جوزي سابني حكايات زهرة

لمحة نيوز

جوزي سابني أنا وبنتي، وبعد 8 سنين رجع يطالب بياخدها مني.. بس اللي حصل يوم العزومة قلب البلد كلها! 
لما جوزي صابر لمّ هدومه وحاجته في شنطة كبيرة وخرج من البيت، بنتي منة كانت لسه مكملتش 3 سنين.
وقف قدامي وقال ببرود يا سمر، أنا مش قادر أكمل في العيشة دي! كل يوم مشاكل وديون وخناقات، وأنا تعبت ومش عايز أفضل شايل مسؤولية حد.
بصيت له وأنا مش مصدقة اللي بسمعه، وقلت له والدموع في عيني يعني إيه مش عايز تشيل مسؤولية حد؟ دي بنتك يا صابر! هتسيب بنتك الصغيرة لمين؟
رد وهو بيبص ناحية الباب إنتِ أمها، وإنتِ هتعرفي تتصرفي.
وبعدها حط ورقة الطلاق قدامي وقال لما تهدي، امضي الورقة وابعتيهالي.
وخرج من البيت، وسابني واقفة مكاني، حاسة إن سقف الدنيا وقع فوق دماغي.
فضلت مستنياه يرجع يوم واتنين وأسبوع، وكنت كل ما منة تسألني ماما، بابا راح فين؟ أقولها إنه مسافر شغل وهيرجع.
لكن الحقيقة ظهرت لما عرفت إنه سافر بره البلد مع واحدة اسمها نوال، كانت ساكنة في آخر شارعنا، وجوزها صبحي كان راجل طيب وعلى قد حاله، وعنده ولد صغير اسمه يوسف.
نوال كانت بتشتكي دايمًا من ضيق المعيشة، وصابر كان طول الوقت بيتكلم عن السفر وإنه نفسه يبدأ حياة جديدة بعيد عن المسؤوليات.
وفي الآخر، الاتنين قرروا يسافروا ويسيبوا ولادهم وراهم!
نوال سابت يوسف عند أبوه، وصابر ساب منة عندي، وكل واحد فيهم افتكر إن السفر هيحل كل مشاكله.
يومها مضيت ورقة الطلاق، مش عشان كنت بطلت أحبه، لكن عشان فهمت إن اللي يقدر يسيب بنته وهي لسه طفلة بالشكل ده، مش هيكون سند ليا ولا ليها.
وبدأت أصعب أيام حياتي.
كنت بصحى من الفجر، أجهز منة، وأسيبها عند أمي لحد ما أرجع من شغلي في محل ملابس صغير. وفي آخر اليوم أرجع أطبخ وأنضف وأحسب الفلوس اللي معايا عشان أعرف هتكفي مصاريف البيت ولا لأ.
أما صبحي، فكان بيشتغل باليومية في البناء، ويرجع آخر النهار هدومه مليانة تراب، ووشه باين عليه التعب.
كان بيعدي عليا أوقات يطمن على منة، ويجيب لها حلوى أو لعبة بسيطة معاه، ولما كنت أعتذر له إني مش هقدر أرد له تمن الحاجات دي، كان يقول لي عيب يا سمر، دي بنتنا كلنا، والقرش اللي بنصرفه على عيالنا عمره ما يضيع.
كنت أبتسم لكلامه، لكني ما كنتش أعرف إن الأيام مخبية لينا حكاية أكبر بكتير من اللي إحنا عايشينه.
في يوم، كنت قاعدة قدام البيت، ومنة بتلعب بدمية قديمة، ويوسف قاعد جنبها بيحاول يصلح لها عربية لعبة مكسورة.
سمعت صوت صبحي جاي من بعيد، ولما قرب لقيته شايل كيس فيه شوية فاكهة.
قعد على المصطبة وقال لي عارفة يا سمر، أنا ساعات بحس إن ربنا أخد مني حاجة، بس عوضني بناس أحسن منها.
بصيت له باستغراب، فقال يوسف بقى يسألني كل يوم عن أمه، وأنا مش عارف أقول له إيه. ومنة كل شوية تسأل عن أبوها، وإنتِ بتتعبي عشان تفرحيها. إحنا الاتنين اتوجعنا، بس لازم نفضل واقفين عشان العيال دي.
