جوزي سابني حكايات زهرة
المحتويات
ما بدأتش بالطريقة اللي كنا نحلم بيها، لكنها اتبنت بالحب والصبر والمواقف.
لكن بعد فترة قصيرة، وصلنا خبر خلّى كل العيلة تتجمع من جديد، وخلّى صابر ونوال يكتشفوا إن إصلاح الماضي مش آخر اختبار ليهم، وإن فيه قرار مهم جدًا هيخص مستقبل منة ويوسف...
رجعت أنا وصبحي البيت بسرعة، وقلبي كان مقبوض من الرسالة اللي بعتها منة.
أول ما دخلنا، لقينا صابر قاعد في الصالة، ونوال جنبه، ومنة ويوسف واقفين قصادهم وملامحهم كلها قلق.
بصيت لمنة وسألتها حبيبتي، إيه اللي حصل؟ وإيه السر اللي بيتكلموا عنه؟
صابر قام من مكانه وقال اقعدي يا سمر، المرة دي لازم تسمعي الحقيقة كاملة، حتى لو مش هتعجبك.
صبحي رد عليه بحزم اتكلم، بس من غير لف ودوران.
صابر بص لنوال، وهي فضلت ساكتة، بتفرك إيديها في بعض، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها.
وبعد لحظات، قال صابر قبل ما نسافر بسنين، كنت أنا ونوال مخططين نبدأ مشروع بره مصر. كنا فاكرين إننا هنقدر نحقق فلوس كتير في وقت قصير، وهنرجع ناخد عيالنا ونوفر لهم حياة أحسن.
بصيت له بصدمة وقلت يعني إنت سبت بنتك وهي عندها تلات سنين، وسبتني أشيل المسؤولية لوحدي، وكل ده عشان مشروع؟!
نزل عينه للأرض وقال أنا عارف إني غلطت، بس الموضوع ما كانش بالسهولة اللي إنتِ متخيلاها.
نوال دخلت في الكلام وقالت إحنا خسرنا كل فلوسنا في المشروع، واتورطنا في ديون كبيرة، وكل مرة كنا نقول هنرجع، كانت تحصل مشكلة جديدة.
يوسف سألها بمرارة طب ما كنتيش تقدري تبعتي لي جواب؟ حتى تسألي عليا؟
نوال عيطت وقالت كنت خايفة أرجع من غير فلوس، وكنت مكسوفة من نفسي.
يوسف رد عليها يعني كنتِ خايفة من كلام الناس أكتر ما كنتِ خايفة على ابنك؟
نوال غطت وشها بإيديها، وما قدرتش ترد.
أما صابر، فطلع ورقة من الملف اللي معاه، وحطها قدام صبحي.
وقال دي الورقة اللي المحامي اكتشفها. من تمان سنين، قبل ما أسافر، كنت ماضي على مستند متعلق بميراث أبويا، وكان المفروض الفلوس دي تروح لبنتي لما تكبر.
صبحي مسك الورقة وبدأ يقراها، وبعدها رفع عينه باستغراب.
قلت له في إيه يا صبحي؟
رد وهو بيقلب الورقة الورقة دي محتاجة مراجعة من محامي متخصص، لأن صابر بيقول إن فيه مبلغ متسجل باسم منة، ولازم نعرف إذا كان الكلام ده صحيح وإيه حقوقها بالضبط.
صابر هز راسه وقال أيوه، وأنا عايز أضمن إن بنتي تاخد حقها.
بصيت له وقلت لو ده حق منة فعلًا، محدش هيمنعها منه. لكن حقها ده مالوش علاقة بإنك تضغط عليها عشان تعيش معاك.
صابر سكت، وبعدها قال أنا مش عايز أضغط عليها، أنا بس عايزها تعرف إن لسه ليها أب بيفكر في مستقبلها.
منة كانت واقفة طول الوقت ساكتة، وفجأة اتكلمت وقالت يا بابا صابر، أنا مش محتاجة حد يثبت لي إنه يقدر يدفع فلوس. أنا محتاجة أعرف ليه سبتني، وليه رجعت دلوقتي بالذات.
صابر بص لها، وعينيه بدأت تدمع.
قال لأنني أخيرًا فهمت إن الفلوس اللي كنت بجري وراها مش هتعوضني عن السنين اللي ضيعتها منك.
منة ما ردتش، لكن واضح إنها كانت بتحاول تستوعب كلامه.
تاني يوم، رحنا كلنا لمكتب المحامي، وراجعنا المستندات واحدة واحدة.
