جوزي سابني حكايات زهرة
المرة دي، عايزك تشاركينى القرار من أوله لآخره، لأن الموضوع أكبر من مجرد فلوس أو ورق.
ولما فهمت صبحي كان بيفكر في إيه، حسيت إن الراجل اللي دخل حياتي من تمان سنين عشان نستر على بعض، لسه عنده مفاجآت هتخلّي عيلتنا كلها تقف على رجليها من جديد...
بعد حوالي شهر، منة رجعت من الكلية وهي ساكتة على غير عادتها، دخلت أوضتها وقفلت الباب، ورفضت حتى تتغدى معانا.
أنا قلقت عليها، فدخلت لها لقيتها قاعدة على السرير، وفي إيدها جواب.
قعدت جنبها وسألتها مالك يا منة؟ حصل إيه يا حبيبتي؟
بصت لي ودموعها في عينيها وقالت ماما، أنا جالي قبول في منحة دراسية في القاهرة، والمنحة دي ممكن تفتح لي مستقبل كبير، بس فيها مشكلة.
سألتها مشكلة إيه؟
قالت لازم أسافر وأقعد في سكن الطالبات، وهبقى بعيدة عنكم. وأنا نفسي أقبل المنحة، بس خايفة أسيبكم، خصوصًا بعد كل اللي حصل.
مسكت إيديها وقلت لها يا بنتي، إحنا ربيناكي عشان تشوفي مستقبلك، مش عشان تفضلي جنبنا طول العمر. لو دي فرصة كويسة ليكي، يبقى لازم نفكر فيها بجد.
لكن منة هزت راسها وقالت بابا صبحي مش هيوافق، هو بيتعب لما بكون بعيدة عنه.
في اللحظة دي، صبحي كان واقف بره الأوضة، وسمع كلامها كله.
دخل وقال مين قال إني مش هوافق؟
منة قامت من مكانها وقالت بس يا بابا، إنت هتبقى لوحدك!
صبحي ابتسم وقال يا حبيبتي، أنا اتجوزت أمك عشان نعيش سوا ونربيكم، مش عشان أربطكم بيا. لو ربنا فتح لك باب خير، يبقى لازم ندخله وإحنا مطمنين.
منة جريت عليه وفضلت تعيط وهي بتقول أنا بحبك أوي يا بابا.
رد عليها وأنا بحبك أكتر مما تتخيلي، وعشان كده عايز أشوفك أحسن واحدة في الدنيا.
تاني يوم، عرف صابر بالمنحة، وجالنا البيت وهو فرحان.
قال لمنة أنا مستعد أدفع لك مصاريف السفر والسكن وأي حاجة تحتاجيها.
منة شكرته وقالت متشكرة يا بابا، بس المنحة مغطية معظم المصاريف، وبابا صبحي وماما هيقدروا يساعدوني في الباقي.
صابر سكت شوية، وبعدها قال أنا عارف إنك مش محتاجة فلوسي عشان تثبتي إنك بتحبيني، بس نفسي أشارك في مستقبلك، حتى لو بحاجة بسيطة.
المرة دي، منة ابتسمت وقالت ممكن تساعدني أجهز الكتب والأدوات اللي محتاجاها؟
وشه نور، وقال من عيني يا بنتي!
كان موقف بسيط، لكنه كان بداية حقيقية لعلاقة مختلفة بينهم؛ علاقة مفيهاش ضغط ولا محاولات لشراء الحب.
أما يوسف، فكان عنده هو كمان خبر مهم.
كان بيشتغل ويدرس في نفس الوقت، وقدم على وظيفة في شركة كبيرة، وبعد اختبارات ومقابلات كتير، اتقبل فيها.
لما رجع البيت وقال لنا الخبر، صبحي قام من مكانه وحضنه وهو بيقول كنت عارف إنك هتوصل يا ابني!
يوسف ضحك وقال ده أنا لولاك يا بابا، ما كنتش عرفت أعدي نص الطريق.
نوال كانت قاعدة معانا في اليوم ده، وسمعت كلامه، فمسحت دموعها بهدوء.
بعد ما يوسف خلص كلامه، قربت منه وقالت أنا فخورة بيك يا يوسف.
بصلها وقال شكرًا يا ماما.
الكلمة كانت بسيطة، لكنها كانت أول مرة يناديها فيها ماما من ساعة ما رجعت.
نوال ما قدرتش تتمالك نفسها، وعيطت من الفرحة، لكن المرة دي يوسف هو اللي قعد جنبها، وفضل يسمعها وهي بتحكي عن السنين اللي ضاعت منها.
عدت الشهور، ومنة سافرت القاهرة وبدأت دراستها، ويوسف استقر في شغله، وأنا وصبحي بقينا نزورهم كل ما نقدر.
وفي يوم رجعنا من زيارة منة، لقينا صابر واقف قدام بيتنا، وشكله مختلف تمامًا عن كل مرة.
كان شايل شنطة صغيرة، ولما شافنا قال يا صبحي، يا سمر، ممكن أقعد معاكم شوية؟
صبحي رحب بيه، ودخلنا كلنا.
صابر قعد، وبعدها طلع من الشنطة صورة قديمة لمنة وهي صغيرة، كانت قاعدة على رجله قبل ما يسافر بوقت قصير.
فضل يبص للصورة، وبعدها قال أنا كنت فاكر إن أكبر خسارة في حياتي هي الفلوس اللي ضاعت مني في السفر، لكن اكتشفت إن أكبر خسارة كانت السنين اللي ضيعتها بعيد عن بنتي. كنت بجري ورا حياة أحسن، ونسيت إن الحياة من غير الناس اللي بنحبهم ملهاش معنى.
سكت شوية، وبعدين بص لصبحي وقال أنا مش جاي أطلب منك تسامحني على اللي فات، ولا جاي أقول لك إنك أخدت مكاني. أنا جاي أشكرك.
صبحي استغرب وقال تشكرني على إيه يا صابر؟
رد صابر لأنك عملت لبنتي اللي أنا ما عملتوش. ربيتها، ووقفت جنبها، وخليتها تطلع إنسانة محترمة، وما علمتهاش تكرهني رغم إني كنت أستاهل زعلها.
صبحي نزل عينه للحظة، وبعدها قال أنا ما ربيتش منة عشان تحبني أكتر منك، أنا ربيتها عشان تبقى إنسانة كويسة. واللي بيني وبينها عمره ما كان منافسة معاك.
صابر مد إيده وصافحه، ولأول مرة من ساعة رجوعه، حسيت إنه فعلًا بدأ يفهم معنى العيلة.
لكن قبل ما يمشي، وقف عند الباب وبص لي وقال يا سمر، أنا عارف إني جرحتك، وعارف إن مفيش كلام يقدر يرجع اللي فات. بس أتمنى في يوم تقدري تسامحيني، حتى لو مش دلوقتي.
بصيت له وقلت المسامحة مش معناها إننا ننسى اللي حصل، ولا إننا نرجع نعيش نفس الحياة. معناها إني مش هفضل شايلة الوجع طول عمري. وأنا بدأت أسيب الوجع ورايا، عشان نفسي وعيالي.
هز راسه، ومشي بهدوء.
صبحي قفل الباب، وبص لي بابتسامة وقال شايفة يا سمر؟ ساعات ربنا ما بيعوضناش بالطريقة اللي إحنا بنطلبها، لكنه بيعوضنا باللي إحنا محتاجينه فعلًا.
ابتسمت له، وأنا فاكرة اليوم اللي كنت فيه ست مطلقة، شايلة بنت صغيرة، ومش عارفة بكرة مخبي لي إيه.
ماكنتش أعرف وقتها إن الراجل اللي قعدت جنبه تحت شجرة الجميز، وطلبت منه نستر على بعض ونربي العيال سوا، هيبقى أماني وسندي وأحسن أب لولادي.
وعرفت إن العيلة مش بس الناس اللي بنبدأ حياتنا معاهم، لكن كمان الناس اللي بيفضلوا جنبنا لما الدنيا كلها تتخلى عننا.
تاني يوم الصبح، صحيت لقيت صبحي قاعد في الحوش، وقدامه ورق كتير، وبيكتب أسماء منة ويوسف وولادنا اللي ربنا رزقنا بيهم بعد كده.
قعدت جنبه وقلت له يا صبحي، إنت من إمبارح بتقول لي عندك مفاجأة، وأنا مش فاهمة إنت ناوي على إيه!
ابتسم وقال فاكرة أول ما اتجوزنا؟ كنا بنحسب تمن رغيف العيش، ونخاف آخر الشهر ما نلاقيش فلوس نجيب بيها لبس للعيال؟
ضحكت وقلت أنسى إزاي؟ ده إحنا كنا بنصلح هدومهم القديمة عشان تكمل معاهم السنة!
قال لي الحمد لله ربنا كرّمنا، وبقينا نقدر نعيشهم في مستوى كويس. بس أنا مش عايز الفلوس اللي جمعناها تتفرق بعد عمر طويل، ولا عايز عيالنا يختلفوا على حاجة إحنا تعبنا فيها.
بصيت للأوراق وسألته يعني إنت عايز تكتب الممتلكات بأسمائهم؟
رد مش بالظبط. أنا عايز أعمل ترتيب قانوني واضح، يضمن إن كل واحد فيهم ياخد حقه، وإن محدش يقدر يستغل التاني أو يظلمه.
عجبني تفكيره، وقلت له وأنا معاك، بس لازم كل حاجة تتعمل بالعدل، ومن غير ما نحسس حد إنه أغلى من التاني.
صبحي ابتسم وقال عشان كده أنا محتاجك جنبي.
وفعلًا، اتفقنا مع محامي متخصص، وبدأنا نراجع ممتلكاتنا وحساباتنا، ونحدد إزاي نضمن مستقبل العيال الأربعة، من غير ما نحملهم مسؤولية خلافات الكبار.
لكن المفاجأة اللي ما كنتش متوقعاها، إن صابر لما عرف بالموضوع، طلب يقابل صبحي لوحده.
في نفس اليوم، صابر جه البيت، واستنى لما أنا دخلت المطبخ، وبعدها قال لصبحي أنا سمعت إنك بتجهز أوراق عشان تضمن مستقبل العيال، وإنك معتبر منة ويوسف زي ولادك بالظبط.
صبحي رد أيوه، دول ولادي، وأنا مش بفرّق بينهم وبين أي طفل من صلبي.
صابر سكت شوية، وبعدها قال أنا عايز أطلب منك طلب، ومش عارف هتوافق عليه ولا لأ.
صبحي بص له وقال اتفضل، قول اللي عندك.
صابر أخد نفس طويل وقال أنا عايز أشارك في تأمين مستقبل منة، بس مش عايز ده يكون سبب في أي خلاف بينكم. عايز أعمل لها حساب خاص من فلوسي، وأضمن إن حقها يوصل لها، سواء أنا عشت أو مت.
صبحي بص له باهتمام، وقال دي حاجة كويسة، وحق منة إنك تساعدها، لكن لازم تعمل ده من غير ما تربط مساعدتك بأي طلب منها.
صابر هز راسه وقال اتعلمت الدرس ده متأخر، بس اتعلمته.
ولأول مرة، صبحي ابتسم له وقال يبقى نروح للمحامي سوا، ونخلي كل حاجة واضحة.
بعد أيام، اجتمعنا كلنا في مكتب المحامي، أنا وصبحي وصابر ونوال ومنة ويوسف.
المحامي شرح لنا إن كل شخص يقدر ينظم ممتلكاته والتزاماته بالطريقة القانونية المناسبة، وإن الأفضل إن أي اتفاق يتكتب بوضوح، عشان ما يبقاش فيه مجال لسوء الفهم بعدين.
منة كانت قاعدة تسمع باهتمام، وبعد ما المحامي خلص كلامه، رفعت إيدها وقالت أنا عندي طلب قبل ما نوقّع أي حاجة.
كلنا بصينا لها.
قالت أنا مش عايزة أي فلوس تتحول لمشكلة بيننا. أنا عايزة حقي، وحق إخواتي، يبقى محفوظ، لكن مش عايزة حد يحس إنه أقل من حد.
يوسف ابتسم وقال وأنا موافقها. إحنا اتربينا إخوات، ومش عايزين الفلوس تغير علاقتنا.
صبحي بص لهم بفخر، وصابر نزل عينه للأرض، وكأنه لأول مرة يشوف نتيجة حقيقية للسنين اللي ضيعها بعيد عن بنته.
وبعد الاجتماع، صابر طلب منة تتمشى معاه شوية.
وافقت، وخرجوا سوا، وأنا كنت قلقة، لكن صبحي طمني وقال سيبيهم يتكلموا. منة كبرت، وبقت تعرف تحط حدودها وتاخد قراراتها.
بعد حوالي ساعة، رجعت منة، وكان وشها هادي.
سألتها اتكلمتوا في إيه يا بنتي؟
ابتسمت وقالت بابا صابر حكى لي عن حاجات كتير ندم عليها، وقال لي إنه مش طالب مني أنسى، بس نفسه أسمح له يصلح اللي يقدر عليه.
سألتها وإنتِ قولتِ له إيه؟
ردت قلت له إننا هنفضل نحاول، بس الثقة محتاجة وقت، وأنا مش هحكم عليه بكلامه، هحكم عليه بأفعاله.
حضنتها وأنا فخورة بيها، لأنها قدرت تسامح من غير ما تنكر وجعها، وتفتح باب جديد من غير ما تسمح لحد يكرر نفس الغلط.
مرت شهور، وبدأنا نشوف نتيجة التغيير في حياتنا.
صابر بقى منتظم في زياراته، ونوال بقت تحاول تعوض يوسف عن غيابها من خلال اهتمام حقيقي بدراسته وحياته، من غير ما تتدخل في قراراته أو تفرض عليه مشاعر مش جاهز لها.
أما صبحي، ففضل زي ما هو؛ الراجل اللي بيصحى بدري، ويتابع شغله، ويرجع البيت يسأل كل واحد من العيال عن يومه، وكأن نجاحه الحقيقي مش في الشركة ولا الفلوس، لكن في البيت اللي بناه معايا.
وفي يوم، كنا قاعدين كلنا على السفرة، منة بتحكي عن مشروعها الجديد، ويوسف بيتكلم عن ترقية في شغله، وصابر ونوال قاعدين يسمعوا.
فجأة، منة رفعت كوباية العصير وقالت أنا عايزة أقول كلمة.
الكل سكت.
قالت وهي بتبص لصبحي لو فيه حاجة اتعلمتها في حياتي، فهي إن الأبوة مش مجرد اسم مكتوب في شهادة الميلاد. الأبوة إنك تكون موجود وقت الخوف، وتفرح لنجاح ولادك، وتستحمل زعلهم، وتفضل جنبهم حتى لما يكبروا ويختاروا طريقهم بنفسهم.
صبحي نزل عينه، وابتسم وهو بيحاول يخبي دموعه.
منة كملت وأنا محظوظة إن ربنا رزقني بأب علمني معنى الكلام ده بالفعل، مش بالكلام بس.
صابر كان بيسمعها، وبدل ما يغضب أو يقاطعها، مد إيده وصافح صبحي قدام الكل وقال شكرًا إنك كنت الأب اللي بنتي احتاجته وأنا بعيد.
صبحي رد ربنا يسامحنا كلنا على أخطائنا، ويقدرنا نصلح اللي نقدر عليه.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا وصلنا لحاجة أكبر من أي تعويض مادي؛ وصلنا لمرحلة نقدر فيها نقعد كلنا على سفرة واحدة، من غير ما الماضي يتحول لخناقة جديدة.
لكن بعد انتهاء العزومة، وأنا بلمّ الأطباق، دخلت منة المطبخ وقالت لي بصوت واطي
ماما، أنا عايزة أقول لك سر، بس أوعي تزعلي مني...
بصيت لها باستغراب وقلت سر إيه يا بنتي؟
مسكت إيدي، وقالت جملة خلتني أسيب الطبق اللي في إيدي من الصدمة...
أنا وصبحي اتفقنا على حاجة من غير ما نقولك، وكنت مستنية الوقت المناسب عشان تعرفي!
بصيت لمنة وأنا قلبي اتقبض، وقلت لها اتفقتوا على إيه يا بنتي؟ وإزاي تتفقي مع بابا صبحي على حاجة من غير ما أعرف؟
منة مسكت إيدي وقالت بسرعة والله يا ماما ما كان قصدنا نخبي عنك حاجة وحشة، بس بابا صبحي كان عايز يعمل لك مفاجأة، وأنا ساعدته.
قلقت أكتر وقلت مفاجأة إيه دي اللي تخليكم تتفقوا من ورايا؟
ابتسمت منة، ومسحت دموعها، وقالت بابا صبحي اشترى لك بيت صغير على البحر، وكان ناوي يجهزه عشان يبقى مكان نرتاح فيه كلنا، ونقضي فيه الإجازات سوا. وهو كمان قرر يكتب لك نصيبك في الممتلكات اللي تعبتوا فيها مع بعض، عشان يضمن إن حقك محفوظ مهما حصل.
وقفت مكاني مش قادرة أتكلم.
بعد شوية، خرجت من المطبخ ولقيت صبحي قاعد في الصالة، فقعدت جنبه وقلت له إنت عملت كل ده إمتى يا صبحي؟ وليه ما قلتليش؟
ابتسم وقال عشان كنت عايز
أشوف الفرحة في عينيكي. إنتِ يا سمر كنتِ معايا من أول يوم، يوم ما ما كانش عندنا غير بيت صغير وأمل كبير. تعبتي معايا، ووقفتي جنبي، وربّيتي ولادي كأنهم ولادك، وعمرك ما حسستيني إن يوسف مسؤولية زيادة عليكي.
مسكت إيده ودموعي نزلت، وقلت له أنا ما كنتش مستنية منك بيت على البحر ولا فلوس. أنا كل اللي كنت محتاجاه إنك تفضل جنبي، زي ما كنت دايمًا.
صبحي ابتسم وقال وأنا مش محتاج من الدنيا أكتر من إني أشوفك مبسوطة، وأشوف عيالنا بخير.
وفي اللحظة دي، دخل صابر ونوال، وكانوا سامعين آخر كلامنا.
صابر قرب من صبحي وقال تعرف يا صبحي، زمان كنت فاكر إن الراجل قيمته في الفلوس اللي معاه، وفي قدرته إنه يوفر كل حاجة لأهله. لكن بعد اللي شفته منك، فهمت إن القيمة الحقيقية في المواقف، وإن الراجل ممكن يملك الدنيا كلها ويخسر أغلى حاجة فيها لو ما عرفش يحافظ عليها.
صبحي رد بهدوء كلنا بنغلط يا صابر، بس المهم نتعلم من غلطنا قبل ما العمر يخلص.
نوال بصت ليوسف، اللي كان واقف جنب منة، وقالت أنا مش هقدر أرجع السنين اللي ضيعتها بعيد عنك، لكن أوعدك إني هحاول أكون أم تستحق إنك تديها فرصة.
يوسف ابتسم وقال خلينا نبدأ من النهارده، يا ماما. اللي فات مش هنقدر نغيره، لكن اللي جاي نقدر نخليه أحسن.
ومن يومها، بقت علاقتنا كلنا أهدى وأحسن. مش معنى كده إن الماضي اتمسح، ولا إن الوجع اختفى في يوم وليلة، لكن كل واحد فينا بدأ يتحمل مسؤولية قراراته، ويحاول يصلح اللي يقدر عليه.
منة كملت طريقها ونجحت في شغلها، ويوسف بنى مستقبله، وصابر ونوال فضلوا يحاولوا يقربوا من ولادهم من غير ضغط، وأنا وصبحي كملنا حياتنا سوا، بنفس الحب اللي بدأ يوم ما كنا بنحاول نستر على بعض ونربي طفلين مالهمش ذنب في اللي حصل.
وبعد سنين، في يوم عيد ميلاد منة ويوسف، اجتمعنا كلنا في البيت الكبير، والضحك مالي المكان.
منة وقفت وقالت أنا عايزة أشكر ربنا على نعمة كبيرة في حياتي. يمكن طفولتي ما كانتش سهلة، ويمكن اتوجعت من غياب أبويا، لكن ربنا عوضني بإنسان علمني إن الأبوة أفعال، وإن الحب مش كلام، وإن العيلة مش لازم تبدأ كاملة عشان تبقى حقيقية.
وبصت لصبحي وقالت شكرًا يا بابا، لأنك اخترت تكون موجود، كل يوم، حتى في الأيام اللي ما كانش فيها أي مقابل غير إنك تشوفنا بخير.
صبحي دموعه نزلت، ويوسف قام وقف جنبه، وأنا فضلت أبص لهم وأنا حاسة إن كل تعب السنين كان له معنى.
بعد العزومة، طلعت أنا وصبحي نقعد في الحوش، تحت السما الهادية، وقلت له فاكر أول يوم اتكلمنا فيه تحت شجرة الجميز؟
ضحك وقال أيوه، وكنت فاكر إنك بتهزري لما طلبتي مني أتجوزك!
ضحكت وقلت وأنا كنت فاكرة إنك هتخليني أستنى شهر على الأقل عشان ترد!
بص لي وقال الحمد لله إني ما استنيتش، وإلا كنت خسرت أحلى حاجة حصلت في حياتي.
سندت راسي على كتفه، وقلت وأنا الحمد لله إني اخترت الراجل الصح.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بنتمناه، لكنها ساعات بتدينا اللي محتاجينه فعلًا، وإن اللي يسيبنا وقت الشدة مش شرط نفضل مستنيينه طول العمر.
صابر ونوال رجعوا بعد تمان سنين يطالبوا بولادهم، لكنهم اكتشفوا إن السنين اللي ضاعت ما بتتعوضش بالفلوس، وإن الأبوة والأمومة مش حقوق بنطالب بيها وبس، لكنها مسؤولية بنثبتها كل يوم.
أما أنا وصبحي، فبدأنا حياتنا من وجع وخذلان، لكننا بنينا بيت مليان أمان واحترام، وأثبتنا إن الإنسان ممكن يخسر بداية حياته، لكنه يقدر يصنع نهاية أجمل بإيده.
والدرس اللي اتعلمته من كل اللي حصل ما تختارش شريك حياتك على أساس كلامه أو شكله أو فلوسه، اختاره على أساس أصله ومواقفه وقت الشدة؛ لأن اللي بيكون سندك في أصعب أيامك، هو اللي يستحق يشاركك أجمل أيامك.