سكت شوية، وبعدين قلت له يا صبحي، إيه رأيك نتجوز؟
الكلمة خرجت مني فجأة، حتى أنا نفسي اتفاجئت إني قلتها.
بص لي باستغراب شديد، وقال إنتِ بتقولي إيه يا سمر؟ إنتِ عارفة إن ظروفي صعبة، وإن معنديش غير شغل اليوم بيومه؟
قلت له وأنا مش بدور على فلوسك، ولا مستنية منك قصر. أنا بدور على راجل يخاف ربنا فيا وفي بنتي، وأنا أكون له زوجة وأم لابنه. بدل ما كل واحد فينا يحارب الدنيا لوحده، نحاربها سوا.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال هفكر، وهصلي استخارة، ولو ربنا كتب لنا الخير، مش هتأخر عنك.
وبعد كام يوم، رجع لي وقال إنه موافق.
اتجوزنا بعد انتهاء عدتي، وبدأنا حياة بسيطة في بيت صغير، جدرانه محتاجة ترميم، وأثاثه قديم، لكن كان فيه حاجة عمري ما حسيت بيها في بيتي الأول الأمان.
صبحي كان بيصحى قبل الفجر، يروح شغله، وأنا أجهز الأكل وأهتم بالعيال، وبالليل كنا نقعد الأربعة حوالين ترابيزة واحدة، ناكل ونضحك ونحكي عن يومنا.
ومن أول يوم، اتفقنا إن منة ويوسف يبقوا إخوات بجد، من غير ما نحسس واحد فيهم إنه غريب عن التاني.
ولو منة عيطت عشان باباها، صبحي كان يقعد جنبها ويقول يا حبيبتي، أنا مش هقدر أكون مكان أبوكي الحقيقي، بس طول ما أنا عايش، مش هسيبك محتاجة حاجة وأنا قادر أجيبهالك.
والكلام ده كان بيخليني أحبه كل يوم أكتر.
أما أهلي، فكان ليهم رأي تاني خالص.
أمي جت لي يوم الفرح وهي متضايقة، وقالت يا سمر، إنتِ لسه صغيرة، تتجوزي واحد عنده عيل، وتشيلي همه وهم ابنه؟ ده إنتِ كده بتصعبي حياتك بإيدك!
وأبويا رفض يكلمني شهور، وكان شايف إني استعجلت في قراري.
لكن أنا كنت متأكدة إن صبحي راجل أصيل، وإن الأيام هتثبت لهم إني ما اخترتش غلط.
وبالفعل، الأيام بدأت تتغير.
صبحي ما كانش غني، لكنه كان أمين وشاطر في شغله، ومع الوقت اتعلم يشرف على العمال بدل ما يشتغل بإيده بس. وبعد سنين، فتح ورشة صغيرة، وبعدها اشترك مع واحد صاحبه في مشروع مقاولات بسيط.
وأنا كمان ما استسلمتش، بدأت أبيع ملابس من البيت، وبعد فترة استأجرت محل صغير.
كنا بنتعب، ونختلف أحيانًا على المصاريف، لكن عمر واحد فينا ما نام وهو زعلان من التاني، إلا لما نقعد ونتكلم ونحل المشكلة.
عدت سنة ورا سنة، والبيت الصغير بقى بيت واسع، والورشة بقت شركة مقاولات، ومحل الملابس بقى محل كبير معروف في البلد.
لكن أغلى حاجة كسبناها ما كانتش الفلوس.
كانت منة ويوسف.
منة بقت بنت شاطرة ومتفوقة، ويوسف بقى شاب محترم، وكل واحد فيهم كان بيعتبر التاني أخوه من غير أي فرق.
ولما حد كان يسأل منة عن أبوها، كانت تبتسم وتقول أبويا اللي رباني هو عمو صبحي، هو اللي كان جنبي وأنا صغيرة، وهو اللي علمني أكون قوية.
وصبحي كان كل ما يسمعها بتقول كده، يخبّي دموعه ويشغل نفسه بأي حاجة، عشان ما حدش يشوف تأثره.
لحد ما عدى تمان سنين كاملة، وفي يوم، وإحنا بنجهز عزومة كبيرة بمناسبة نجاح منة ويوسف، جالنا اتصال غيّر كل حاجة!
كان صبحي واقف في الحوش بيرتب الكراسي، وأنا في المطبخ بجهز الأكل، والعيال بيساعدونا في تزيين البيت.
رن تليفون صبحي، ورد، وبعد ثواني شفت وشه اتغير.
