أنقذت امرأة حكايات محمد نور
المحتويات
مقدرتش أرجعلك. متثقيش في أي حد يقولك إن الأرض بقت ملكه، وخصوصًا لو قدم لك ورقة عليها ختم المحكمة. الحقيقة موجودة عند الشخص اللي عايش في بيتنا القديم قبل ما نشتريه.
مريم رفعت عينيها لعم جابر بصدمة.
بيتنا القديم؟! إحنا عمرنا ما سكنّا غير في بيتنا الحالي!
عم جابر هز راسه ببطء.
لأ يا بنتي أحمد كان عنده سر عمره ما حكاهولك.
مريم حسّت إن قلبها بيدق بعنف.
إيه السر ده؟!
عم جابر قرب منها وقال
البيت اللي إنتِ عايشة فيه دلوقتي، أحمد ما اشتراهوش علشان يسكن فيه وبس. هو اختاره بالذات علشان كان عارف إن فيه حاجة مدفونة هناك من سنين حاجة لو ظهرت، هتسقط حمدي من مكانه، وهتثبت إن أرضك مش مجرد أرض صغيرة على أطراف القرية.
مريم بصت ناحية بيتها البعيد، وبعدها نزلت عينها على العلبة المعدنية.
وفجأة، سمعت صوت عربية تانية بتقرب من الطريق الترابي.
عم جابر شحب وشه، وقال
لازم ترجعي البيت قبلهم لأن لو وصلوا للحاجة اللي تحت الأرض قبلك، كل اللي عمله أحمد هيضيع!
لكن مريم، وهي بتستعد ترجع بيتها، لاحظت حاجة خلت الدم يهرب من عروقها
كان فيه مفتاح صغير مربوط في السلسلة الفضية اللي في رقبتها، مفتاح عمرها ما شافته قبل كده، رغم إنها لبست السلسلة كل يوم من يوم وفاة أحمد!
يتبع
الجزء التالت المفتاح اللي أحمد خبّاه عن مراته!
مريم فضلت باصة للمفتاح الصغير المربوط في السلسلة الفضية، وإيديها بتترعش.
إزاي المفتاح ده كان موجود طول الوقت، وهي عمرها ما لاحظته؟!
بدأت تفك السلسلة من رقبتها، وقلّبتها بين صوابعها، لحد ما اكتشفت إن النجمة الفضية اللي أحمد أهداها ليها يوم فرحهم كانت بتتفتح من الجنب!
ضغطت على طرفها بحذر، فانفتح تجويف صغير، وظهر جواه المفتاح.
شهقت وهي بتهمس
أحمد إنت كنت مخبي عني إيه؟!
عم جابر بص للمفتاح، واتسعت عينيه من الصدمة.
يا نهار أبيض! ده هو!
مريم مسكت دراعه بسرعة.
هو إيه؟! إنت تعرف المفتاح ده؟!
بصلها وقال
أيوه. أنا شفته مرة واحدة بس، يوم ما أحمد ورّاني صندوق حديد صغير، وقال لي إنه مش هيتفتح غير بالمفتاح ده. وقتها سألته مخبيه فين، لكنه رفض يقول لي.
مريم حسّت إن عقلها مش قادر يستوعب كل الأسرار اللي بتظهر واحدة ورا التانية.
والصندوق ده فين؟
عم جابر بص ناحية القرية وقال
لو كلام أحمد في الرسالة صح، يبقى الصندوق موجود في بيتك بس مش في مكان واضح.
مريم ما ضيعتش وقت.
رغم تعبها ووجع رجليها، بدأت تتحرك ناحية البيت، وعم جابر ماشي جنبها ببطء.
طول الطريق، كانت بتفكر في أحمد.
هو ليه مخبّاش عنها الحقيقة؟
هل كان بيحاول يحميها؟ ولا كان خايف إن مجرد معرفتها بالسر يعرّضها للخطر؟
ولما وصلوا البيت، مريم فتحت الباب بسرعة، ودخلت وهي بتبص حواليها.
كل حاجة كانت زي ما سابتها الصبح.
الكنبة القديمة، صورة فرحها المعلقة على الحيطة، وعباية أحمد اللي كانت لسه محتفظة بيها في الدولاب.
وقفت قدام صورته، ودموعها نزلت.
يا أحمد، أنا تعبت من غيرك. بس أوعدك إني مش هسيب حقك يضيع.
عم جابر ناداها من أوضة النوم
يا مريم! تعالي شوفي دي!
دخلت بسرعة، فلقته راكع جنب الدولاب القديم، وبيشاور على لوح خشب في الأرض.
كان اللوح مختلف عن باقي الأرضية، وفيه خدوش صغيرة حوالين أطرافه.
مريم ركعت جنبه، وحاولت ترفعه، لكنه كان تقيل.
جاب عم جابر مفك قديم من صندوق العدة، وبعد محاولات، اللوح اتحرك أخيرًا.
ظهر تحته تجويف صغير، جواه صندوق حديد أسود مغطى بالتراب.
مريم حطت إيدها على بقها.
الصندوق ده كان تحت رجلينا طول الوقت؟!
عم جابر رد بهدوء
أحمد كان عارف إن محدش هيفكر يدور تحت أرضية البيت.
مريم طلعت المفتاح من السلسلة، ودخلته في القفل.
لفّته مرة
لكن الصندوق ما اتفتحش.
حاولت مرة تانية، لحد ما سمعت صوت طقة خفيفة.
اتفتح القفل.
رفعت الغطا ببطء، وبدأت تخرج اللي جواه.
كان فيه ملف كبير مربوط بخيط، وصورة قديمة بالأبيض والأسود، وشريط تسجيل صغير، ومظروف مكتوب عليه بخط أحمد
إلى مريم لو وصلتي لحد هنا، يبقى الحقيقة أخيرًا بقت في إيدك.
إيديها ارتعشت وهي بتفتح المظروف.
جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
مريم حبيبتي،
أنا عارف إني ظلمتك لما خليتك بعيدة عن اللي بيحصل، لكن كنت خايف عليكي وعلى ابننا.
الأرض اللي عايشين عليها مش مجرد بيت صغير زي ما إنتِ فاكرة. فيه مستندات قديمة تثبت إن جزءًا كبيرًا من الأراضي المحيطة بالقرية اتسجل بأسماء ناس غير أصحابها الحقيقيين.
والأخطر إن فيه ورقة واحدة لو ظهرت، هتثبت إن كل العقود اللي اتعملت بعد سنة معينة لازم تتراجع من جديد.
أنا احتفظت بنسخة من الورقة دي، لكن النسخة الأصلية اختفت.
لو حصل لي أي حاجة، متروحيش لحمدي، ومتثقيش في أي حد يقولك إنه بيساعدك من غير ما يكون عنده دليل.
مريم وقفت عن القراءة.
رفعت عينيها ناحية عم جابر وسألته
يعني إيه العقود لازم تتراجع؟ هو ممكن حمدي يكون أخد أراضي ناس تانية بنفس الطريقة؟
عم جابر هز راسه.
ده اللي أحمد كان بيحاول يثبته. لكنه ماكانش معاه كل الأدلة.
مريم رجعت تبص للملف، وبدأت تخرج الأوراق واحدة واحدة.
كان فيه صور لعقود بيع، وإيصالات قديمة، وخرائط للأراضي المحيطة بالقرية.
لكن وسط الأوراق، لقت صورة خلتها تتجمد مكانها.
كانت صورة لأحمد واقف قدام مبنى حكومي، وبجانبه حمدي!
وعلى ظهر الصورة، مكتوب تاريخ قبل وفاة أحمد بأسبوع واحد بس.
مريم بصت للصورة بذهول.
إزاي؟! أحمد كان بيقول لي إنه عمره ما قابل حمدي لوحده!
عم جابر خد الصورة منها، وفضل يتأملها.
وبعدين قال بصوت واطي
يمكن أحمد كان بيحاول يوصل لاتفاق معاه قبل ما الأمور تخرج عن السيطرة.
مريم هزت راسها بعنف.
لأ! أحمد مستحيل يكون بيخدعني!
عم جابر رد بسرعة
أنا ماقلتش إنه كان بيخدعك. ممكن يكون حاول يحل الموضوع من غير مشاكل، لكن اللي حصل بعد كده غيّر كل حاجة.
وقبل ما مريم ترد، لاحظت وجود ورقة مطوية في قاع الصندوق.
فتحتها، فظهر قدامها اسم شخص مكتوب بخط أحمد، وتحته عنوان في مدينة قريبة.
لكن اللي خوّفها فعلًا كان الجملة المكتوبة في آخر الورقة
الشخص ده يعرف مين كان آخر واحد قابلته قبل الحادث ولو وافق يتكلم، هنقدر نثبت الحقيقة.
مريم رفعت الورقة ناحية عم جابر.
مين الشخص ده؟!
عم جابر قرأ الاسم، وفجأة وشه اتغير.
رجع خطوتين لورا، وقعد على طرف السرير وهو مش قادر يتكلم.
مريم قربت منه بقلق.
مالك؟ إنت تعرفه؟!
رفع عينه ليها أخيرًا وقال
أيوه يا مريم أعرفه كويس جدًا.
مين هو؟!
بلع ريقه، وقال
ده مش مجرد شاهد على اللي حصل لأحمد ده الشخص اللي كان مسؤول عن تسجيل محضر الحادثة من البداية!
مريم حسّت إن جسمها كله اتشل.
يعني الشخص اللي كان المفروض يحقق في موت جوزها، ممكن يكون عارف الحقيقة من أول يوم!
مدت إيدها ناحية الورقة علشان تقرا الاسم تاني، لكن فجأة
خبط شديد هز باب البيت!
ثلاث خبطات متتالية، وبعدها صوت راجل من بره
يا مدام مريم! افتحي، إحنا من جهة رسمية، وجايين بخصوص أوراق ملكية البيت!
مريم بصت لعم جابر في رعب.
هو رفع صباعه على بقه، وأشار لها إنها ما تتكلمش.
وبعدين همس
محدش كان يعرف إننا هنلاقي الصندوق النهارده إلا لو فيه حد بيراقبك من زمان.
الخبط اتكرر، والصوت بقى أعلى
افتحي يا مدام مريم، معانا أمر بفحص العقار!
مريم بصت للملف المفتوح على الأرض، وللصورة اللي فيها أحمد وحمدي، وبعدين بصت لباب البيت.
وفجأة، تليفونها رن.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ولقت صورة حديثة ليها وهي واقفة قدام المبنى الحجري في الصحرا، وبجانبها عم جابر!
وتحت الصورة، كانت فيه جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين قتل أحمد، اسألي عم جابر ليه سكت كل التلات شهور اللي فاتوا!
مريم رفعت عينيها ببطء ناحية العجوز.
ولأول مرة من يوم ما أنقذته، بدأت تشك فيه.
همست بصوت مكسور
عم جابر إنت مخبي عني إيه كمان؟!
العجوز نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت.
وبعد لحظات طويلة، قال الجملة اللي خلت مريم تحس إن كل اللي عرفته لحد دلوقتي ممكن يكون مجرد نص الحقيقة
أنا ما سكتش علشان كنت خايف على نفسي يا بنتي أنا سكت علشان الشخص اللي تسبب في موت أحمد كان عنده القدرة إنه يدمّر عيلتي كلها وأنا وافقت أعمل حاجة عمري ما هسامح نفسي عليها!
يتبع
الجزء الرابع الاعتراف اللي قلب كل حاجة!
مريم فضلت واقفة قدام عم جابر، عينيها مليانة دموع، وإيديها بتترعش وهي ماسكة التليفون اللي عليه الرسالة المجهولة.
يعني إيه وافقت تعمل حاجة مش هتسامح نفسك عليها؟! إنت عملت إيه يا عم جابر؟!
العجوز غمّض عينيه، وكأنه بيحاول يهرب من ذكرى بقاله شهور بتطارده.
قبل ما أحمد يموت بأسبوع، حمدي عرف إني معاه مستندات ممكن تفضح اللي بيعمله. استدعاني لمخزن قديم على أطراف القرية، وهناك هددني إنه هيحبس ابني ظلم، وهيستولي على بيتي، وهيخلّي عيلتي كلها تتشرد لو ما سلمتلوش نسخة من الأوراق.
مريم ردت بغضب
وإنت سلمته الأوراق؟!
عم جابر نزل راسه.
أيوه يا بنتي سلمته نسخة، لكن احتفظت بالأصل.
وبعدين؟!
بعدها بيومين، أحمد جه لي وهو متوتر جدًا. قال لي إن حمدي بقى عارف إنه معاه الدليل، وإنه اكتشف إن فيه حد بيوصل أخبارنا لحمدي أول بأول.
مريم رجعت خطوة لورا.
يعني كان فيه حد بيخونه؟!
عم جابر هز راسه بحزن.
أيوه. وأنا كنت فاكر إن الشخص ده واحد من العمال اللي بيشتغلوا مع حمدي. لكن ليلة الحادثة، اكتشفت إن الموضوع أكبر بكتير.
مريم قربت منه، وقالت بإصرار
عايزة أعرف الحقيقة كلها. مش هقدر أعيش وأنا كل يوم أكتشف إن فيه سر جديد عن موت جوزي!
عم جابر رفع عينه ليها.
الليلة دي، أحمد اتصل بيا وقال لي إنه اكتشف اسم الشخص اللي بيسرب أخبارنا. طلب مني أقابله عند الطريق الصحراوي، وقال لي إنه هيجيب معاه آخر مستند ناقص.
سكت لحظة، وبعدين كمل
وصلت المكان، وشفت عربية أحمد جاية من بعيد. وفجأة، عربية سودا ظهرت وراه، وقربت منه بسرعة. حاول أحمد يبعد عنها، لكن عربيته خرجت عن الطريق واتقلبت.
مريم شهقت، وحطت إيدها على بقها.
وإنت عملت إيه؟!
جريت ناحية عربيته، لكن العربية السودا وقفت بعيد شوية، ونزل منها راجل. ما شفتش وشه كويس، لكن سمعته بيكلم حد في التليفون وبيقوله الموضوع خلص، ومحدش هيعرف يوصل للأوراق.
مريم دموعها نزلت بغزارة.
يعني أحمد كان لسه عايش وقتها؟!
عم جابر سكت لحظات طويلة، وبعدين قال
لما وصلت له، كان بيتنفس بصعوبة. حاولت أساعده، لكنه مسك إيدي وقال لي العلبة لازم توصل لمريم.
مريم حسّت إن قلبها اتعصر.
وإنت سيبته؟!
صوت عم جابر اتكسر.
لأ! حاولت أطلب الإسعاف، لكن الراجل اللي كان واقف بعيد رجع ناحيتي، وهددني. قال لي إن لو اتكلمت، ابني هيتهم في قضية سرقة، وهيضيع مستقبله. ولما سمعت صوت عربيات جاية من بعيد، اضطريت أهرب وأسيب المكان.
مريم غطت وشها بإيديها.
كانت عارفة إن عم جابر غلط، لكنها لأول مرة فهمت إنه كان عايش في خوف شديد.
قالت له بصوت حزين
كان ممكن تنقذ أحمد أو على الأقل تبلغ عن اللي حصل.
العجوز هز راسه، والدموع بتنزل على خديه.
عارف يا بنتي. وده ذنب هفضل شايله طول عمري. لكن لما عرفت إنك حامل، وإن حمدي بيحاول ياخد أرضك، قررت إني لازم أوصل لك الحقيقة، حتى لو كان تمنها حياتي.
مريم بصت له طويلًا، لكنها ما لحقتش ترد.
لأن الخبط على الباب رجع أقوى من الأول.
يا مدام مريم! افتحي فورًا!
عم جابر انتفض من مكانه.
لازم نخبي الأوراق!
مريم جمعت الملف بسرعة، وحطته في شنطة قديمة، لكن قبل
متابعة القراءة