خدت بنتي حكايات زيزي
عندها عشر سنين... وفيه حاجة خطيرة بتحصل، وأنا خايفة عليها.
لكن قبل ما أقدر أشرح أكتر، سمعت صوت مايكل من ورايا
إنتِ بتكلمي مين؟
لفّيت ناحيته، والتليفون لسه على ودني.
ولأول مرة في حياتي، ما حاولتش أخبي خوفي منه، ولا حاولت أبررله أي حاجة.
قلتله
بكلم الشرطة يا مايكل.
وشه اتغيّر تمامًا.
لكن المفاجأة اللي ما كنتش مستعدة ليها، كانت لما موظف الاستقبال دخل الأوضة مسرعًا، وفي إيده ظرف قديم، وقال للدكتور ناثان
يا دكتور، الست اللي اتصلت من شوية رجعت تاني، وبتقول إن لازم تشوف والدة صوفي فورًا... وإن معاها دليل يخص نفس الموضوع!
بصّيت للدكتور بذهول.
مين الست دي؟ وإيه الدليل اللي معاها؟ وإزاي عرفت إننا هنا النهارده بالذات؟
يتبع...
الظرف القديم اللي كان في إيد موظف الاستقبال خلّى الدكتور ناثان يتغير في لحظة!
بص للظرف، وبعدها بص لمايكل، وكأنه فجأة فهم حاجة كانت غايبة عنه من أول ما دخلنا العيادة.
أما مايكل، فكان واقف في نص الأوضة، وملامحه اتبدلت من الغضب للارتباك.
قال بصوت حاد
مين الست دي؟ وإيه اللي جابها هنا؟
موظف الاستقبال رد بتردد
مش عارف يا فندم، هي رافضة تتكلم مع أي حد غير والدة الطفلة، وبتقول إن الموضوع ما ينفعش يستنى.
مدّ إيده بالظرف للدكتور، لكن مايكل اتحرك بسرعة وقال
هات الظرف ده هنا!
الدكتور ناثان سحب الظرف بعيد عنه، وقال بحزم
محدش هياخد أي حاجة من غير ما نفهم الموضوع.
في اللحظة دي، تليفوني كان لسه على ودني، وموظف الشرطة اللي بيرد عليا طلب مني أفضل في مكان آمن وما أدخلش في مواجهة مع أي حد.
بصّيت لصوفي، لقيتها بتشد في إيدي وبتهمس
ماما... هي جات فعلًا؟
اتجمدت مكاني.
نزلت لمستواها وسألتها
إنتِ تعرفي الست دي يا حبيبتي؟
صوفي ما ردتش، لكنها بصّت ناحية الظرف، وبعدها بدأت تعيط.
أنا كنت فاكرة إنها مش هتيجي تاني...
قلبي اتقبض.
مين الست اللي بنتي تعرفها؟ وليه كانت مستنياها؟ وإيه علاقتها بوجع ضرسها؟
الدكتور ناثان طلب من الممرضة تدخل الست، لكنه أكد عليها إن صوفي تفضل معايا، وإن محدش يضغط عليها علشان تتكلم.
بعد أقل من دقيقة، الباب اتفتح.
دخلت ست في أواخر الأربعينات، لابسة معطف رمادي، وماسكة شنطة جلد قديمة. كانت ملامحها متوترة، وعينيها بتتحرك بيني وبين مايكل.
أول ما شافتني، قربت مني وقالت
حضرتك والدة صوفي كارتر؟
هزّيت راسي.
طلعت صورة قديمة من شنطتها، وحطتها قدامي على المكتب.
قبل ما أقولك أي حاجة، محتاجة تشوفي الصورة دي.
مسكت الصورة بإيد مرتعشة.
كانت صورة لصوفي وهي أصغر، يمكن عندها سبع سنين، واقفة في حديقة بيتنا القديم.
لكن اللي خلاني أشهق مش وجود بنتي في الصورة...
كان فيه راجل واقف بعيد وراها، وشه ظاهر بوضوح، وإيده ماسكة ملف بني.
الراجل ده كان الدكتور ناثان نفسه!
رفعت عيني للدكتور بصدمة.
إنت تعرف بنتي من زمان؟
الدكتور أخد نفسًا عميقًا، وقال
أيوه، لكن مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها. أنا شفت صوفي قبل كده في ظروف مختلفة، وكنت فاكر إن الموضوع انتهى من سنين.
مايكل انفجر في الكلام
كفاية! كل ده تمثيل! أنا مش هسمح لحد يشوّه سمعتي قدام مراتي وبنتي!
الست ما اهتمتش بصوته، وفتحت الظرف القديم.
طلعت منه ورقتين، وحطتهم قدامي.
الأولى كانت تقريرًا طبيًا قديمًا، والتانية كانت خطابًا مكتوبًا بخط إيد.
بدأت أقرأ التقرير، وكل سطر كان بيخليني أحس إن فيه قطعة من حياتي بتتكشف قدامي بشكل مخيف.
التاريخ المكتوب على التقرير كان من تلات سنين.
وفي خانة الملاحظات، كان فيه تسجيل لإصابة في منطقة الفم، مع توصية بمتابعة الحالة والتأكد من سبب الإصابة.
