خدت بنتي حكايات زيزي
طلب منها توريه الرسالة الأصلية، وبدأ يسجل كل التفاصيل.
أما أنا، فكنت بحاول أربط الأحداث ببعضها.
وجع الضرس الحالي.
الإصابة القديمة.
خوف صوفي من أبوها.
والخطاب اللي بيقول إن فيه حقيقة اتخبّت عني.
لكن وسط كل ده، كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي
إيه اللي حصل لبنتي من تلات سنين، وخلاها لحد النهارده تخاف تحكي لأمها؟
بعد شوية، طلبت الممرضة من صوفي تدخل أوضة هادية مع أخصائية حماية الطفل، بعيد عن الأصوات والجدال.
وافقت صوفي بعد ما اتأكدت إني هفضل قريبة منها.
وقبل ما تدخل، مسكت إيدي وقالت
ماما، لو حكيتلك كل حاجة، هتصدقيني؟
بصيت في عينيها وقلت
هسمعك يا حبيبتي، ومش هضغط عليكي. ومهما كان اللي حصل، إنتِ مش غلطانة إنك بتطلبي المساعدة.
صوفي هزت راسها، ودخلت مع الأخصائية.
بعد ما الباب اتقفل، الضابط طلب من مايكل ييجي معاه لأوضة تانية علشان ياخد أقواله بشكل منفصل.
مايكل وقف قدامي للحظة، وقال بصوت واطي
إنتِ صدقتي ناس غريبة عليا بدل ما تسمعي مني؟
كنت زمان هحاول أرضيه، وأقوله إني مش باتهمه.
لكن المرة دي قلت
أنا مش بحكم عليك يا مايكل. أنا بحاول أفهم بنتنا كانت خايفة من إيه، وليه ما قدرتش تحكيلي.
ما ردش.
لف ومشي مع الضابط، لكن قبل ما يخرج من الأوضة، بص ناحية مارثا نظرة طويلة.
مارثا لاحظت النظرة، ووشها شحب.
سألتها
إنتِ تعرفي حاجة تانية؟
قالت بتردد
فيه حاجة ما قلتهاش، لأني كنت خايفة أكون فاهمة غلط.
قربت منها.
قوليلي.
طلعت تليفونها، وفتحت صورة كانت محتفظة بيها من الرسالة المجهولة.
الصورة كانت لصفحة من سجل قديم للمركز الطبي.
وأمام اسم صوفي، كان فيه رقم ملف، وتاريخ زيارة، وملاحظة مكتوبة بخط صغير.
مارثا كبّرت الصورة بإيديها، وقالت
بصّي على اسم الشخص اللي طلب إغلاق الملف.
قربت من الشاشة.
وقريت الاسم.
ناثان بينيت.
نفس اسم طبيب الأسنان اللي كان بيكشف على بنتي النهارده!
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
يعني الدكتور ناثان كان موجود في الموضوع من تلات سنين؟!
مارثا ردت بسرعة
مش بالضرورة. ممكن يكون وقّع على إجراء إداري، وممكن يكون فيه تفسير تاني. لازم نسأله ونشوف السجلات الأصلية قبل ما نستنتج أي حاجة.
رفعت عيني ناحية الدكتور، اللي كان واقف بيتكلم مع الضابط.
ولما سمع اسمه، أنهى كلامه، وقرب مننا.
ناولته صورة السجل وقلتله
ممكن تفسرلي ده؟
الدكتور فضل يبص للشاشة من غير ما يتكلم.
ثواني عدّت، وبعدها خلع نضارته ومسحها بمنديل، رغم إنها ما كانتش محتاجة تتنضف.
وبعدين قال
كنت متوقع إن اليوم ده هييجي في يوم من الأيام.
اتسعت عيني.
يعني إنت عارف الحقيقة؟!
بصلي بحزن وقال
أنا عارف إن فيه جزء من الحكاية ما اتفهمش وقتها. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تسمعي أي تفاصيل.
قرب خطوة، وخفض صوته
الملف القديم مش هو اللي خلاني أقلق النهارده. فيه علامة لاحظتها في فحص صوفي، وخلتني أراجع معلومة معينة في تاريخها الطبي.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
علامة إيه؟
الدكتور بص ناحية الباب اللي دخلت منه صوفي مع الأخصائية، وبعدها رجع بصلي.
وقال
أنا محتاج أقارن نتائج الفحص الحالي بالسجلات القديمة، لأن فيه احتمال إن الإصابة اللي عندها النهارده مرتبطة بحادث سابق، لكن لسه ما عنديش دليل كافي يؤكد ده.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، خرجت أخصائية حماية الطفل من الأوضة.
كانت ماسكة ورقة صغيرة، وملامحها جادة.
قربت مني وقالت
صوفي بدأت تحكي جزء من اللي حصل، وطلبت إنك تسمعي منها بنفسك.
دخلت الأوضة بسرعة، ولقيت بنتي قاعدة على كرسي، ماسكة دبدوب صغير كانت الأخصائية ادتهولها.
أول ما شافتني، مدت إيديها ناحيتي.
قعدت جنبها، فقالتلي بصوت بيرتعش
ماما، أنا فاكرة الست اللي كانت موجودة يوم ما اتعورت.
سألتها
إليزابيث؟
هزت راسها بالنفي.
وبعدين همست
لأ يا ماما... الست التانية.
اتسمرت مكاني.
ست تانية مين يا حبيبتي؟
صوفي بصت ناحية الباب، واتأكدت إنه مقفول، وبعدها قالت
الست اللي بابا كان بيقولنا إنها سافرت ومش هنشوفها تاني... أنا شفتها من كام يوم قدام مدرستي!
وقبل ما أقدر أستوعب كلامها، أضافت جملة خلتني أحس إن السر أكبر بكتير من مجرد تقرير طبي قديم
وهي اللي قالتلي يا ماما، إن عندها حاجة تثبت إن بابا كان مخبي عنك الحقيقة من زمان...
يتبع...
بصّيت لصوفي وأنا حاسة إن قلبي بيتعصر من الخوف.
يا حبيبتي، الست دي اسمها إيه؟ وإنتِ متأكدة إنك شفتيها قدام المدرسة؟
صوفي هزّت راسها بسرعة.
أيوه يا ماما، أنا عرفتها من أول ما شفتها. هي كانت واقفة جنب البوابة، ولما شافتني نادت عليّا باسمي.
وقالتلك إيه؟
صوفي ضمّت الدبدوب لصدرها، وبصّت للأرض.
قالتلي إنها تعرفني من زمان، وإنها كانت بتحاول توصل لماما، بس بابا كان بيمنعها.
حسيت إن نفسي بدأ يضيق.
طب ليه ما حكيتيليش الكلام ده وقتها؟
بنتي رفعت عينيها ليا، وكانت دموعها بتلمع فيها.
علشان بابا شافني وأنا بكلمها، ولما رجعنا البيت قاللي إن لو حكيتلك، إنتِ هتزعلي مني ومش هتصدقي كلامي.
وفضلت أطبطب عليها، وأنا بحاول ما أخليهاش تحس بخوفي.
بصيلي يا صوفي، إنتِ مش مطالبة تحلي أي مشكلة لوحدك. أي حاجة حصلت، هنفهمها سوا، ومحدش من حقه يخوفك علشان تسكتي.
في اللحظة دي، الأخصائية طلبت من صوفي ترتاح شوية، وخرجت معايا للممر.
كان الدكتور ناثان واقف هناك، ومعاه الضابط المسؤول عن البلاغ.
أول ما شافني، قال
محتاج أعرف منك حاجة مهمة. هل مايكل سبق وقالك إن صوفي اتعرضت لإصابة في نفس المنطقة من قبل؟
هزّيت راسي.
أيوه، من تلات سنين تقريبًا. قال إنها وقعت وهي بتلعب، وإن الدكتور وقتها طمّنه إنها هتخف. لكن دي أول مرة أعرف إن فيه تقرير طبي قديم.
الدكتور سكت لحظات، وبعدها قال
أنا راجعت الجزء المتاح من السجل الحالي، وفيه معلومات محتاجة مراجعة دقيقة. مش هقدر أقول إن فيه علاقة مؤكدة بين الإصابتين قبل ما نراجع التقارير الأصلية.
الضابط أضاف
وإحنا هنطلب المستندات اللازمة بشكل رسمي، وهنحاول نوصل للسيدة اللي الطفلة بتتكلم عنها. لكن محتاجين نتعامل مع الموضوع بهدوء، علشان نحافظ على سلامة البنت وما نضغطش عليها.
وافقت، رغم إن جوايا كنت عايزة أعرف كل حاجة في اللحظة دي.
لكن المفاجأة كانت لسه جاية.
بعد حوالي عشر دقايق، دخل موظف الاستقبال وهو ماسك ورقة مطبوعة.
قرب من الضابط وقال
يا فندم، فيه اتصال جالنا على الخط الأرضي من شوية. الست اللي كانت هنا قبل كده اتصلت تاني، وقالت إنها مش هتقدر ترجع بنفسها، لكن طلبت نوصل رسالة لوالدة صوفي.
الضابط أخد الورقة وسأله
قالت اسمها؟
قالت إن اسمها إليزابيث مورغان.
مارثا، اللي كانت واقفة على بُعد خطوات، شهقت بصوت مسموع.
إليزابيث؟! يعني هي لسه عايشة؟!
أنا بصّيت لمارثا بصدمة.
إنتِ كنتِ فاكرة إنها ماتت؟
ردت بسرعة
لأ، أنا ما قلتش إنها ماتت. أنا قلت إني فقدت الاتصال بيها، ومحدش كان عارف مكانها. لكن اختفاؤها بالشكل ده كان غريب.
الضابط طلب من موظف الاستقبال يكتب كل تفاصيل المكالمة، وبعدها سأل
قالت إيه في الرسالة؟
الموظف بلع ريقه، وبدأ يقرأ من الورقة
قالت قولوا لوالدة صوفي إني مش هطلب منها تصدقني من غير دليل. أنا محتفظة بنسخة من مستند قديم، ولو شافته هتفهم ليه بنتها كانت خايفة طول السنين دي.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
نسخة من مستند قديم؟
إيه المستند اللي ممكن يفسر كل ده؟
الضابط سأل الموظف
قالت هتقابلنا إمتى؟
قالت إنها هتتواصل تاني لما تتأكد إن بنتها... أقصد صوفي، في أمان.
