورة.
توماس مسكه، وقلّبه بين صوابعه، وبعدها رفع عينيه ليا بدهشة.
المفتاح ده مش بتاع الباب الرئيسي. ده مفتاح الغرفة المقفولة!
مايكل وقف من مكانه.
يبقى لازم نرجع البيت دلوقتي.
لكن قبل ما نتحرك، توماس طلب مننا نستنى.
دخل غرفته، ورجع ومعاه صورة صغيرة لرجل واقف قدام البيت القديم، وفي إيده ملف أوراق.
ناولني الصورة وقال
بصي كويس للرجل اللي واقف جنب والدك.
قربت الصورة من عيني.
كان والدي واقفًا جنب رجل تاني، وفي إيده مستند عليه ختم واضح.
لكن اللي لفت نظري أكتر هو الست اللي كانت واقفة في الخلفية.
كانت أمي.
وكانت شايلة طفلة صغيرة على إيديها.
أنا!
الصورة كانت متصورة قبل ما أتم سبع سنين، في الفترة نفسها اللي اختفى فيها والدي لمدة أسبوع.
قلبت الصورة، ولقيت تاريخًا مكتوبًا على ظهرها.
كان نفس تاريخ الخطاب.
فجأة، بدأت أفتكر ذكرى قديمة جدًا.
كنت طفلة، وكنت قاعدة في عربية والدي، وهو بيقول لي إنه هياخدني في مشوار صغير، وإنه لازم أوعده إني ما أقولش لماما على المفاجأة.
وقتها ما فهمتش هو كان يقصد إيه.
لكن دلوقتي، بدأت أفتكر إننا وقفنا قدام البيت الأخضر، وإن والدي نزل لوحده، وطلب مني أستناه في العربية.
فضلت قاعدة جوه العربية، لحد ما رجع وهو شايل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
ولما سألته فيه إيه، ابتسم وقال لي
دي حاجة هتخلي ناس كتير ترجع تفرح تاني يا حبيبتي.
عمري ما نسيت الجملة دي، لكني ما كنتش فاهمة معناها.
بصيت لمايكل وقلت بصوت مرتعش
أنا فاكرة الصندوق ده... أنا شفته بعيني وأنا صغيرة!
مايكل قرب مني.
إنتِ متأكدة؟
هزيت راسي.
أيوه. بابا خرج من البيت بالصندوق، وبعدها رجعني البيت، ومن اليوم ده اختفى لمدة أسبوع.
توماس اتنهد وقال
يبقى الصندوق ممكن يكون هو اللي فيه المستندات الأصلية.
سألته
بس فين الصندوق دلوقتي؟
ما ردش.
لأنه في اللحظة دي، موبايل مايكل رن.
كانت ميا.
رد عليها، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها وشه شحب.
قفل المكالمة وبص لي.
كلير، لازم نتحرك فورًا. ميا كانت في البيت القديم من شوية، واكتشفت إن حد دخل الغرفة المقفولة قبلنا!
حسيت بقلبي بيدق بعنف.
مين اللي دخلها؟
مايكل بص لي، وقال
ميا ما شافتش الشخص، لكنها لقت حاجة على الأرض خلتها تتأكد إن اللي دخل الغرفة كان بيدور على الصندوق نفسه.
وبعدين مد إيده لجيبه، وطلع صورة بعتها له ميا على الموبايل.
كانت صورة لقطعة ورق صغيرة مرمية جنب باب الغرفة.
وعليها مكتوب بخط إيد والدي
لو وصلت لهنا يا كلير، يبقى الحقيقة بقت في إيدك... لكن أوعي تثقي في أول شخص يقول لك إنه عارف الحكاية كاملة.
بصيت لمايكل، وبعدها لتوماس.
لأول مرة، بدأت أشك إن حد فيهم ممكن يكون عارف أكتر بكتير مما بيقوله.
يتبع...
رجعت بصيت للورقة اللي فيها كلام بابا، وحسيت إن كل حاجة حواليا بقت غريبة.
أوعي تثقي في أول شخص يقول لك إنه عارف الحكاية كاملة.