المحامي وضح إن فيه إجراءات لازم تتعمل للتأكد من صحة الأوراق، وإن أي حق مالي يخص منة لازم يتحفظ لها بشكل قانوني، بعيدًا عن الخلافات العائلية.
صبحي أصر إن كل حاجة تتم بشكل رسمي، وإن منة تعرف تفاصيل الموضوع على قد ما يناسب سنها، من غير ما حد يستخدم الفلوس وسيلة للضغط عليها.
وصابر وافق، رغم إنه كان واضح عليه الضيق.
بعد ما خلصنا، خرجت أنا وصبحي نتمشى شوية، وقلت له إنت مش خايف إن صابر يحاول يستخدم الفلوس عشان يقرب من منة على حسابك؟
ابتسم صبحي وقال لو منة قربت من أبوها، ده مش معناه إنها بعدت عني. أنا عمري ما ربيتها عشان تفضل محتاجاني، أنا ربيتها عشان تبقى إنسانة مستقلة، وتعرف تختار الصح.
الكلام ده ريحني جدًا.
لكن اللي حصل بعدها بأيام كان محتاج مننا كلنا شجاعة كبيرة.
منة بدأت تقابل صابر مرة كل أسبوع، في وجودنا في البداية، وبعدها بقت تقعد معاه فترات أطول لما بدأت تحس إنها مستعدة.
ويوسف كمان بدأ يتكلم مع نوال، لكنه كان واضح معاها من البداية إنه مش هيقدر يرجع يحبها كأنها ما غابتش.
أما أنا، فكنت بحاول أتعامل معاهم بهدوء، مش عشان نسيت اللي حصل، لكن عشان ما أحطش العيال في صراع هما مالهمش ذنب فيه.
لحد ما جه يوم عيد ميلاد منة.
صبحي كان محضر لها مفاجأة كبيرة، وجاب لها هدية كانت نفسها فيها من سنين، وصابر كمان جه ومعاه هدية غالية.
منة شكرت الاتنين، وبعد ما خلصنا الاحتفال، طلبت مننا كلنا نقعد في الصالة.
بصت لصبحي وقالت يا بابا، أنا عايزة أقول لك حاجة.
صبحي ابتسم وقال قولي يا حبيبتي.
مسكت إيده وقالت أنا عارفة إنك مش أبويا اللي اتولدت منه، لكن إنت أبويا اللي عشت معاه كل يوم في حياتي، واللي علمني معنى الأمان. ومهما حصل، عمري ما هنسى ده.
صبحي حاول يبتسم، لكن دموعه سبقته.
بعدها منة لفت لصابر وقالت وإنت كمان أبويا، وأنا مش عايزة أفضل شايلة منك وجع العمر كله. أنا مستعدة أديك فرصة نعرف بعض من جديد، لكن مش هقدر أمحي تمان سنين من حياتي.
صابر نزل راسه، وبعدها قال أنا موافق يا بنتي. مش هطلب منك تنسي، كل اللي بطلبه إنك تسمحي لي أحاول أصلح اللي أقدر عليه.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا أخيرًا بدأنا نخرج من المعركة اللي دخلناها من يوم رجوعهم.
لكن صبحي، اللي كان ساكت طول الوقت، بص لصابر وقال له فيه حاجة لازم تعرفها إنت ونوال قبل ما نمشي من هنا.
الكل بص له باستغراب.
صبحي كمل أنا وسمر عمرنا ما اعتبرنا منة ويوسف مسؤولية مؤقتة، ولا ربيناهم عشان نرجع نطالب بمقابل. إحنا عملنا ده لأنهم عيالنا في القلب، وده عمره ما هيتغير.
وبعدين فتح درج جانبي، وطلع ظرفين، واحد باسم منة والتاني باسم يوسف.
وقال دول ورق كنت مجهزه من فترة، وكنت مستني اليوم المناسب عشان أديهولهم.
منة فتحت الظرف بتاعها، وفضلت تقرا الورق وهي مش مصدقة عينيها.
وبصت لصبحي وقالت بابا... إنت عملت كل ده عشاني؟!
صبحي ابتسم وقال عشانك إنتِ وأخوكي. لأن مستقبلكم أهم من أي خلاف بين الكبار.
لكن أول ما صابر شاف محتوى الورق، اتغيرت ملامحه تمامًا، وبص لصبحي وقال بصوت مخنوق
إنت كنت عارف من البداية؟!
صبحي رفع عينه له، ورد بكلمتين بس...
