جوزي سابني حكايات زهرة

لمحة نيوز

إيدينا. لو فعلًا رجعتوا عشانهم، يبقى لازم نفكر في مصلحتهم قبل أي حاجة.
الناس اللي كانت قاعدة في العزومة بدأت تتكلم، وفيه ناس طلبت من صابر ونوال يهدوا، وناس تانية قالت إن من حق العيال يختاروا يعيشوا إزاي بعد كل السنين دي.
لكن صابر كان عنده إصرار غريب.
بص لصبحي وقال أنا مش همشي من هنا غير لما أعرف بنتي هترجع معايا إمتى!
صبحي رد بهدوء مش الليلة دي، ومش بالطريقة دي.
وبعدين نادى على منة ويوسف، وقال لهم إنتوا مش مضطرين تردوا على حد دلوقتي. دي حياتكم، وإحنا هنسمعكم ونقف جنبكم مهما كان قراركم.
منة مسكت إيدي، ويوسف وقف جنب أبوه، ولأول مرة من ساعة ما صابر ونوال دخلوا البيت، حسيت إن العيال مش خايفين.
لكن قبل ما صابر يخرج، قرب من صبحي وقال له بصوت واطي، افتكر إنه محدش سمعه
إنت فاكر إنك كسبت؟ أنا هرجع بنتي، وهرجع كل حاجة كانت بتاعتي.
صبحي بص له وقال بنتك مش حاجة تتملكها، ومراتي مش جايزة حد يكسبها أو يخسرها. ولو إنت جاي تصلح اللي فات، الباب مفتوح للكلام. إنما لو جاي تهد اللي بنيناه، يبقى إنت لسه ما اتعلمتش حاجة من السنين اللي عدت.
صابر خرج وهو بيغلي من الغضب، ونوال خرجت وراه بعد ما بصت ليوسف نظرة طويلة.
ولما الباب اتقفل، العزومة رجعت هادية، لكن محدش كان عنده نفس يكمل أكل.
منة بصت لي وسألتني بصوت مكسور ماما، هو ممكن ياخدوني منكم؟
قلبي وجعني، لكني مسكت إيديها وقلت محدش يقدر ياخد قرار يخص حياتك من غير ما نسمعك ونشوف مصلحتك يا حبيبتي. وإحنا مش هنسيبك تواجهِي حاجة لوحدك.
صبحي قرب منها وقال إنتِ بنتي، وده عمره ما هيتغير.
منة حضنته وهي بتعيط، ويوسف وقف جنبهم، وأنا كنت ببص للمشهد وبدعي ربنا إن اللي بنيناه في تمان سنين ما يتهدش في يوم وليلة.
لكن تاني يوم الصبح، حصلت حاجة ما كانتش على بالنا أبدًا... لأن صابر رجع البيت لوحده، ومعاه ورق في إيده، وقال إنه عايز يتكلم مع منة في موضوع هيغيّر كل حاجة!
تاني يوم الصبح، كنت في المطبخ بجهز الفطار، وصبحي كان قاعد مع يوسف بيراجعوا ورق الكلية، ومنة كانت لسه نايمة.
فجأة، سمعنا خبط جامد على الباب.
صبحي قام يفتح، ولما شاف صابر واقف قدامه، وشه اتغير.
صابر دخل من غير ما يستنى دعوة، وحط ملف كبير على الترابيزة وقال أنا جاي أتكلم مع بنتي، وعايزكم تسمعوني للآخر من غير مقاطعة.
صبحي رد بهدوء اتفضل اقعد، بس اتكلم باحترام.
صابر قعد، وفتح الملف، وطلع منه شوية أوراق، وبعدها قال أنا ونوال رجعنا مصر عشان نبدأ حياة جديدة. معانا فلوس، وهنشتري شقة، وأنا عايز منة تيجي تعيش معايا. وأنا مستعد أصرف عليها وأعوضها عن كل السنين اللي فاتت.
بصيت له وقلت وإنت متخيل إن الفلوس هتعوض بنتك عن تمان سنين غياب؟
رد بعصبية أنا مش جاي أتحاسب على الماضي! أنا أبوها، ومن حقي أشوفها وأربيها!
صبحي قال محدش بيمنعك تشوفها، لكن فيه فرق بين إنك ترجع تحاول تصلح علاقتك ببنتك، وبين إنك تيجي فجأة وتطلب منها تسيب البيت اللي كبرت فيه.
