لقيت ست حكايات زوزا
لقيت ست عندها 95 سنة، كانوا مدّيينها مهدئات وسايبينها على كرسي متحرك جنب طريق مقطوع مفيهوش روح، وأخدتها المستشفى لكن لما فاقت وحكتلنا اللي حصل معاها، كل اللي في الأوضة اتسمّر مكانه من الصدمة!
كانت الساعة متأخرة بالليل، وكنت سايق راجع البيت، وفجأة نور عربيتي كشف عن حاجة غريبة على جنب طريق مهجور كله طين وبرك مية.
في الأول، افتكرت إنها كرسي متحرك مرمي على جنب الطريق، ومستخبي نصه وسط المطر والطين.
لكن أول ما هديت السرعة، إيدي اتلجت على الدركسيون من الرعب.
لأن الكرسي المتحرك ما كانش فاضي!
كانت قاعدة عليه ست كبيرة جدًا في السن، جسمها واقع على جنب، وهدومها مبلولة من راسها لرجليها. شعرها الرمادي كان لازق في وشها الشاحب، ودراعاتها الرفيعة متدلية من على مسندي الكرسي من غير أي حركة.
ما كانش فيه أي بيوت قريبة.
ولا عربيات واقفة.
ولا شنطة جنبها، ولا بطانية تدفيها، ولا حتى موبايل تقدر تطلب بيه المساعدة.
ما كانش فيه غير الست دي، لوحدها في وسط الضلمة، كأن حد رماها في المكان ده ومشي واختفى من غير ما يسيب أي أثر!
جريت ناحيتها وأنا بنادي بأعلى صوتي
يا حاجة! حضرتك سامعاني؟!
لكنها ما ردتش.
جلدها كان ساقع جدًا، وشفايفها لونها كان مايل للزرقة، ونَفَسها ضعيف لدرجة إني اضطريت أقرب منها قوي عشان أتأكد إنها لسه عايشة.
قلعت الجاكيت بتاعي ولفّيته حوالين جسمها اللي كان بيرتعش من البرد، واتصلت بالإسعاف، وفضلت أترجاها إنها تستحمل لحد ما المساعدة توصل.
في المستشفى، الدكاترة قالوا إنها مصابة بانخفاض خطير في درجة حرارة جسمها، وكمان عندها جفاف شديد.
لكن اللي صدمهم أكتر إن كل العلامات كانت بتشير إلى إن حد ادّاها مهدئات!
محدش كان عارف الست دي مين، ولا إزاي وصلت للمكان ده، ولا بقالها قد إيه قاعدة على جنب الطريق وسط البرد والمطر.
الشرطة سألتني إذا كنت شفت أي حد في المنطقة، لكن كل اللي شفته كان الكرسي المتحرك، والمطر، وجسم الست اللي ما كانش بيتحرك.
وفجأة، قبل الفجر بشوية، حصلت حاجة الكل كان مستنيها.
الست فتحت عينيها أخيرًا!
ممرضة قربت منها بهدوء، وانحنت ناحيتها وسألتها
يا حاجة، ممكن تقوليلنا اسمك إيه؟
الست همست باسمها بصوت ضعيف جدًا
وفي اللحظة دي، ظباط الشرطة اتسمّروا مكانهم، ومحدش فيهم قدر ينطق بكلمة!
لأن الاسم اللي قالته كان اسم ست مفقودة بقالها شهور طويلة!
لكن دي ما كانتش الصدمة الأكبر
حكايات_زيزي
لما سألوها إزاي وصلت لجنب الطريق المهجور ده، عينيها اتمَلَت بالدموع، وبدأت تحكيلهم حكاية مرعبة لدرجة إن كل اللي كانوا موجودين في الأوضة وقفوا مكانهم، مش قادرين يتحركوا ولا يصدقوا اللي بيسمعوه!
أول ما الست الكبيرة نطقت باسمها، الظابط اللي كان واقف جنب السرير بصّ لزميله، ووشه اتغيّر تمامًا.
واحد منهم قرّب منها وقال بصوت متوتر
يا حاجة فاطمة إنتِ متأكدة إن ده اسمك؟ وإنك فعلًا فاطمة عبدالسلام؟
الست هزّت راسها ببطء، ودموعها بدأت تنزل على خدودها المجعدة.
