أنقذت امرأة حكايات محمد نور
أنقذت أرملة حامل راجل عجوز في قلب الصحرا من غير ما تتخيل إنه شايل آخر سر جوزها قبل ما يموت!
كان الراجل العجوز بيموت من العطش تحت شمس الصحرا الحارقة، لحد ما ست أرملة حامل ركعت جنبه، وادته آخر نقط مية فاضلين معاها.
هي مكانش معاها فلوس، ولا أكل، ولا حتى حد يساعدها.
لكن أول ما الغريب فتح عينيه وشاف السلسلة اللي في رقبتها، انفجر في العياط.
وقال بصوت مرتعش
يا ربّي إنتِ! جوزك قالي إنك في يوم من الأيام هتيجي.
مريم حسّت إن الدم اتجمّد في عروقها.
جوزها بقاله 3 شهور ميت.
والراجل العجوز ده لسه قايل اسم جوزها!
مريم، اللي عندها 24 سنة، كانت اتعلمت بالطريقة الصعبة قد إيه الدنيا ممكن تكون قاسية.
كانت عايشة في بيت صغير على أطراف قرية صحراوية في جنوب مصر، محاطة بأراضي قاحلة ورمال مالهاش آخر.
جوزها أحمد مات في حادثة عربية، أو على الأقل ده اللي كل الناس كانت فاكرة إنه حصل.
كانت في الشهر السابع من حملها لما البنك بدأ يطالبها بأقساط البيت المتأخرة.
ومن ساعتها، كل حاجة بدأت تسوء أكتر وأكتر.
صاحب المحل بطل يديها أكل بالدَّين، والجيران بقوا يتجنبوها وكأنها مصابة بمرض معدي.
أما حمدي، أغنى وأقوى راجل في القرية، فكان عرض عليها يشتري أرضها بمبلغ تافه ما يجيبش تمنها الحقيقي.
قالها بلهجة تهديد
وافقي دلوقتي يا مريم. لما البنك ياخد البيت منك، مش هتاخدي منه مليم واحد!
لكنها رفضت.
البيت ده كان آخر حاجة فاضلة ليها من أحمد، وكانت مستعدة تتحمل أي حاجة ولا إنها تفرّط فيه.
في صباح يوم، خرجت مريم على رجليها، وقصدها مزرعة بعيدة على الناحية التانية من الصحرا.
كانت سمعت إن صاحب المزرعة محتاج ناس تساعده في فرز الخضار، فقررت تروح يمكن تلاقي شغل تقدر تصرف منه على نفسها وعلى طفلها اللي لسه ما شافش النور.
خدت معاها حتة عيش، وزجاجة مية صغيرة، ولبست جزمتها القديمة اللي بقت مهلوكة من كتر المشي.
لكنها ماخدتش الشغل.
صاحب المزرعة بص على بطنها، وهز راسه بالرفض.
معلش يا بنتي، مقدرش أشغّلك وإنتِ ممكن تولدي في أي لحظة.
رجعت مريم من غير ما تكسب مليم واحد.
وفي نص الطريق، الحر بدأ يدوّخها، وحست إن رجليها مش شايلينها.
وفجأة، لمحت حاجة جنب شوية صخور بعيدة عن الطريق.
قرّبت بحذر، واكتشفت إنه راجل عجوز مرمي على الرمل.
وشه كان محروق من الشمس، وشفايفه متشققة من العطش، ونَفَسه ضعيف لدرجة إنها بالكاد كانت تقدر تلاحظه.
مريم بصت لزجاجة المية اللي في إيدها.
ماكانش فاضل فيها غير كام رشفة صغيرة.
لو ادته المية، هتضطر تكمل طريقها كذا كيلومتر من غير نقطة مية واحدة.
حطت إيدها على بطنها بشكل غريزي، وهمست
سامحني يا حبيبي بس مينفعش نسيبه يموت قدامنا.
بحذر، بللت شفايف الراجل الغريب بالمية، ولما بدأ يفوق شوية، فضلت تديه رشفات صغيرة على قد ما يقدر يبلع.