صابر سكت لحظة، وبعدها بص لي وقال أنا كمان عرفت إن منة متفوقة جدًا، وإنها ممكن تدخل كلية كويسة. وأنا عايز أضمن مستقبلها، وهقدر أعمل لها كل اللي هي محتاجاه.
قلت له وإحنا مش بنحرمها من حاجة، والحمد لله ربنا كرّمنا، وبنقدر نوفر لها ولأخوها حياة كويسة.
صابر ابتسم ابتسامة مستفزة وقال بكرة تعرفي إن الفلوس بتفرق، وإن الأب الحقيقي يقدر يعمل حاجات محدش غيره يقدر يعملها.
في اللحظة دي، منة خرجت من أوضتها، وكانت سامعة آخر كلامه.
بصت له وقالت حضرتك عايز مني إيه بالظبط؟
صابر قام بسرعة، وابتسم لها عايزك تيجي تعيشي معايا يا حبيبتي. أنا أبوكي، ونفسي أعوضك عن كل اللي فات.
منة فضلت باصة له شوية، وبعدها سألته طب إنت تعرف أنا بحب آكل إيه؟ تعرف أنا بخاف من إيه؟ تعرف مين صاحبتي المقربة؟ تعرف أنا كنت بعيط ليه يوم نتيجة الابتدائية؟
صابر اتلخبط وقال يا بنتي، إنتِ لسه صغيرة، وكل ده هنعرفه مع الوقت.
منة هزت راسها وقالت أنا مش صغيرة يا بابا صبحي، وأنا فاهمة كويس. أنا مش بقول إنك مش أبويا، لكن إنت غبت عني وأنا محتاجاك. دلوقتي لو عايز تعرفني، ممكن تيجي تزورني ونتكلم، لكن أنا مش هسيب بيتي.
صابر بص لصبحي بغضب، وكأنه كان متوقع إنه هو اللي لقّنها الكلام.
قال لها يعني الراجل ده أهم عندك مني؟
منة ردت بسرعة الموضوع مش مين أهم من مين. الموضوع إن بابا صبحي كان موجود، وإنت ما كنتش موجود. أنا مش هعاقبك على الماضي، لكن مش هقدر أتصرف كأن الماضي ما حصلش.
صابر لمّ الأوراق بعصبية، وقام من مكانه، وقبل ما يخرج قال واضح إنكم كلكم ضدي، بس أنا مش هتنازل عن بنتي بسهولة.
وخرج وقفَل الباب وراه بعنف.
عدّى أسبوع، وصابر بدأ ييجي كل يومين، مرة يجيب هدايا لمنة، ومرة يعرض عليها فلوس، ومرة يقول لها إنه حجز لها رحلة، وإنه نفسه يقضي معاها وقت.
منة كانت بتستقبله باحترام، لكنها ما كانتش بتوافق تروح معاه لوحدها، وكانت بتطلب إن الزيارات تبقى في وجودنا لحد ما تتعود عليه.
أما نوال، فكانت بتحاول تتقرب من يوسف، لكنه كان رافض يقابلها في البداية.
وفي يوم، صبحي قال له يا يوسف، مهما حصل، دي أمك، وأنا مش هطلب منك تحبها غصب عنك، لكن ادّي نفسك فرصة تسمع منها، يمكن يكون عندها كلام محتاج تسمعه.
يوسف فكر شوية، وبعدها وافق يقابلها في بيتنا.
جت نوال، وكانت جايبة معاه هدية غالية، وحطتها قدامه وقالت دي ليك يا حبيبي، وأنا عارفة إنك زعلان مني، بس نفسي تسامحني.
يوسف بص للهدية، وبعدها رفع عينه وقال أنا مش زعلان عشان ما جبتيليش هدايا، أنا زعلان عشان كنت محتاجك ومكنتيش موجودة.
نوال دموعها نزلت، وقالت أنا غلطت يا يوسف، ومش هقدر أرجع السنين اللي فاتت، لكن نفسي تديني فرصة أكون أمك من جديد.
يوسف ما ردش فورًا، لكنه أخيرًا مد إيده وأخد الهدية، وقال أنا ممكن أديكي فرصة، بس مش عايز وعود كبيرة. عايز أشوف أفعال.
صبحي ابتسم ابتسامة صغيرة، لأنه كان عارف إن ابنه بدأ ياخد أول خطوة ناحية إنه يتخلص من وجعه القديم.
لكن اللي ما كناش نعرفه إن صابر كان بيخطط لحاجة تانية خالص.
بعد حوالي شهر، وصل لصبحي اتصال من محامٍ، بيطلب منه يحضر لمكتبه عشان فيه موضوع متعلق بمنة.
صبحي اتصل بيا فورًا، وطلب مني أروح معاه.
ولما وصلنا، لقينا صابر قاعد بالفعل، وبجانبه المحامي.
المحامي رحب بينا، وبعدها قال أستاذ صابر طلب مني أشرح لكم الإجراءات القانونية المتعلقة بحقوقه كأب، وإمكانية تنظيم إقامة بنته وحقه في رؤيتها، بما يراعي مصلحتها.
قلبي اتقبض، وبصيت لصبحي، لكنه ضغط على إيدي كأنه بيطمني.
صابر اتكلم بثقة أنا مش عايز مشاكل، بس من حقي أكون جزء من حياة بنتي، ومش هقبل إن حد يمنعني عنها.
المحامي وضح إن أي خلاف لازم يتعامل معاه وفق القانون، وإن مصلحة منة هي الأساس، وإن المسألة مش مجرد رغبة أي طرف في إنه ياخدها ويعيشها معاه.
بعد ما خرجنا من المكتب، كنت متوترة جدًا.
قلت لصبحي يا صبحي، أنا خايفة. مش خايفة على نفسي، أنا خايفة منة تتوجع، أو حد يحاول يبعدها عننا.
صبحي وقف وبص لي وقال يا سمر، إحنا عمرنا ما منعناها من أبوها، ولا حرّضناها عليه. إحنا ربيناها وحبيناها، وهنفضل نعمل كده. واللي بنيناه بالحب والصبر مش هيتحدد بكلام حد في يوم واحد.
مسكت إيده، لكن قبل ما نركب العربية، تليفون صبحي رن.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع، وبعدها قال إنت متأكد من الكلام ده؟
قفل المكالمة، وبص لي بقلق.
سألته في إيه يا صبحي؟
قال المحامي اللي كلمنا النهارده اكتشف حاجة في الأوراق اللي صابر قدمها... حاجة ممكن تغيّر مسار الموضوع كله.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قلت له حاجة إيه؟
صبحي فتح موبايله، ووراني رسالة وصلت له من المحامي، مكتوب فيها إن فيه مستند قديم لازم يتراجع قبل ما أي حد ياخد أي خطوة.
لكن قبل ما نعرف تفاصيل المستند، وصلتنا رسالة تانية من منة، كانت في البيت مع يوسف
ماما، بابا صابر جه هنا، ومعاه نوال، وبيقولوا إن فيه سر لازم نعرفه عن السنين اللي فاتت... وأنا مش فاهمة ليه الاتنين خايفين يتكلموا قدامكم!
صابر كان واقف مش قادر يصدق اللي شايفه، وإيده بتترعش وهو بيبص للورق اللي في إيد منة.
قال لصبحي بصوت عالي إنت كنت عارف إن فيه فلوس باسم منة من زمان، وساكت كل السنين دي؟!
صبحي عقد حواجبه وقال إنت بتقول إيه؟ أنا ما كنتش أعرف حاجة عن الفلوس اللي بتتكلم عنها غير من وقت ما المحامي راجع الورق. إنت اللي محتاج تفهم إحنا بنتكلم عن إيه قبل ما تتهم الناس!
صابر أشار للظرف اللي في إيد منة وقال أمال إيه الورق ده؟!
صبحي طلب من منة تديه الورق، وفتحه قدام الكل، وبعدها قال دي أوراق حساب توفير أنا فتحته لمنة من سنين، وكنت بحط فيه جزء من أرباح شغلي كل ما ربنا يكرمنا. والظرف التاني فيه حساب يوسف. الفلوس دي من تعبنا وشغلنا، ودي حق العيال اللي تعبنا عشانهم.
نوال بصت لصبحي بذهول وقالت يعني إنت كنت بتوفر لابني فلوس من غير ما يكون ابنك الحقيقي؟!
صبحي رد بهدوء يوسف ابني، ومش محتاج شهادة ميلاد عشان أثبت ده. زي ما منة بنتي، حتى لو أبوها موجود.
يوسف قام من مكانه، وعينيه مليانة دموع، وقال يا بابا، أنا مش عايز فلوس. أنا كل اللي كنت عايزه إنك تفضل جنبي زي ما كنت دايمًا.
صبحي ابتسم وقال وأنا جنبك يا ابني، طول ما ربنا مديني عمر.
أما صابر، فكان واقف ساكت، وكأن الكلام كشف له قد إيه كان بعيد عن حياة بنته، مش بس في السنين اللي فاتت، لكن حتى في فهمه لمعنى الأبوة.
قعد على الكرسي وحط إيده على وشه، وبعد لحظات قال أنا كنت فاكر إن الفلوس هي اللي هتخليني أرجع لمكانتي عند منة، وإن لما أوفر لها حياة أحسن هتنسى اللي حصل. لكن إنت عملت لها كل ده من غير ما تكون مطالب بيه.
صبحي رد أنا ما عملتش ده عشان أنا أحسن منك، ولا عشان أحرجك. أنا عملته لأن العيال ما لهمش ذنب في قراراتنا.
نوال كانت بتعيط، ويوسف قعد بعيد عنها شوية، لكن المرة دي ما طلبتش منه يسامحها، ولا حاولت تضغط عليه.
قالت بصوت واطي أنا ضيعت سنين عمري بعيد عن ابني، ومهما حاولت مش هقدر أرجعها.
يوسف بص لها وقال مش هقدر أنسى، لكن ممكن نتكلم، ونبدأ من جديد واحدة واحدة.
نوال هزت راسها، وكأنها أخيرًا فهمت إن القرب مش بيتطلب بالأوامر، لكنه بيتبني بالمواقف.
بعد الموقف ده، صابر بدأ يتغير فعلًا.
بطل ييجي البيت وهو متوقع إن منة لازم تنفذ كل اللي هو عايزه، وبقى يتصل قبل ما يزورنا، ويسألها عن دراستها واهتماماتها، ويسمع منها بدل ما يفضل يتكلم عن نفسه.
وفي مرة، منة كانت محتاجة تشتري كتب إضافية لدراستها، فعرض عليها صابر إنه يدفع تمنها، لكنها قالت له إنها هتستعين بحسابها اللي عمله صبحي.
صابر سكت لحظة، وبعدها قال براحتك يا بنتي، ولو احتجتي أي حاجة أنا موجود.
كانت أول مرة يقول لها فيها الكلام ده من غير ما يربطه بطلب أو شرط.
أما نوال، فبدأت تزور يوسف بانتظام، وتحاول تشارك في تفاصيل حياته، حتى لو كانت بسيطة. وفي البداية كان التعامل بينهم رسمي، لكن مع الوقت بدأ يوسف يحكي لها عن دراسته وشغله وأصحابه.
ما رجعتش العلاقة بينهم زي ما كانت ممكن تكون لو ما سابتوش، لكنهم على الأقل بقوا بيحاولوا يبنوا علاقة جديدة على الحقيقة، مش على الوعود.
وأنا وصبحي، كملنا حياتنا زي ما كنا، نشتغل ونربي العيال ونفرح بنجاحهم.
وفي يوم، وإحنا قاعدين في الحوش بعد العشا، صبحي بص لي وقال فاكرة اليوم اللي جيتي فيه تحت شجرة الجميز وطلبتي مني أتجوزك؟
ضحكت وقلت له أيوه، وإنت فضلت باصص لي كأني قلت لك إني عايزة أشتري القمر!
ضحك وقال أصل عمري ما تخيلت إن واحدة زيك، بكل قوتها وطيبتها، تختار راجل على قده زيي.
بصيت له وقلت أنا ما اخترتش راجل على قده يا صبحي، أنا اخترت راجل عنده أصل. والفرق كبير.
مسك إيدي وقال وإنتِ عوض ربنا ليا يا سمر.
وقتها بصيت ناحية الصالة، لقيت منة ويوسف قاعدين بيضحكوا مع بعض، وصابر ونوال كانوا موجودين في زيارة عائلية، وكل واحد فيهم بيحاول يصلح اللي يقدر عليه من الماضي.
ابتسمت وأنا حاسة إن ربنا عوضنا عن سنين الوجع بعيلة، يمكن
تم نسخ الرابط