أيوه يا ابني أنا فاطمة عبدالسلام. أنا اللي بقالكم شهور بتدوروا عليّا بس أنا ما اختفيتش بمزاجي!
الأوضة كلها سكتت.
الظابط فتح ملف قديم كان معاه، وطلع منه صورة لست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، لابسة نفس السلسلة الذهب الصغيرة اللي كانت في رقبة الست اللي قدامهم.
وقال للممرضة
دي نفس الست اللي اختفت من دار رعاية كبار السن من سبع شهور! أهلها بلّغوا عن اختفائها، وبعدها التحقيق اتقفل مؤقتًا لعدم وجود أي دليل!
أنا كنت واقف عند باب الأوضة، مش قادر أستوعب اللي بسمعه.
سبع شهور كاملة، والست دي محدش عارف عنها حاجة!
لكن فاطمة مسحت دموعها بإيد مرتعشة، وبصّت للظابط وقالت
أنا عايزة أحكيلكم كل حاجة بس قبل ما أتكلم، عايزاك توعدني إنك مش هتسلّمني لنفس الناس اللي عملوا فيّا كده.
الظابط قرب منها وقال بحزم
محدش هيقدر يقرب منك طول ما إحنا هنا. احكيلي مين عمل فيكي كده؟
فاطمة غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها بعد شهور من الرعب.
وبعد لحظات، بدأت تتكلم
أنا كنت عايشة في دار رعاية، وكان عندي معاش وشوية فلوس كنت موفراهم طول عمري. ابني الوحيد مات من سنين، وكنت فاكرة إن مفيش حد فاضل لي في الدنيا غير بنت أخويا، نادية، اللي كنت بعتبرها بنتي.
سكتت شوية، وبعدين كملت بصوت مكسور
نادية كانت بتزورني كل أسبوع، وتجيبلي الأكل والهدوم، وتفضل تقولي إنها مش هتسيبني أبدًا. وأنا من كتر ما كنت بحبها، كتبتلها توكيل عشان تساعدني في أموري، لأني ما كنتش بعرف أتحرك لوحدي.
الظابط دوّن اسم نادية في محضر التحقيق، وسألها
وإيه اللي حصل بعد كده؟
فاطمة بصّت للسقف، ودموعها زادت.
في يوم، نادية جاتلي ومعاها راجل غريب، وقالتلي إنه دكتور جاي يطمن على صحتي. ادّوني دوا قالوا إنه هيساعدني أنام وأرتاح، لكن بعد ما شربته حسيت إن جسمي تقيل، ولساني مش قادر يتحرك.
الممرضة شهقت وهي بتبص لزميلتها.
فاطمة كملت
لما فتحت عيني، لقيت نفسي في أوضة مش عارفاها، وإيدي مربوطة في مسندي الكرسي. نادية كانت واقفة قدامي، والراجل الغريب جنبها، وسمعتها بتقوله المهم إنها تمضي على الورق قبل ما تفوق تمامًا.
الظابط رفع عينيه من المحضر بسرعة.
ورق إيه يا حاجة؟
فاطمة ردت وهي بتترعش
معرفش يا ابني بس لما رفضت أمضي، نادية قربت مني وهمستلي بكلام عمري ما هنساه!
وبعدين بصّت للظابط وقالت
قالتلي إن الفلوس اللي معايا مش هي السبب الوحيد اللي مخليها تعمل كده وإن فيه سر قديم لو اتكشف، ناس كتير هتدخل السجن!
في اللحظة دي، موبايل الظابط رن.
ردّ على المكالمة، وفضل ساكت وهو بيسمع، وبعد ثواني وشه شحب.
قفل المكالمة وبص لزميله وقال
لازم نتحرك حالًا! لقينا عنوان المكان اللي كانت محتجزة فيه الست، وفيه حاجة هناك ممكن تغيّر القضية كلها!
لكن قبل ما يخرجوا، فاطمة مسكت إيد الظابط بكل قوتها، رغم ضعفها، وقالتله
استنى يا ابني إنت لو رحت المكان ده من غير ما تعرف الحقيقة، ممكن ترتكب نفس الغلطة اللي ارتكبوها معايا!
الظابط وقف مكانه.