قال بصوت متوتر إنت مين؟ وعايز إيه؟
سكت شوية، وبعدها قال صابر؟!
أول ما سمعت الاسم، إيدي وقفت مكانها، والمعلقة وقعت مني في الحلة.
صبحي فضل يسمع من غير ما يتكلم، لحد ما قفل المكالمة وبص لي.
سألته وأنا قلبي بيدق بسرعة صابر رجع؟
هز راسه وقال رجع هو ونوال، وبيقولوا إنهم عايزين يشوفوا العيال.
حسيت برجلي مش شايلاني، مش خوفًا على نفسي، لكن عشان منة ويوسف أخيرًا هيواجهوا الناس اللي سابوهم وهم أطفال.
وقبل ما أقدر أرد، سمعت صوت منة جاية من الصالة، بتسأل ماما، مين صابر ده؟ وليه بابا صبحي وشه اتغير كده؟
بصيت لصبحي، ولقيته بيبص لي بنفس الحيرة.
لأننا كنا عارفين إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما، لكن عمرنا ما تخيلنا إنها هتيجي بالشكل ده.
وبالليل، وإحنا وسط العزومة، والبيت مليان أهل وأصحاب، والناس بتبارك للعيال على نجاحهم، اتفتح باب البيت فجأة.
دخل صابر ونوال، ووقفوا عند المدخل يبصوا حوالين المكان بانبهار.
صابر كان متخيل إنه هيرجع يلاقي مراته السابقة لسه عايشة على الذكريات، وإن بنته هتجري عليه أول ما تشوفه.
لكن أول ما شافني قاعدة جنب صبحي، وشاف البيت الكبير والناس اللي بتحترمنا، اتبدلت ملامحه تمامًا.
اتقدم خطوتين، وبص لصبحي، وبعدين بص لي، وفجأة ضرب بإيده على السفرة وقال بصوت عالي
إيه اللي أنا شايفه ده؟! إنتوا إزاي تعملوا كده من ورايا؟!
الناس كلها سكتت، والمزيكا وقفت، ومنة ويوسف قاموا من مكانهم.
أما صبحي، فقام بهدوء شديد، وبص لصابر في عينه وقال له
قبل ما تعلي صوتك في بيتي، افتكر كويس إنت كنت فين من تمان سنين، وساعتها هتعرف مين فينا له حق يتكلم!
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه ما حصلتش... لأن نوال، أول ما شافت يوسف واقف جنب منة، قالت جملة خلت كل اللي قاعدين يبصوا لها بصدمة!
نوال كانت واقفة عند باب الصالة، عينيها متعلقة بيوسف، ابنها اللي سابته وهو لسه طفل صغير، واللي دلوقتي بقى شاب طويل، ملامحه هادية، وواقف جنب منة كأنه أخوها من يوم ما اتولد.
قربت منه وهي بتعيط وقالت يوسف! يا حبيبي، إنت كبرت إزاي كده؟ تعالى لأمك!
يوسف ما اتحركش من مكانه، وبصلها باستغراب وقال حضرتك مين؟
السؤال نزل عليها زي الصاعقة.
قالت وهي بتمد إيدها ناحيته أنا أمك يا يوسف! أنا نوال، أمك اللي كانت مسافرة، وكنت كل يوم بفكر فيك!
يوسف رجع خطوة لورا، وبص لصبحي وقال بابا، هي دي ماما اللي كنت بتحكيلي عنها؟
صبحي هز راسه وقال بهدوء أيوه يا ابني، هي أمك.
نوال حطت إيدها على بقها، وفضلت تعيط، لكن يوسف قال جملة خلت العزومة كلها تسكت
طب وإنتِ كنتِ فين لما كنت بعيط بالليل عشان عايز أمي؟ كنتِ فين لما بابا كان بيرجع من الشغل تعبان، وبرضه يقعد جنبي عشان أعمل الواجب؟ كنتِ فين لما كنت بشوف زمايلي رايحين المدرسة مع أمهاتهم، وأنا كنت بروح مع بابا؟
نوال ما عرفتش ترد.
وفي اللحظة دي، صابر دخل في الكلام بعصبية وقال خلاص بقى يا يوسف! أمك رجعت، وإحنا جايين ناخدكم تعيشوا معانا، واللي فات مات!