عارف من إمتى؟
بعد مرور سنة، كنت فاكرة إن حياتنا أخيرًا استقرت، وإن كل واحد فينا بدأ ينسى وجع الماضي ويعيش من جديد.
لكن في يوم، وأنا بجهز الغدا، جالي اتصال من منة، وكانت بتعيط بطريقة خوفتني.
قلت لها بسرعة مالك يا منة؟ حصل إيه يا حبيبتي؟ إنتِ تعبانة؟
ردت بصوت متقطع ماما، أنا محتاجاكم تيجوا القاهرة النهارده، فيه موضوع مهم جدًا، ومش عارفة أتصرف فيه لوحدي.
قلبي اتقبض، ناديت على صبحي، وقلنا لها إننا هنيجي فورًا.
بعد ساعتين كنا في الطريق، وكل شوية أتصل بيها أطمن عليها، لكنها كانت بتقول إنها كويسة، وإنها مستنيانا في السكن.
ولما وصلنا، لقيناها قاعدة في أوضتها، وقدامها ملف كبير وأوراق كتير.
صبحي قعد جنبها وقال خير يا بنتي؟ خوفتينا عليكي.
منة بصت لنا وقالت أنا جالي عرض إني أكمل دراستي في جامعة بره مصر، بمنحة كاملة، وبعد التخرج ممكن أشتغل هناك.
فرحت جدًا، وقلت لها يا حبيبتي، دي فرصة عظيمة! أمال إنتِ بتعيطي ليه؟
قالت عشان المنحة مدتها طويلة، وأنا مش عارفة أعمل إيه. صابر عرف بالموضوع، وبيقول إنه مش موافق أسافر، وإنه مش هيقدر يستحمل إني أبعد عنه تاني.
صبحي سكت شوية، وبعدها سألها وإنتِ نفسك إيه يا منة؟
قالت نفسي أسافر، وأحقق حلمي، بس مش عايزة أخسر بابا صابر بعد ما بدأنا نقرب من بعض.
صبحي ابتسم وقال يا منة، اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تتنازلي عن مستقبلك عشان يطمن إنك موجودة جنبه. إحنا بنحبك، وهنوحشك طبعًا، لكن فرحتنا بنجاحك أكبر من زعلنا على فراقك.
في اللحظة دي، منة قامت وحضنته، وبعدها مسحت دموعها وقالت خلاص، أنا هاخد الخطوة دي.
بعد كام يوم، صابر عرف إن منة قررت توافق على المنحة، وجالنا البيت وهو متضايق.
قال لي إنتوا بتشجعوها تسافر وتبعد عننا تاني؟ هي لسه بدأت تعرفني، ودلوقتي هتروح بلد تانية!
صبحي رد بهدوء يا صابر، منة مش مسؤولة عن السنين اللي ضاعت منك. وما ينفعش تطلب منها توقف حياتها عشان تعوضك عنها.
صابر قال بعصبية يعني إنتوا شايفين إن رأيي مالوش قيمة؟
قلت له رأيك مهم، ومشاعرَك مهمة، بس قرار مستقبل منة لازم يتاخد لمصلحتها. تقدر تزعل من بعدها، لكن ما ينفعش تحسسها بالذنب عشان اختارت حلمها.
صابر سكت، وفضل باصص للأرض فترة طويلة.
وبعدين قال أنا خايف أكرر نفس الغلطة. خايف أسافر من غيرها، ولما ترجع ألاقيها كبرت وبقت بعيدة عني تاني.
صبحي رد عليه الفرق المرة دي إنك تقدر تفضل موجود في حياتها حتى لو المسافات بعيدة. مكالمة كل يوم، سؤال عن دراستها، اهتمام حقيقي بيها. الأبوة مش مرتبطة بعنوان البيت.
الكلام أثر فيه، وبعد يومين اتصل بمنّة وقال لها إنه موافق على سفرها، وإنه هيساعدها في أي حاجة تحتاجها.
منة فرحت جدًا، وقالت له شكرًا يا بابا، أنا كنت خايفة تزعل مني.
رد عليها أنا هزعل عشان مش هشوفك كل يوم، لكن عمري ما هزعل منك عشان بتنجحي.
وجاء يوم السفر.
كنا كلنا في المطار؛ أنا وصبحي وصابر ونوال ويوسف، وكل واحد فينا بيحاول يخبي حزنه بابتسامة.
منة كانت واقفة قدامنا، بتبص لنا واحد واحد، وبعدها قالت أنا مش عارفة أشكركم إزاي على كل اللي عملتوه عشاني.