وبعدها خلعت الجاكيت بتاعها وفرشته بطريقة تحميه من الشمس.
حاولت تساعده يقوم، لكنه كان عاجز حتى عن تحريك جسمه.
لمدة تقرب من ساعة، فضلت مريم تسنده وتشجعه، لحد ما قدرت تجرّه مسافة صغيرة لحد مبنى حجري قديم كان بيوفر حتة ضل.
هناك، وبعد ما استنفدت كل قوتها، وقعت قاعدة جنبه من شدة التعب.
بعد شوية، الراجل العجوز فتح عينيه ببطء.
بصلها وسألها بصوت ضعيف
ليه ساعدتيني؟
ردت عليه وهي بتاخد نفسها بصعوبة
لأنك لسه عايش، ومينفعش أسيبك تموت.
فضل يبص في وشها للحظات، وبعدها عينه وقعت على سلسلة فضية صغيرة كانت معلقة في رقبتها.
كانت السلسلة على شكل نجمة صغيرة.
أحمد كان أهداها ليها يوم فرحهم.
وفجأة، جسم الراجل العجوز بدأ يرتعش.
سألها بلهفة
إنتِ جبتي السلسلة دي منين؟
مريم مسكتها بإيديها بشكل تلقائي، وقالت
دي كانت بتاعة جوزي.
اتغيرت ملامح الراجل، وسألها بسرعة
كان اسمه إيه؟
ردت وهي مش فاهمة سبب انفعاله
أحمد أحمد الشناوي.
غمّض الراجل عينيه، ونزلت دمعة على خده المجعّد.
وقال بصوت مكسور
أخيرًا لقيتك.
مريم رجعت لورا بخوف، وسألته
إنت تعرف جوزي؟!
بصلها الراجل نظرة غريبة، ورد
أكتر بكتير مما تتخيلي.
وبعدين مد إيده المرتعشة جوه الجاكيت المغبر اللي كان لابسه، وطلع علبة معدنية صغيرة، مخبّطة من كل ناحية، ومقفولة بقفل قديم.
ضمّ العلبة لصدره، وكأنه خايف حد ينتزعها منه.
وقال
بقالي 3 شهور بحاول أوصل العلبة دي لمرات أحمد.
مريم حسّت إن قلبها بيدق بسرعة رهيبة.
سألته بقلق
إيه اللي جواها؟
رد عليها
حاجة جوزك فضل يحميها لحد آخر لحظة في حياته.
افتكرت مريم إن ممكن يكون جوزها سايب ليها فلوس أو حاجة تساعدها تنقذ بيتها من البنك.
فسألته بسرعة
فلوس؟
هز الراجل راسه بحزن، وقال
لأ يا بنتي دي أهم بكتير من الفلوس.
مريم كانت لسه هتسأله سؤال تاني، لكنه مسك رسغها برفق، وبص في عينيها بجدية مخيفة.
وقال
اسمعيني كويس. لو أي حد عرف إنك لقيتيني، إحنا الاتنين هنبقى في خطر.
مريم بصت ناحية الصحرا، وبعدين رجعت تبص له وهي مش فاهمة حاجة.
إنت بتتكلم عن إيه؟ مين اللي ممكن يأذينا؟
الراجل أخد نفس بصعوبة، وكأنه بيجمع آخر قوته عشان يقول الحقيقة.
وبصوت واطي، قال الجملة اللي قلبت حياة مريم رأسًا على عقب
جوزك ما ماتش عشان فقد السيطرة على عربيته يا مريم.
ساد صمت مرعب بين الاتنين.
مريم حسّت إن قلبها وقف مكانه، وسألته بصوت بيترعش
إنت عرفت منين الكلام ده؟!
الراجل شد العلبة المعدنية لصدره أكتر، وكأنها الدليل الوحيد اللي فاضل على الحقيقة.
وبص لها وقال
عشان أنا كنت موجود هناك الليلة دي.
مريم حسّت إن الأرض بتنسحب من تحت رجليها.
جوزها اللي كانت فاكرة إنه مات في حادثة عادية، ممكن يكون اتقتل!