الجملة دي كانت مكتوبة بخط إيده فعلًا، الخط اللي كنت بشوفه على كروت أعياد ميلادي وأنا صغيرة.
لكن السؤال اللي خوّفني كان بابا كان بيحذرني من مين؟
توماس؟ ولا مايكل؟ ولا شخص تالت لسه ما ظهرش في الحكاية؟
لمّيت حاجتي بسرعة وقلت
لازم نرجع البيت القديم. مش هفضل قاعدة هنا وأنا مش فاهمة حاجة.
مايكل وافقني، لكن قبل ما نخرج، توماس وقف قدامنا وقال
استنوا لحظة. فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما تروحوا.
بصيت له بقلق.
إيه تاني؟
فتح الملف اللي قدامه، وطلع صورة مختلفة عن الصور اللي شوفناها قبل كده.
كانت صورة لوالدي وهو واقف قدام البيت الأخضر، لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان معاه رجل تاني، أكبر منه في السن، وبيسلمه صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
أول ما شفت الصورة، افتكرت الصندوق اللي كنت شفته وأنا طفلة.
سألت توماس
مين الراجل ده؟
رد بعد تردد
ده إدوارد، والد مايكل.
لفيت ناحية جوزي بصدمة.
أبوك كان يعرف بابا؟
مايكل قرب من الصورة، وفضل يبص لها من غير كلام.
وبعد لحظات قال
أنا عمري ما شفت الصورة دي قبل كده. أبويا مات وأنا لسه صغير، وما حكاليش أي حاجة عن البيت ده.
توماس حط الصورة على الترابيزة وقال
والد مايكل ووالدك كانوا بيحاولوا يصلّحوا الخلاف بين الأختين. لكن قبل ما يقدروا يرجعوا المستندات لأصحابها، حصلت مشكلة، والصندوق اختفى.
سألته
وإيه المشكلة دي؟
هز راسه بأسف.
دي بالضبط الحاجة اللي ما قدرتش أوصل لحقيقتها. كل اللي أعرفه إن إدوارد سلّم الصندوق لوالدك، وبعدها الأوراق اختفت.
بصيت لمايكل.
كان واضح إنه مصدوم زيي، لكني ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في الجملة اللي كتبها بابا.
يمكن مايكل فعلًا ما كانش يعرف حاجة.
ويمكن كان فيه شخص تاني بيحاول يضللنا.
بعد حوالي ساعتين، وصلنا للبيت القديم.
ميا كانت مستنيانا عند الباب، ومعاها حقيبة مليانة ملفات.
كانت الست اللي شفتها مع مايكل قدام الفندق، لكن لما قابلتها المرة دي، لاحظت إنها مختلفة تمامًا عن الصورة اللي رسمتها في دماغي.
استقبلتنا بهدوء وقالت
أنا آسفة إن كل حاجة ظهرت بالطريقة دي. كنت عارفة إن الموضوع هيكون صعب، لكن ما توقعتش إننا هنكتشف كل الأسرار دي في يومين.
بصيت لها وسألتها مباشرة
ممكن أفهم إنتِ مين بالضبط؟ وليه كل المستندات دي معاكي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
أنا ميا هاريس، محامية متخصصة في الممتلكات القديمة. مايكل كلمني من سنة ونص علشان يساعد عيلته في مراجعة أوراق ملكية البيت. ومع الوقت، اكتشفنا إن فيه مستندات ناقصة، وإن الموضوع مرتبط بعيلتك إنتِ كمان.
سألتها
طب والرسالة اللي بعتها لمايكل؟ اللي بتقول فيها إن اللي حصل امبارح بالليل كان لا يُنسى؟
ميا فتحت عينيها باستغراب.
الرسالة دي؟ أنا كنت بتكلم عن اكتشافنا للمستند الأصلي اللي كنا بندور عليه في أرشيف المحكمة. قضينا ساعات طويلة بنراجع الملفات، ولما لقيناه، ما قدرتش أصدق إننا أخيرًا وصلنا له!