لكن اللي صعقني فعلًا كان اسم الشخص المسجل باعتباره المسؤول عن اصطحاب صوفي وقتها.
مايكل كارتر.
بصّيت لجوزي، وقلت بصوت مخنوق
إيه التقرير ده يا مايكل؟ وإنت كنت واخد صوفي لدكتور إمتى من غير ما أعرف؟
مايكل حاول يخطف الورق من إيدي، لكن الست سحبته بسرعة وقالت
لأ، المرة دي مش هتقدر تخفيه!
الدكتور ناثان تدخل فورًا، وطلب من الجميع يهدوا، وأكد إن التقرير القديم لوحده مش كفاية علشان نعرف حقيقة اللي حصل، وإن لازم الجهات المختصة تراجع التفاصيل وتقارنها بالفحص الحالي.
الست هزت راسها، وبصتلي بحزن.
أنا ما جيتش هنا علشان أتهم حد من غير دليل. أنا جيت علشان فيه حاجة حصلت من تلات سنين، وساعتها محدش سمع كلامي.
سألتها وأنا مش قادرة أسيطر على رعشة صوتي
إنتِ مين؟ وإيه علاقتك ببنتي؟
سكتت لحظات، وبعدها قالت
اسمي مارثا ويلسون. كنت بشتغل في المركز الطبي اللي صوفي اتنقلت له بعد الإصابة القديمة. وقتها لاحظت تناقضات في الكلام اللي اتقال عن اللي حصل، ولما حاولت أطلب مراجعة الملف، اتقال لي إن الموضوع اتقفل.
مايكل ضحك بسخرية، لكن ضحكته كانت مهزوزة.
كلام فارغ! الست دي عندها مشكلة معايا من سنين!
مارثا فتحت شنطتها مرة تانية، وطلعت ورقة مطوية بعناية.
طيب، لو كلامي فارغ، تفسر إزاي إن فيه إفادة مكتوبة في نفس يوم الحادث، بتقول إن صوفي كانت خايفة ترجع البيت؟
حسيت إن نفسي اتقطع.
بصّيت لصوفي، ولقيتها بتغطي ودانها بإيديها، وكأنها مش قادرة تستحمل الكلام.
قربت منها ، وقلت
خلاص يا حبيبتي، محدش هيجبرك تتكلمي. أنا جنبك.
لكن مارثا قالت جملة خلتني أرفع راسي فورًا
فيه حاجة أهم من التقرير القديم... صوفي مش أول طفلة أبلغت عن خوفها في الظروف دي.
الأوضة كلها سكتت.
الدكتور ناثان بص لها بتركيز، وسألها
تقصدي إيه يا مارثا؟
مارثا بصت لمايكل، وبعدها رجعت تبصلي.
قبل ما أجي هنا، وصلني اتصال من شخص كان موجود يوم الإصابة القديمة. الشخص ده وافق أخيرًا إنه يقول اللي شافه، لكنه طلب إن الشرطة تكون موجودة قبل ما يتكلم.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات عند باب العيادة.
دخل ضابطين شرطة، ومعاهم موظف من إدارة حماية الطفل.
الضابط المسؤول طلب من الجميع يفضلوا في أماكنهم لحد ما يسمعوا أقوالهم، وأكد إن الأولوية دلوقتي هي سلامة صوفي، وإن أي استنتاج لازم يكون مبنيًا على الأدلة، مش على التخمينات.
أما مايكل، فكان واقف ساكت لأول مرة من بداية اليوم.
وفجأة، الضابط قرب منه وقال
يا أستاذ مايكل، محتاجين نتكلم معاك بخصوص تقرير طبي قديم، وبلاغ جديد اتقدم النهارده.
مايكل بصلي بنظرة عمري ما هنساها، وقال
إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه!
لكن قبل ما أرد، صوفي رفعت راسها من على كتفي، وبصت للضابط.
وقالت بصوت صغير، لكنه واضح
يا فندم... أنا فاكرة اليوم ده.
الضابط نزل لمستواها، وسألها بلطف
تقدري تحكيلنا اللي فاكره، لما تكوني مستعدة؟
صوفي بصتلي، وأنا هزّيت راسي وشجعتها إنها تتكلم براحتها.
أخدت نفسًا طويلًا، وقالت
اليوم اللي اتعورت فيه... بابا قال لي إن لو حكيت لماما، هيحصل لها حاجة وحشة.
مايكل شهق وقال بسرعة
ده مش صحيح!
لكن الضابط رفع إيده، وطلب منه ما يقاطعهاش.
صوفي كملت، وعينيها مليانة دموع
وفيه حاجة تانية... الحاجة اللي خلتني أخاف من وجع ضرسى النهارده مش الوجع نفسه.
الدكتور ناثان قرب كرسيه منها، وقال
إيه اللي فكرك باليوم القديم يا صوفي؟
صوفي فتحت بقها علشان تجاوب، لكن فجأة سكتت، وبصت لمارثا.
مارثا طلعت من شنطتها ورقة صغيرة جدًا، كانت مخبياها جوه غلاف الصورة القديمة.