لكن قبل ما تستوعب الصدمة، الراجل العجوز قال الجملة اللي هتغيّر حياتها للأبد
أنا شفت بعيني مين اللي تسبب في موت أحمد والراجل ده نفسه لسه عارض فلوس عشان يوصّل ليكي!
يتبع
حكايات محمد نور
صلي على رسول الله
الجزء التاني العلبة اللي هتكشف سر موت أحمد!
مريم فضلت باصة للراجل العجوز، مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
الراجل اللي حمدي، أغنى واحد في القرية، كان بيحاول يشتري أرضها بأي تمن هو نفسه ممكن يكون له علاقة بموت جوزها!
حست إن نفسها بيضيق، وحطت إيدها على بطنها وهي بتهمس
حمدي؟! إنت تقصد حمدي؟! ده الراجل اللي عايز ياخد بيتي وأرضي!
العجوز رفع عينه ليها، وقال بصوت ضعيف
أيوه يا بنتي بس اللي هقولهولك أخطر بكتير من مجرد أرض وفلوس.
مريم قربت منه وهي بتحاول تمنع دموعها من النزول.
أرجوك، احكيلي كل حاجة. أنا عايشة من تلات شهور على ذكرى جوزي، وكل ليلة بنام وأنا فاكرة آخر مرة شوفته فيها. لو فيه حد تسبب في موته، لازم أعرف الحقيقة!
العجوز سكت لحظات، وبعدين بص ناحية مدخل المبنى الحجري القديم.
كان فيه صوت غريب جاي من بعيد
صوت موتور عربية.
اتنفض العجوز، وحاول يقوم رغم إن جسمه كان لسه ضعيف.
لازم نمشي من هنا فورًا!
مريم بصت ناحية الصحرا، وشافت عربية دفع رباعي سودا بتقرب من المكان بسرعة.
العجوز وشه اصفر فجأة.
يا ساتر يا رب لقونا!
مين دول؟!
الناس اللي بيدوروا على العلبة يا مريم!
مريم مسكت العلبة المعدنية، لكن العجوز شدها منها بسرعة وقال
لأ! العلبة دي لازم تفضل معايا لحد ما أشرحلك إزاي تستخدمي اللي جواها. لو فتحتيها قدام الشخص الغلط، ممكن تضيعي آخر دليل على براءة أحمد.
مريم اتصدمت.
براءة أحمد؟! هو جوزي كان متهم في حاجة؟!
العجوز هز راسه بسرعة.
مش رسميًا لكن حمدي كان بيجهز مصيبة كبيرة لأحمد قبل موته. جوزك اكتشف إن فيه مستندات مزورة بتثبت إن أراضي ناس كتير في القرية ملك حمدي، مع إن أصحابها معاهم أوراق تثبت العكس.
مريم افتكرت فجأة حاجة حصلت قبل موت أحمد بأسبوعين.
كان أحمد راجع البيت متأخر، وشكله مرهق، ولما سألته عن سبب قلقه، قال لها
لو حصل لي أي حاجة يا مريم، أوعي تمضي على أي ورقة تخص الأرض. مهما حصل، خلي البيت في إيدك.
وقتها افتكرت إنه بيبالغ في خوفه.
دلوقتي بس فهمت إن كلامه كان تحذيرًا.
العربية السودا وقفت على مسافة قريبة من المبنى.
نزل منها راجلين، واحد منهم طويل ولابس نظارة سودا، والتاني شايل تليفون وبيتكلم بصوت واطي.
العجوز قرب من مريم وهمس
اسمعيني كويس. اسمي عم جابر، وكنت شغال محاسب عند واحد من أكبر تجار الأراضي في المنطقة. قبل ما أحمد يموت، اكتشفنا إن فيه ناس بتستغل أوراق مزورة علشان تستولي على أراضي الغلابة.
مريم سألته بذهول
وإنت كنت معاه؟
أيوه. أحمد طلب مني أحتفظ بالأصول اللي تثبت الحقيقة. لكن في الليلة اللي مات فيها، حصلت حاجة ماكنتش متوقعها
صوته انقطع، وعينه اتملت بالخوف.