منة اللي كانت واقفة جنبي، بصت له باستغراب، وبعدها قالت ناخد مين يا عمي؟!
صابر اتفاجئ من ردها، وقال أنا أبوكي يا منة، مش فاكراني؟
منة بصت لي، وبعدين بصت لصبحي، وقالت أيوه، فاكرة إن ماما قالت لي إن ليا أب اسمه صابر، وإنه سافر من زمان. بس إنت مش الشخص اللي رباني، ولا الشخص اللي كان جنبي وأنا تعبانة، ولا اللي كان بييجي المدرسة لما أحتاجه.
صابر وشه احمر من الغضب، وقال أنا أبوكي غصب عن أي حد، ومش هسيبك تضيع مني أكتر من كده!
صبحي اتقدم خطوة ووقف قدام منة، وقال بصوت ثابت محدش هيضيع حد، ومحدش هياخد قرار لوحده. دي مش شنطة هدوم هتشلها وتمشي بيها، دي بنت ليها مشاعر وحياة ومستقبل.
صابر ضرب بإيده على السفرة تاني وقال وإنت مالك إنت؟! إنت اتجوزت طليقتي، وربيت بنتي، وعايز تاخد مكاني كمان؟!
صبحي رد من غير ما يعلي صوته أنا ما أخدتش مكان حد. إنت اللي سبت مكانك فاضي، وأنا حاولت أكون سند لبنت محتاجة أب، زي ما كنت سند لابني اللي أمه سابته.
الكلام خلّى صابر يسكت للحظة، لكن نوال تدخلت وقالت بعصبية وإحنا رجعنا خلاص! ومعانا فلوس، ونقدر نعيش العيال أحسن عيشة. مش هنسيبهم في بيتكم بعد النهارده!
أنا ما قدرتش أسكت أكتر من كده.
قمت من مكاني، وبصيت لنوال وقلت يا نوال، الفلوس مش هي اللي بتخلي الأم أم، ولا البيت الكبير هو اللي بيخلي الأب أب. تمان سنين يا نوال! تمان سنين من عمر عيالكم، إنتوا ما كنتوش موجودين فيهم. دلوقتي افتكرتوا إن ليكم أولاد لما شفتوا إن حياتنا بقت أحسن؟!
نوال بصت لي بغضب وقالت إنتِ مالك؟ إنتِ اتجوزتي جوزي السابق، وربّيتي ابني، وأنا ما اعترضتش!
قلت لها لأن يوسف كان محتاج أم وأب، وإحنا ما حرمناهوش منكم يومًا. بالعكس، كنا بنحاول نحافظ على صورتكم قدامه، عشان ما يكبرش وهو شايل كره ليكم.
يوسف بص لأمه وقال ماما سمر عمرها ما قالت لي كلمة وحشة عنك، حتى لما كنت بسألها ليه مش بتيجي تشوفيني. كانت بتقول لي إن الظروف ساعات بتبعد الناس عن بعض.
وبعدين بص لنوال وكمل لكن أنا دلوقتي كبرت، وبقيت فاهم إن اللي بيحب حد، لازم يكون موجود جنبه، مش بس يرجع بعد سنين ويطلب منه ينسى كل حاجة.
نوال انهارت في العياط، وقعدت على أقرب كرسي، بينما صابر كان لسه واقف، مش قادر يستوعب إن بنته اللي سابها طفلة مش بتجري عليه، وإن الراجل اللي كان فاكره مجرد زوج بديل بقى أهم شخص في حياتها.
وفجأة، صابر لف وشه ناحيتي وقال وإنتِ يا سمر، إنتِ ليه ما استنتنيش؟! إزاي تتجوزي صبحي وتعيشي معاه كل السنين دي، كأني ما كنتش موجود؟!
بصيت له وأنا مش مصدقة إنه بيسألني السؤال ده، وبعدها قلت أستناك على إيه يا صابر؟ على ورقة الطلاق اللي سبتها لي؟ ولا على السنين اللي كنت فيها بحاول أوفر لبنتك تمن الأكل واللبس والمدرسة؟ إنت ما سبتليش وعد أستناه، إنت سبتلي مسؤولية بنت صغيرة، وأنا شلتها.
صابر فتح بقه عشان يرد، لكن صبحي رفع إيده وقال كفاية كلام دلوقتي. إحنا مش هنحل الموضوع بالصوت العالي، والعيال مش لعبة بين

تم نسخ الرابط