صبحي قال لها ما تشكريناش بالكلام يا بنتي، خليكي دايمًا فخورة بنفسك، وافتكري إن البيت ده بيتك مهما رحتي بعيد.
وصابر أداها ظرف فيه فلوس، وقال دي مساعدة بسيطة مني، عشان لو احتجتي أي حاجة هناك، ما تتردديش تكلّميني.
منة قبلت الهدية وشكرته، وبعدها بصت لنوال ويوسف وودعتهم.
ولما جه وقت دخولها، لفتت ناحيتنا مرة أخيرة، ورفعت إيدها تودعنا.
صبحي فضل واقف مكانه لحد ما اختفت من قدام عينه.
في طريق الرجوع، كان ساكت تمامًا.
مسكت إيده وقلت له زعلان؟
بص لي وقال طبعًا هتوحشني، بس أنا فخور بيها. البنت اللي كانت بتعيط عشان أبوها سابها، بقت دلوقتي قادرة تسافر وتبني مستقبلها بنفسها.
ابتسمت وقلت له عشان كان عندها أب ما سابهاش.
صبحي بص لي، وابتسم من غير ما يتكلم.
مرت سنتين، ومنة كانت بتبعت لنا صورها وتحكي لنا عن دراستها، ويوسف اتقدم في شغله، وبدأ يجهز شقة صغيرة لنفسه.
وفي يوم، وصلتنا رسالة من منة بتقول إنها راجعة مصر في إجازة، وإن عندها مفاجأة كبيرة لينا.
فضلنا نستعد لاستقبالها، وصبحي بنفسه راح اشترى كل الأكلات اللي بتحبها.
ولما وصلت، جريت علينا وهي بتضحك، وسلمت على الكل، وبعدها طلبت مننا نقعد كلنا في الصالة.
قالت أنا عندي خبر، وعايزة أقوله لكم كلكم مع بعض.
بصينا لها بترقب.
طلعت ورقة من شنطتها، وحطتها قدام صبحي.
كانت نتيجة تقييم مشروع كبير اشتغلت عليه في الجامعة، ومعاها خطاب بترشيحها لفرصة مهنية مميزة بعد التخرج.
صبحي قرا الورقة، ووشه نور بالفرحة، وقال ألف مبروك يا بنتي! ربنا يكرمك أكتر وأكتر.
لكن منة ما اكتفتش بكده.
بصت لنا وقالت أنا قررت بعد ما أخلص البرنامج إني أرجع مصر، وأبدأ مشروع خاص بيا، وأشتغل هنا. أنا عايزة أستفيد من اللي اتعلمته، وأبني حاجة في بلدي، وأفضل جنبكم.
أنا فرحت جدًا، لكن صبحي سألها إنتِ متأكدة إن ده قرارك إنتِ، مش عشان خايفة تسيبينا؟
منة ابتسمت وقالت متأكدة يا بابا. أنا سافرت وحققت جزء كبير من حلمي، ودلوقتي عندي حلم جديد. ومش هتنازل عن مستقبلي، لكن عايزة أعيش حياتي بالطريقة اللي تريحني.
صبحي هز راسه بإعجاب وقال طالما ده اختيارك، إحنا سندك.
وفي اللحظة دي، صابر قام من مكانه، ومد إيده لصبحي وقال أنا عمري ما هقدر أعوض السنين اللي ضيعتها، لكن اتعلمت منك حاجة مهمة؛ إن الأب مش اللي بيقرر لولاده يعيشوا إزاي، الأب هو اللي يساعدهم يلاقوا الطريق الصح.
صبحي صافحه وقال كلنا بنتعلم يا صابر، المهم ما نفضلش أسرى للغلط اللي عملناه زمان.
وبصيت لهم، وأنا حاسة إن السنين أخيرًا هدت الجرح اللي كان مفتوح من يوم ما اتسابنا.
لكن في نفس الليلة، بعد ما الكل مشي، صبحي ناداني وقعدني جنبه، وقال لي يا سمر، فيه موضوع بقاله فترة في بالي، وكنت مستني منة ترجع عشان أتكلم معاكي فيه.
بصيت له باستغراب وقلت خير يا صبحي؟ قلقتني!
ابتسم وقال أنا بفكر أعمل حاجة للعيال الأربعة، حاجة تضمن لهم مستقبلهم حتى لو إحنا في يوم ما بقيناش موجودين.
سكت لحظة، وبعدها قال بس
متابعة القراءة