مريم مسكت إيده.
إيه اللي حصل يا عم جابر؟
بصلها وقال
أحمد كان راجع من عندي، ومعاه نسخة من المستندات. وأنا كنت ماشي وراه بعربيتي. فجأة، عربية تانية ظهرت من طريق جانبي، وقربت منه بطريقة خطيرة. حاول أحمد يتفاداها، لكن عربيته خرجت عن الطريق واتقلبت.
مريم حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
يعني الحادثة كانت مدبرة؟!
عم جابر رد بحذر
أنا شفت اللي حصل، لكن مقدرش أجزم بكل التفاصيل غير لما أوريكي الدليل. اللي متأكد منه إن بعد الحادثة بساعات، حمدي اتصل بيا وهددني لو اتكلمت عن اللي شفته.
وقبل ما مريم ترد، سمعت صوت خطوات بتقرب من مدخل المبنى.
واحد من الراجلين نادى بصوت عالي
يا عم جابر! إحنا عارفين إنك هنا. اخرج بالذوق، ومحدش هيقرب منك!
عم جابر بص لمريم بسرعة، ومد إيده بالعلبة المعدنية.
خديها، واستخبي ورا الحيطة اللي في آخر المبنى. مهما سمعتي، متخرجيش غير لما أقولك.
مريم رفضت تتحرك.
مش هسيبك لوحدك!
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
إنتِ عملتي معايا حاجة محدش عملها من سنين. رجعتيلي حياتي لما اديتيني آخر نقطة مية عندك. دلوقتي دوري إني أرجعلك حق جوزك.
وبمجرد ما خلص كلامه، دخل الراجل الطويل المبنى.
وقف قدام عم جابر، وبص لمريم من فوق لتحت، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة.
إيه ده؟ هو إنت لقيت مرات أحمد بنفسك يا عم جابر؟ وفرت علينا مشوار طويل!
مريم اتجمدت مكانها.
الراجل كان عارف اسمها!
مد إيده ناحية العلبة، لكن عم جابر خبّاها وراه وقال
العلبة مش معايا.
الراجل ضحك.
متكدبش علينا. إحنا متابعينك من يوم ما خرجت من المدينة. والست دي مش هتقدر تحميك.
وبعدين لف وشه ناحية مريم وقال
على فكرة، حمدي بيه لسه فاكر عرض شراء الأرض بتاعتك. وعنده عرض جديد، أحسن من الأول بكتير.
مريم رفعت راسها رغم خوفها.
قوله إني مش هبيع أرضي، لا النهارده ولا بكرة!
ابتسامته اختفت.
فكري كويس يا مدام مريم. ساعات الواحد بيخسر أغلى حاجة عنده لما يعاند ناس أقوى منه.
مريم ضمت إيديها على بطنها، وردت بثبات
أنا خسرت جوزي، ومش هسمح لحد ياخد مني بيتي كمان.
في اللحظة دي، عم جابر استغل انشغال الراجل بالكلام، ودفع كرسي خشب قديم في طريقه، وبعدها صرخ
اجري يا مريم!
مريم جريت ناحية الممر الخلفي، والعلبة المعدنية مخبّياها تحت هدومها.
سمعت الراجل بيصرخ وراها، وخطواته بتقرب منها، لكنها فضلت تجري لحد ما خرجت من باب صغير ورا المبنى.
كانت الصحرا قدامها واسعة، والشمس بدأت تميل ناحية الغروب.
لكنها ماكانتش عارفة تروح فين.
وفجأة، سمعت صوت عم جابر من بعيد
مريم! استني!
لفت بسرعة، فلقته واقف عند الباب الخلفي، بينهج، وفي إيده ورقة صغيرة.
جري ناحيتها وحط الورقة في إيدها.
دي أهم من العلبة نفسها. أحمد اداني الورقة دي قبل الحادثة بيوم، وقالي أوصلهالك لو حصل له أي حاجة.
مريم فتحت الورقة بإيدين بيترعشوا.
كان خط أحمد واضحًا، رغم إن الورقة كانت قديمة ومكرمشة.
مكتوب فيها
يا مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا