ابني الي عنده 17سنه حكايات زيزي

لمحة نيوز

كنت فاقدة الأمل. بس أنا مش عايزاك تفضل طول الوقت بتحاول تثبت إنك قوي علشاني. أنا عايزاك تبقى صريح معايا، حتى لما تكون خايف أو تعبان.
آرون ابتسم لها.
وعد.
لكن في اللحظة اللي افتكرنا فيها إن أصعب جزء من اليوم خلص، موبايل مديرة الجمعية أصدر صوت إشعار.
فتحت الرسالة، وقرت أول سطر، وبعدها بصت لآرون بذهول.
آرون الرد وصل!
كلنا قربنا منها.
كانت الرسالة من لجنة المنح، وفيها قرارهم النهائي بخصوص طلبه.
آرون مد إيده ياخد الموبايل، لكن أول ما بدأ يقرأ، اتغيّر لون وشه.
ليلي مسكت إيده وسألته
آرون؟ بيقولوا إيه؟
رفع عينيه ليا، ودموعه بدأت تتجمع من جديد.
وبصوت خافت قال
يا ماما هما وافقوا يراجعوا طلبي، بس فيه شرط واحد ولو ماقدرتش أحققه خلال أربع وعشرين ساعة، هخسر المنحة نهائيًا!
يتبع
بصيت لآرون وأنا حاسة إن قلبي اتقبض من جديد.
شرط إيه يا حبيبي؟ قولي بيطلبوا منك إيه!
آرون مد إيده بالموبايل لمديرة الجمعية، وطلب منها تقرأ الرسالة بصوت عالي.
بدأت تقرأ
عزيزي آرون ميلر، بعد مراجعة طلبك والظروف المحيطة بانسحابك، قررت اللجنة منحك فرصة استثنائية لإعادة تفعيل طلب المنحة. لكن نظرًا لأنك انسحبت من المرحلة النهائية، يجب عليك حضور مقابلة تقييم شخصية خلال أربع وعشرين ساعة، وتقديم مشروع فني من تصميمك يوضح قدرتك على التعبير عن فكرة إنسانية من خلال الفن.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
في حالة عدم حضورك أو عدم تقديم المشروع في الموعد المحدد، سيُغلق طلبك نهائيًا، ولن يمكن إعادة فتحه في دورة القبول الحالية.
آرون بص للساعة.
كان فاضل أقل من أربع وعشرين ساعة!
ليلي مسكت إيده وقالت بسرعة
يبقى لازم تروح! المرسم مش هيخلص لوحده، وأنا هقدر أساعد في ترتيبه.
لكن آرون هز راسه.
المقابلة في المدينة التانية، ولازم أجهز المشروع قبل ما أروح. أنا مش عارف هلحق أعمل الاتنين إزاي.
جوزي، اللي كان واقف بعيد طول الوقت، قرب منه وقال
هتعمل المشروع، وهتروح المقابلة. وأنا هساعدك.
آرون بص له بحذر.
إزاي؟ إنت لسه من شوية كنت السبب في إن طلبي يتسحب!
جوزي نزل عينيه، وقال
وعشان كده مش هطلب منك تثق في كلامي. هوريك بأفعالي.
طلع موبايله واتصل بزميل قديم ليه عنده عربية، وطلب منه يساعدنا في الانتقال للمدينة اللي فيها المقابلة. وبعدها اتصل بمطبعة قريبة علشان يسأل عن إمكانية تجهيز لوحة فنية بالمقاس المطلوب لو احتجنا.
لكن آرون قاطعه
أنا مش عايز حد يعمل المشروع مكاني يا بابا. أنا عايز أعمله بإيدي.
جوزي هز راسه.
وده حقك. إحنا هنساعدك في الوقت والمواصلات بس.
رجعنا البيت بعد الظهر، وآرون دخل أوضته، وطلع صندوق خشبي قديم كان محتفظ فيه برسوماته من وهو صغير.
قعد على الأرض، وبدأ يقلب الرسومات واحدة واحدة.
كنت واقفة عند الباب، شايفاه بيحاول يختار فكرة للمشروع، لكن كل ما يمسك رسمة، يرجع يحطها مكانها.
دخلت له بكوباية عصير، وسألته
إيه اللي معطلك يا حبيبي؟
رد من غير ما يبصلي
كل الأفكار اللي في دماغي شكلها عادية. هما عايزين مشروع يوضح قدرتي على التعبير عن فكرة إنسانية، وأنا مش عارف أختار فكرة تستاهل.
قعدت جنبه وقلتله
إنت طول عمرك بتعرف تعبّر عن اللي جواك بالرسم. افتكر إيه أكتر حاجة أثرت فيك الفترة اللي فاتت، وارسمها زي ما حسّيتها، مش زي ما الناس عايزة تشوفها.
فضل ساكت شوية، وبعدها طلع صورة قديمة من الصندوق.
كانت صورة لليلي وهي عندها خمستاشر سنة، قاعدة على الأرض في حديقة المدرسة، وبتعلمه يرسم شجرة.
ابتسم لما شافها.
فاكرة اليوم ده يا ماما؟ أنا كنت مقتنع إني مش بعرف أرسم خالص، وهي فضلت تضحك وتقول لي إن الشجرة مش لازم تطلع شبه الحقيقة علشان تبقى جميلة.
ضحكت وقلتله
أيوه، وإنت رجعت البيت يومها ورسمت عشر شجرات على الحيطة!
ابتسم للمرة الأولى من الصبح.
وبعدين فجأة، قام وفتح دفتر رسم جديد.
قال بحماس
عرفت هعمل إيه!
قعد يرسم لساعات.
رسم شجرة كبيرة، جذورها ممتدة تحت الأرض، وفروعها طالعة ناحية السما. لكن أوراق الشجرة ماكانتش أوراق عادية؛ كل ورقة كانت عبارة عن صورة صغيرة لحد ساعد ليلي في رحلتها.
كان فيه ورقة بتمثل أمها اللي فضلت جنبها في المستشفى، وورقة بتمثل الممرضة اللي كانت بتضحكها وقت العلاج، وورقة بتمثل طفل صغير اتعرفت عليه في المستشفى، وورقة بتمثل آرون نفسه.
وفي أسفل اللوحة كتب
إحنا مش دايمًا بنقدر نغيّر اللي بيحصل لنا، لكن نقدر نختار إننا ما نواجهوش لوحدنا.
لما خلص، بصيت للوحة ودموعي نزلت.
مش لأنها كانت أجمل رسمة شفتها، لكن لأنها كانت بتحكي كل اللي ابني عاشه في الشهور اللي فاتت.
آرون كان بيحاول يحوّل خوفه وحزنه لحاجة ممكن تدي أمل لحد تاني.
في المساء، ليلي اتصلت فيديو.
كانت قاعدة في أوضتها بالمستشفى، وشعرها القصير جدًا ظاهر تحت غطاء رأس خفيف.
أول ما شافت اللوحة، فضلت ساكتة.
آرون سألها
مش عاجباكي؟
هزت راسها بسرعة.
بالعكس أنا بس بحاول أفهم إزاي قدرت تحط كل ده في رسمة واحدة.
قربت وشها من الشاشة، وقالت
بس فيه حاجة ناقصة.
آرون استغرب.
إيه هي؟
ليلي ابتسمت وقالت
ورقة الشجرة اللي بتمثلني أنا.
آرون ضحك بخفة.
إنتِ موجودة في كل ورقة يا ليلي. لأن كل واحد ساعدك، إنتِ كمان أثرتي فيه بطريقة ما.
ليلي مسحت دموعها.
لأ، أنا عايزة ورقة باسمي، علشان أفتكر إن أنا كمان ليا دور في الحكاية دي، مش مجرد بنت الناس بتساعدها.
الكلام ده خلّى آرون يفكر للحظات.
وبعدين أخد قلم أخضر، ورسم ورقة جديدة على أحد الفروع، وكتب جواها
ليلي اللي علّمتني إن الأمل مش معناه إننا مانخافش، لكن إننا نكمل رغم خوفنا.
ليلي ابتسمت، وقالت
كده بقت كاملة.
تاني يوم الصبح، الساعة سبعة، كنا في الطريق للمقابلة.
آرون كان حاضن اللوحة بحرص، وكل شوية يبص عليها علشان يتأكد إنها سليمة.
جوزي كان سايق، وأنا قاعدة جنب آرون في الكنبة الخلفية.
بعد ساعة تقريبًا، تليفونه رن.
رد، وسمع الطرف التاني من غير ما يتكلم.
وبعدين قال
أيوه، أنا والد آرون لحظة واحدة، هخليه يكلمكم.
مد الموبايل لابني.
آرون رد بقلق
ألو، أيوه، مع حضرتك آرون ميلر.
سمعنا صوت ست بتتكلم من الطرف التاني، لكننا ماكناش قادرين نفهم كل الكلام.
فجأة، آرون اعتدل في قعدته.
إزاي يعني؟ أنا ماقدمتش أي طلب تاني!
سكت يسمع، وبعدها بص لأبوه.
لأ، أنا ماطلبتش إلغاء المقابلة!
وشه بدأ يشحب.
قفل المكالمة، وبص لنا.
فيه حد بعت للجنة رسالة بيقول فيها إني مش هقدر أحضر المقابلة، وإن المشروع مش من شغلي الأصلي!
حسّيت بالصدمة.
إيه؟! مين يعمل حاجة زي دي؟!
آرون فتح بريده الإلكتروني، وبدأ يراجع الرسائل.
وبعد لحظات، لقى نسخة من الرسالة اللي اتبعتت للجنة.
كانت مكتوبة بصيغة رسمية، وبتقول إن مشروعه اتعمل بمساعدة شخص تاني، وإنه انسحب قبل كده لأنه غير مستعد للبرنامج.
لكن أسوأ حاجة كانت في آخر الرسالة.
كان فيه توقيع إلكتروني باسم آرون نفسه!
جوزي ركن العربية على جنب الطريق، ولف ناحيته.
إنت متأكد إنك ما بعتش الرسالة دي؟
آرون رد بغضب
أيوه! أنا ما بعتش حاجة!
بدأنا نحاول نتواصل مع اللجنة، لكن الوقت كان بيعدي بسرعة.
فضل فاضل أقل من ساعتين على موعد المقابلة.
وفجأة، جوزي لاحظ حاجة في تفاصيل الرسالة.
قرب الموبايل من عينيه، وقال
استنوا أنا شفت عنوان البريد الإلكتروني ده قبل كده.
آرون بص له.
فين يا بابا؟
جوزي فضل يبص للشاشة، وبعدين فتح موبايله وطلع رسالة قديمة.
قارن بين العنوانين، ووشه اتغيّر.
قال بصوت منخفض
الرسالة دي مش جاية من حسابك يا آرون دي جاية من عنوان بريد تاني، لكنه شبه عنوانك بالظبط.
آرون بدأ يراجع التفاصيل، واكتشف إن فيه اختلاف بسيط جدًا في اسم الحساب.
لكن السؤال الأهم كان مين اللي عنده معلومات كفاية علشان يقلّد عنوانه، ويعرف تفاصيل طلب المنحة، ويبعث رسالة في الوقت ده بالذات؟
وفجأة، وصلت رسالة جديدة من اللجنة.
مد جوزي إيده للموبايل، وفتحها.
كان مكتوب فيها
نظرًا لوصول معلومات متعارضة بخصوص طلب المرشح آرون ميلر، نرجو منه الحضور شخصيًا ومعه إثباتات تثبت ملكيته للمشروع، قبل اتخاذ القرار النهائي.
آرون بص للساعة.
لسه قدامنا وقت لازم نكمل.
جوزي رجع شغّل العربية، وقال
هنوصلك، ومش هنسيب حد يقرر مستقبلك بدل منك تاني.
وصلنا المبنى قبل الموعد بربع ساعة.
آرون نزل من العربية، وحمل لوحته، ومشي ناحية باب لجنة المقابلات.
لكن قبل ما يدخل، وقف فجأة.
كان فيه شخص واقف عند الاستقبال، ماسك ملفًا يحمل اسم آرون.
الشخص رفع عينيه، وبص له مباشرة.
آرون اتجمّد مكانه.
لأن الشخص اللي كان واقف قدامه ماكانش غريبًا
كان نوح، صاحبه المقرب، نفس الشخص اللي بعت له الرسالة اللي كشفت إن والده دخل على اللابتوب!
آرون قرب منه ببطء، وسأله بصوت مخنوق
نوح؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي في الملف اللي معاك؟
نوح بص حواليه، وبعدها قال
آرون، أنا لازم أحكيلك الحقيقة قبل ما تدخل المقابلة لأن الرسالة اللي وصلت للجنة، أنا أعرف عنها أكتر بكتير مما إنت متخيل.
وبعدين فتح الملف، وطلع منه ورقة خلت آرون يرجع خطوة لورا.
لأن الورقة دي كانت نسخة من رسالة الانسحاب الأصلية، وعليها توقيع آرون، لكن تحت التوقيع كان فيه اسم شخص تاني ماكانش المفروض يظهر أبدًا!
يتبع
آرون فضل باصص للورقة اللي في إيد نوح، وكأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه.
كان توقيعه موجود فعلًا، لكن تحت التوقيع ظهر اسم شخص تاني
نوح أندرسون شاهد على طلب الانسحاب.
آرون رفع عينيه لصاحبه، وصوته كان بيرتعش من الغضب والصدمة.
إنت؟! إنت كنت عارف إن بابا سحب طلبي، وكنت ساكت؟!
نوح هز راسه بسرعة، وقال
استنى، اسمعني للآخر. أنا ماكنتش أعرف إن والدك هيستخدم حسابك علشان يسحب الطلب. أنا عرفت بالموضوع بعد ما حصل، ولما شفت الرسالة اللي اتبعتت للجنة، خفت أقولك الحقيقة.
آرون قبض إيده على طرف اللوحة اللي شايلها.
وخفت ليه؟ إنت صاحبي من وإحنا عندنا عشر سنين! كنت المفروض تيجي تقولي!
نوح نزل عينيه، وقال بصوت مكسور
لأن أنا كمان عملت غلطة.
أنا كنت واقفة على بُعد خطوات منهم، وجوزي جنبي، وحسّيت إن كل دقيقة بتكشف سر جديد.
سألت نوح
غلطة إيه يا ابني؟ اتكلم بوضوح.
نوح فتح الملف، وطلع منه ورقة تانية.
من شهر تقريبًا، آرون طلب مني أساعده في تجهيز طلب المنحة. كان بيبعتلي بعض الرسومات علشان أراجعها معاه، وكنت عارف قد إيه هو متعلق بالفرصة دي.
سكت لحظة، وبعدين كمل
يوم الخميس، والد آرون كلمني. قال لي إنه قلقان على ابنه، وإنه شايفه بيهمل دراسته ومستقبله بسبب مرض ليلي. طلب مني أتكلم مع آرون وأقنعه يأجل مشروع المرسم لحد ما يخلص اختبار المنحة.
آرون رد بعصبية
وده مايديكش الحق إنك تتدخل في حسابي أو أوراقي!
نوح هز راسه.
أنا عارف. وأنا ما دخلتش حسابك، والله. لكن لما والدك قالي إنه سحب الطلب، أنا ما اعترضتش عليه وقتها. كنت فاكر إنه عمل كده علشان يحميك من قرار متسرع.
آرون بص لأبوه.
جوزي كان واقف ساكت، وملامحه مليانة ندم.
قال نوح
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي خلاني أخاف فعلًا.
طلع نوح موبايله، وفتح محادثة قديمة.
كان فيها رسالة من والد آرون، بيطلب منه يحتفظ بنسخة من بعض الرسومات اللي آرون بعتها له، علشان لو احتاجوا يثبتوا إن المشروع من شغله الأصلي.
نوح قال
أنا احتفظت بالرسومات فعلًا. وبعد ما عرفت إن فيه رسالة جديدة اتبعتت للجنة بتتهمك إنك مش صاحب المشروع، قررت أجيب كل الأدلة اللي عندي علشان أساعدك.
آرون فضل ساكت.
وبعدين سأله
طب ليه قلتلي إنك شفت بابا على اللابتوب، وماقولتليش إنك كنت عارف إنه سحب الطلب؟
نوح دموعه نزلت.
لأني كنت جبان يا آرون. كنت خايف تخسر ثقتك فيا، فحاولت أقول جزء من الحقيقة وأخبي الجزء اللي يخليني أنا كمان مسؤول عن اللي حصل.
الجملة دي وجعت آرون أكتر من أي حاجة تانية.
قال له بهدوء حزين
أنا كنت محتاجك تكون صريح معايا، مش تكون كامل. كان ممكن أزعل منك، لكن على الأقل كنت هعرف الحقيقة.
نوح هز راسه.
عندك حق. وأنا آسف.
لكن الوقت ماكانش بيسمح بمزيد من الكلام.
بصيت للساعة، ولقيت إن فاضل عشر دقايق على موعد المقابلة.
قلت بسرعة
يا آرون، لازم تدخل دلوقتي. موضوع نوح وباباك هنرجع له بعدين.
آرون أخد نفسًا عميقًا، ومسح دموعه، وضم اللوحة لصدره.
قبل ما يدخل، نوح مد له الملف وقال
خُد ده. فيه نسخ مؤرخة من رسوماتك الأولى، وصور ليك وإنت بتشتغل عليها، وكمان سجل الرسائل اللي كنت بتبعتلي فيها تطورات المشروع. لو طلبوا دليل، هتلاقي كل حاجة هنا.
آرون أخد الملف، لكنه ما ابتسمش.
قال لصاحبه
أنا هستخدم الأدلة دي علشان أثبت الحقيقة، مش علشان أبرر كدبك.
وبعدين دخل قاعة المقابلة.
القاعة كانت هادية، وفيها تلاتة من أعضاء لجنة التقييم قاعدين قدام طاولة طويلة.
آرون وقف قدامهم، وحط اللوحة على الحامل المخصص ليها.
رئيسة اللجنة، وهي ست في الخمسينات، بصت له وقالت
صباح الخير يا آرون. إحنا استلمنا رسائل متناقضة بخصوص طلبك، وعايزين نسمع منك بنفسك. هل المشروع ده من تصميمك وتنفيذك؟
آرون
تم نسخ الرابط