اتعجبت من الكلمة اللي الموظف قالها بالغلط، وسألته
إنت قلت بنتها؟
ارتبك وقال
آسف، أنا لخبطت في الكلام. هي قالت الطفلة، مش بنتها.
لكن مارثا كانت بتبصلي بنظرة غريبة.
نظرة خلتني أحس إنها بدأت تربط حاجة أنا لسه مش فاهمها.
في الوقت نفسه، كان الضابط التاني بيجمع أقوال مايكل في غرفة منفصلة.
وبعد شوية، خرج وطلب يتكلم مع الضابط المسؤول على انفراد.
ما سمعتش كلامهم، لكن لاحظت إن الضابط المسؤول رجع بعدها وطلب من مارثا توضح مصدر الورق القديم، وإنها تسلّمه أي رسائل أو صور أصلية موجودة معاها.
مارثا وافقت، لكنها طلبت حاجة واحدة
أنا عايزة أتكلم مع والدة صوفي لوحدنا لدقايق، قدام الأخصائية، ومن غير ما حد يضغط عليها.
الضابط وافق بعد ما اتأكد إن ده مش هيعطل إجراءات التحقيق.
دخلنا أوضة جانبية، وقعدت مارثا قدامي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
فيه سبب خلاني أصر إني أشوفك النهارده بنفسي.
إيه هو؟
فتحت شنطتها وطلعت صورة صغيرة، مختلفة عن الصورة الأولى.
كانت صورة لست شابة واقفة جنب طفلة صغيرة في حديقة، والاتنين بيضحكوا للكاميرا.
الطفلة كانت صوفي.
أما الست، فما كنتش أعرفها.
سألتها
مين دي؟
مارثا ردت بصوت واطي
دي إليزابيث مورغان.
فضلت أبص للصورة، وبعدين سألت
طب إيه علاقتها بصوفي؟
مارثا خدت نفسًا عميقًا وقالت
إليزابيث كانت من أقرب الأشخاص لصوفي في الفترة اللي سبقت الحادث القديم. وكانت بتحاول تساعدها تتكلم عن حاجة كانت مخوفاها، لكن قبل ما تعرف التفاصيل كاملة، حصلت مشكلة خلت التواصل بينهم ينقطع.
مشكلة إيه؟
مارثا بصّت ناحية الباب، وبعدها قالت
مش هقدر أحكيلك أكتر من كده من غير ما أكون متأكدة من المعلومات. لكن فيه تفصيلة واحدة لازم تعرفيها.
قربت مني بالصورة، وأشارت لصوفي الصغيرة.
بصّي على إيد بنتك.
ركزت في الصورة.
كانت صوفي ماسكة سلسلة صغيرة، متعلقة بيها قطعة معدنية على شكل نجمة.
قلبي دق بسرعة.
أنا كنت فاكرة السلسلة دي!
كانت موجودة في درج قديم عندنا في البيت، واختفت من سنين. لما سألت مايكل عنها وقتها، قال إنه رماها لأنها اتكسرت.
سألت مارثا بلهفة
إزاي السلسلة دي موجودة في الصورة؟ وإليزابيث جابتها منين؟
مارثا ردت
دي مش مجرد سلسلة يا مدام. على ظهر النجمة فيه نقش صغير، وإليزابيث قالتلي زمان إن النقش ده مرتبط بمستند احتفظت بيه بعيد عن المركز.
قبل ما أكمل أسئلتي، تليفوني رن.
كان رقم غير مسجل.
رديت، وسمعت صوت ست هادي لكنه متوتر
مدام كارتر؟ أنا إليزابيث مورغان.
وقفت من مكاني.
إنتِ فين؟ وإيه اللي حصل من تلات سنين؟ وليه بنتي كانت خايفة تحكيلي؟
إليزابيث سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا هجاوبك على كل أسئلتك، لكن لازم الأول تعرفي إن مايكل مش الشخص الوحيد اللي يعرف اللي حصل في اليوم ده.
حسيت ببرودة في أطرافي.
تقصدي مين كمان؟
ردت بصوت مرتعش
الشخص التاني موجود في نفس المكان اللي إنتِ فيه دلوقتي.
بصّيت ناحية الباب، ناحية الممر اللي فيه الدكتور ناثان ومارثا والضباط.
وسألتها
مين؟!
لكن إليزابيث ما جاوبتش مباشرة.
قالت جملة واحدة قبل ما الخط ينقطع
افتحي الملف الأزرق اللي الدكتور ناثان مخبيه من يوم ما دخلت صوفي العيادة... هتلاقي فيه اسم الشخص اللي غيّر أقواله وقت الحادث القديم.
بصّيت لمارثا بذهول.
وفي نفس اللحظة، خرج الدكتور ناثان من غرفة الكشف، وكان ماسك ملفًا أزرق