سكتت لحظة، وبعدها أضافت
ومايكل كان عايز يفاجئك بخبر إن البيت ممكن يرجع ملكًا لعيلتك، علشان كده طلب مني ما أقولكيش أي حاجة قبل ما نتأكد من كل التفاصيل.
حسيت بإحراج شديد.
أنا كنت فاكرة إن مايكل بيبعد عني، وإن فيه سر بيهدد جوازنا، بينما هو كان بيحاول يحل مشكلة كبيرة من غير ما يقلقني.
لكن ده ما كانش معناه إن كل الأسئلة اتجاوبت.
قلت لميا
طيب، مين اللي دخل الغرفة المقفولة؟
ردت بجدية
مش عارفة، لكن الشخص ده ما أخدش الملفات اللي كانت على الأرض. واضح إنه كان بيدور على حاجة محددة.
طلعت مفتاح الغرفة من شنطتي.
يبقى لازم نعرف هي إيه.
طلعنا السلم الخشبي القديم، ووصلنا لباب الغرفة اللي في آخر الممر.
دخل المفتاح في القفل بسهولة.
لفيته، وسمعنا صوت طقة خفيفة.
الباب اتفتح ببطء.
الغرفة كانت مليانة صناديق قديمة وأثاث مغطى بملايات بيضا، وعلى المكتب الخشبي كان فيه درج مفتوح.
ميا قربت منه، وبصت جواه.
حد فتش المكان ده فعلًا.
على الأرض، كانت فيه أوراق مبعثرة، وعلبة خشبية فاضية.
قربت منها، ولما شفت النقش الموجود على غطاها، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
كان مكتوبًا عليها اسم والدي بالكامل.
دي كانت نفس العلبة اللي افتكرتها من طفولتي.
لكن الصندوق اللي كنت فاكرة إن بابا رجع بيه البيت كان أكبر من العلبة دي.
يعني فيه احتمال إنه نقل محتويات الصندوق لعلبة أصغر، وخبّاها في المكان ده.
بدأنا نفتش الأدراج والرفوف، لحد ما مايكل لاحظ لوحًا خشبيًا مختلفًا عن بقية الأرضية.
ركع على ركبته، ورفع اللوح بحذر.
تحته كان فيه ظرف سميك ملفوف بقماش أزرق.
طلّعه وناولني إياه.
كان مكتوبًا على الظرف
إلى ابنتي كلير... افتحي هذا الخطاب عندما تصبحين مستعدة لمعرفة الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك القماش.
جواه لقيت جوابًا طويلًا، وصورة صغيرة لأمي وهي شابة، واقفة جنب أختها إليانور.
لكن اللي خلاني أعيط من غير ما أحس، كان أول سطر في الخطاب
يا بنتي الحبيبة، لو وصل لكِ الخطاب ده، يبقى أنا ما قدرتش أحكيلك بنفسي عن الوعد اللي قطعته لأمك قبل وفاتها.
رفعت عيني لميا.
أمي كانت تعرف إن فيه سر؟
ميا هزت راسها ببطء.
من الواضح إن والدك كان بيحاول ينفذ وعدًا قديمًا.
رجعت أبص للخطاب، وكملت القراءة.
أمك كانت عارفة إن أختها عايشة، لكنها ما كانتش تعرف مكانها. وفي آخر أيام حياتها، طلبت مني أدوّر عليها، وأرجّع لها الحاجة الوحيدة اللي فضلت من بيت طفولتها.
وقفت عند الجملة دي.
الحاجة الوحيدة اللي فضلت من بيت طفولتها؟
قلّبت الصفحات، لكن الخطاب انتهى فجأة، وكأن جزءًا منه اتشال عمدًا.
وفي آخر الورقة، كان فيه سطر واحد مكتوب بحبر مختلف
الشيء اللي بتدوري عليه مش في البيت... إنه موجود عند الشخص اللي ورثه عني، من غير ما يعرف قيمته الحقيقية.
بصيت لمايكل.
وبعدين بصيت لميا.
وسألت بصوت مرتعش
مين الشخص اللي ورث حاجة من بابا؟
ميا ما ردتش فورًا.
بدل ما تجاوب، طلعت من حقيبتها