وقالت للضابط
قبل ما تسمعوا بقية الكلام، لازم تشوفوا دي. لأن الورقة دي هي السبب الحقيقي اللي خلاني أرجع أدور على صوفي بعد كل السنين دي.
الضابط أخد الورقة، وفتحها ببطء.
وأول ما قرأ السطر الأول، رفع عينيه ناحية مايكل وقال
إحنا محتاجين نراجع معلومة مهمة جدًا قبل ما نكمل.
يا ترى إيه المكتوب في الورقة؟ وإيه السر اللي مارثا فضلت مخبياه تلات سنين كاملة؟
يتبع...
الضابط فضل باصص للورقة ثواني طويلة، وبعدها طلب من زميله يصوّرها ويحطها مع باقي المستندات.
وبعدين بص لمايكل وسأله
يا أستاذ مايكل، إنت تعرف اسم إليزابيث مورغان؟
أول ما مايكل سمع الاسم، وشه اتغيّر، وإيده شدت على طرف الكرسي اللي جنبه.
قال بسرعة
لأ. معرفش حد بالاسم ده!
مارثا هزّت راسها بحزن وقالت
غريبة، لأن الاسم ده مكتوب بخط إيدك في الورقة اللي إنت مضيتها بنفسك.
حسيت إني مش فاهمة حاجة.
بصّيت للضابط وسألته
ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟ مين إليزابيث دي؟ وإيه علاقتها ببنتي؟
الضابط رد بهدوء
إحنا لسه بنتحقق من المعلومات، ومش هنقدر نجزم بأي حاجة قبل ما نراجع المستندات ونسمع أقوال كل الأطراف.
لكن مارثا طلبت مني أقعد جنبها، وبدأت تحكي.
قالت إن من تلات سنين، كانت بتشتغل إدارية في مركز طبي متخصص في علاج إصابات الأطفال. وفي يوم، وصلت صوفي للمركز برفقة مايكل، وكانت بتعاني من إصابة في منطقة الفم.
وقتها، مارثا ما كانتش مسؤولة عن علاج صوفي، لكنها كانت موجودة وقت تسجيل بيانات الزيارة.
واللي لفت نظرها إن المعلومات اللي اتقالت عن سبب الإصابة اتغيرت أكتر من مرة.
مرة اتقال إن صوفي وقعت وهي بتلعب.
ومرة تانية اتقال إنها خبطت في طرف ترابيزة.
ولما اتسألت صوفي عن اللي حصل، طلبت تتكلم مع والدتها.
لكن، حسب كلام مارثا، الزيارة انتهت قبل ما أقدر أعرف أي تفاصيل.
حسيت بوجع شديد في صدري.
تلات سنين!
بنتي كانت شايلة ذكرى مخوفاها تلات سنين، وأنا ما كنتش أعرف عنها حاجة.
سألت مارثا بصوت مخنوق
طب ليه ما اتصلتيش بيا؟ ليه استنيتي كل الوقت ده؟
مارثا نزلت عينيها وقالت
حاولت أوصل للمعلومات اللي كانت عندي، لكن ما كانش معايا عنوانك الكامل وقتها. وبعد فترة، سبت المركز، وافتكرت إن الموضوع انتهى. لحد ما وصلني اتصال من شخص قال إنه مستعد يتكلم.
قبل ما أقدر أسألها عن الشخص ده، مايكل اتدخل بعصبية
يعني إنتِ جاية بعد تلات سنين، بورق قديم، وبتحاولي تعملي مني مجرم؟!
الضابط رد عليه بحزم
محدش اتهمك رسميًا بناءً على الورقة دي وحدها. إحنا بنجمع المعلومات، ومن حقك ترد على أي ادعاء من خلال الإجراءات القانونية.
وبعدين طلب من مارثا تسلمه الخطاب اللي كانت مخبياه جوه الصورة.
مارثا فتحته بحرص.
كان خطابًا قصيرًا، مكتوبًا على ورق قديم، وفي آخره توقيع باسم إليزابيث مورغان.
لكن اللي خلاني أحس بقشعريرة هو أول سطر فيه
لو حصل لي أي حاجة، لازم والدة صوفي تعرف الحقيقة اللي اتخبّت عنها من يوم الزيارة الأولى.
حطيت إيدي على بقي.
مين إليزابيث دي؟!
مارثا بصتلي وقالت
إليزابيث كانت أخصائية اجتماعية بتتابع بعض الحالات في المركز. وهي اللي لاحظت إن صوفي كانت بتحاول توصل رسالة لوالدتها، لكن ما قدرتش تتأكد من تفاصيل كلامها وقتها.
سألتها بلهفة
وهي فين دلوقتي؟
مارثا سكتت.
السكوت ده كان أصعب من أي إجابة.
وبعد لحظات قالت
إليزابيث اختفت من حياتنا من حوالي سنتين، ومحدش من زملائها قدر يوصل لها. لكن من يومين، وصلتني رسالة من رقم مجهول، فيها صورة للخطاب ده، ومعاها جملة واحدة دوري على صوفي كارتر قبل فوات الأوان.
الضابط