حقيقة إيه تاني يا حاجة؟
فاطمة بلعت ريقها، وبصّت ناحية باب الأوضة، وبعدها همست
الراجل اللي كان بيديلي المهدئات أنا شفته قبل كده. والأخطر من كده، إنه مش غريب عن عيلتنا زي ما نادية كانت عايزة تفهمني!
ولما كشفت اسم الراجل ده، الظابط قام من مكانه فجأة، وطلب من زميله يقفل باب الأوضة فورًا لأن الاسم اللي سمعه كان مرتبط بقضية تانية محدش قدر يحل لغزها من سنين!
الظابط بصّ لفاطمة بصدمة، وقرّب منها وهو بيحاول يحافظ على هدوء صوته.
يا حاجة، أنا محتاجك تركزي معايا الراجل ده اسمه إيه؟
فاطمة فضلت ساكتة ثواني، وكأنها خايفة حتى من نطق اسمه.
وبعدين قالت
اسمه محمود الشناوي وده مش مجرد راجل كان بيزورني. ده كان المحامي اللي اتولى تقسيم ورث أخويا من أكتر من عشرين سنة!
الظابط اتبادل النظرات مع زميله.
المحامي محمود الشناوي كان اسمه موجود فعلًا في ملف قضية قديمة، قضية اختفاء مستندات ملكية أرض كبيرة، وبعدها بشهور مات صاحب الأرض في حادث غامض، واتقفلت القضية من غير ما حد يعرف مين استفاد من اختفاء المستندات.
الظابط سألها بسرعة
إيه علاقة أرض أخوكي باللي حصل لك؟
فاطمة أخدت نفسًا متقطعًا وقالت
أخويا قبل ما يموت، سابلي ورق أمانة. قالي بالحرف الواحد يا فاطمة، لو حصل لي أي حاجة، أوعي تفرّطي في الورق ده، لأنه مش مجرد ورق أرض ده دليل على حق ناس اتظلمت.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا خبيت الورق في مكان محدش يعرفه، حتى نادية نفسها. لكن من حوالي سنة، محمود بدأ يزورني في الدار، ويسألني أسئلة غريبة عن أخويا، وعن الخزنة القديمة اللي كانت في بيته.
الظابط فتح دفتره بسرعة.
ونادية كانت تعرف إنه بيزورك؟
أيوه وبعد كل زيارة كانت تسألني إذا كنت افتكرت مكان الورق ولا لأ. ولما كنت أقولها إني مش فاكرة، كانت بتتعصب وتسيبني بالأيام من غير ما تزورني.
الممرضة كانت واقفة جنب السرير، وعينيها مليانة دموع من اللي بتسمعه.
أما أنا، فكنت مستغرب إزاي ست عندها خمسة وتسعين سنة اضطرت تواجه كل الرعب ده لوحدها.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
فاطمة طلبت من الظابط يقرّب، وقالتله
فيه حاجة لازم تعرفها أنا ما اختفيتش يوم ما أخدوني من دار الرعاية. أنا فضلت محتجزة في بيت قديم، وكانوا بيغيروا مكاني كل فترة. وفي كل مرة كنت أرفض أقولهم مكان الورق، كانوا يدّوني مهدئات لحد ما أفقد الوعي.
الظابط قبض إيده بغضب.
وازاي قدروا يخرجوك من الدار من غير ما حد يعترض؟
فاطمة ردت بحزن
نادية قالت للإدارة إنها هتنقلني لمركز طبي متخصص، وقدمت لهم أوراق عليها توقيعات وأختام. محدش شك فيها، لأنها كانت قريبة مني، ومعاها التوكيل اللي أنا مضيت عليه بإيدي.
وبعدين رفعت عينيها للظابط وقالت
بس أنا عرفت إنها بتكذب عليّا قبل ما ياخدوني للمرة الأخيرة.
عرفتي إزاي؟
سمعتها وهي بتتكلم في التليفون مع محمود، وكانت فاكرة إني نايمة. قالتله إنها لقت مفتاح الخزنة القديمة، وإنها هتجيب الورق بنفسها.
الظابط سألها
طب إيه اللي حصل بعد كده؟
فاطمة بدأت ترتعش، وشدت الغطا عليها.
رجعت في نفس الليلة، وكانت مرعوبة. أول ما دخلت الأوضة اللي كنت فيها،